
مقالات كيف أصبحت الجغرافيا السلاح الأقوى لإيران في مواجهة واشنطن؟
12/07/202608:41:26
نجحت إيران في تحويل مضيق هرمز من مجرد ممر بحري حيوي إلى ورقة استراتيجية تمنحها قدرة على التأثير في حسابات القوى الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية، فالموقع الذي كان يُنظر إليه باعتباره شرياناً للطاقة، أصبح جزءاً من معادلة النفوذ الإقليمي والدولي، وورقة استراتيجية تتمسك بها طهران وتدرك قيمتها جيداً في مواجهة أعدائها.
والناظر إلى الأحداث الأخيرة، ولا سيما في ظل جولات التفاوض الإيرانية الأميركية، يلاحظ أن المضيق بات يمثل إحدى نقاط التحدي أمام واشنطن التي تمتلك تفوقاً عسكرياً واقتصادياً هائلاً، لكنها تجد صعوبة في تحييد تأثير الجغرافيا التي تمنح إيران موقعاً استثنائياً على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
لذلك تتمسك طهران بهذه الورقة باعتبارها عنصر قوة في أي مسار تفاوض مستقبلي، ليس فقط للدفاع عن مصالحها الأمنية، بل لتعزيز موقعها التفاوضي وفرض حضورها كطرف لا يمكن تجاوزه في معادلات الخليج والمنطقة.
وهنا يُطرح السؤال نفسه، هل أصبح مضيق هرمز بالفعل الورقة الاستراتيجية التي تستطيع إيران من خلالها مواجهة التفوق الأميركي العسكري، أم أن واشنطن قادرة في النهاية على تجاوز هذه المعادلة وتقليص تأثيرها؟
تؤكد العلاقات الدولية دوماً، أن الصراعات الكبرى لا تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، فالجغرافيا تبقى حاضرة بقوة في الحسابات السياسية والاستراتيجية، وهذا ما يجيب عن السؤال الذي بات يتردد مؤخراً، لماذا عاد التصعيد مجدداً على إيران،ولماذا يزداد ويتصاعد التهديد الأميركي تجاه إيران رغم توقيع مذكرة تفاهم بين الطرفين وبدء مفاوضات؟
حسب قراءتي التحليلية، فإن السبب الذي أعاد التصعيد مجدداً هو الخلاف المتعلق بالبند الخامس، المرتبط بمضيق هرمز، إذ ترى إيران أن الاتفاقية تمنحها الحق والشرعية في تأمين الملاحة عبر المضيق، بينما ترى الولايات المتحدة أن طرح هذه النقطة على طاولة المفاوضات يصب لصالح إيران، ويمنحها مساحة أكبر للاستمرار في التحكم بهذه الورقة الاستراتيجية واستخدامها للضغط على الإدارة الأميركية في مسار المفاوضات ككل.
كما أن هذه المسألة أصبحت تمثل تحدياً داخلياً للإدارة الأميركية، ولا سيما في ظل حساسية أسعار الطاقة وتأثيرها المباشر على الرأي العام الأميركي، لذلك تردد مؤخراً أن الولايات المتحدة، بعد توقيع مذكرة التفاهم مع إيران مؤخراً، حاولت فتح ممر خاص عبر المياه الإقليمية لسلطنة عُمان، في محاولة لتقليل اعتمادها على مضيق هرمز ونزع جزء من هذه الورقة الاستراتيجية من يد إيران، بما يسمح لها بتمرير شروطها بشكل أكبر ، وخاصة أن مضيق هرمز يشكل في الأساس حالة خانقة للاقتصاد الدولي إذا ما أغلق، وتحدياً سياسياً كبيراً للرئيس ترامب وإدارته، كما يؤثر بشكل خاص على الدول الصديقة للولايات المتحدة، ولا سيما دول الخليج تحديداً، لكن هذه المحاولات التي لم تنجح وكان هدفها الإمساك بمضيق هرمز وتقليص قدرة إيران على استخدامه كورقة ضغط.
وهنا تحولت الجغرافيا إلى قوة تفاوضية لصالح إيران خلال جولات المفاوضات، إذ لم يعد المضيق مجرد طريق لعبور ناقلات النفط والغاز، بل أصبح نقطة ارتكاز في معادلات الأمن والسياسة، وبالتالي فإن الخلاف حوله لا يتعلق فقط بحركة الملاحة، وإنما بمن يمتلك القدرة على التحكم والتأثير في أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم.
وهنا، ورغم الحديث عن ورقة التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران، فإن التصعيد المتجدد والمتصاعد بأشكاله المختلفة، وفق قراءتي التحليلية، لا يرتبط فقط بملفات كبيرة مثل البرنامج النووي أو العقوبات الاقتصادية، بل يرجع إلى خلاف أعمق حول النفوذ والدور الإقليمي في مضيق هرمز.
تدرك إيران أن موقعها الجغرافي يمنحها ورقة قوة لا يمتلكها كثير من دول المنطقة، فهي تشرف على الضفة الشمالية للمضيق، وتمتلك قدرة على التأثير في أمنه، وهو ما يمنحها وزناً استراتيجياً يتجاوز قدراتها العسكرية، ولا تحتاج طهران إلى الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة حتى تستخدم هذه الورقة، إذ يكفي أن تمتلك القدرة على التأثير حتى تصبح لاعباً لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات أمنية تخص منطقة الخليج.
من هذا المنطلق يمكن فهم تمسك إيران بأي ترتيبات تمنحها دوراً واعترافاً بمصالحها الأمنية في مضيق هرمز، ووفق قراءة تحليلية للأحداث الأخيرة، فإن حصول إيران على اعتراف بدورها في تأمين حركة الملاحة أو المشاركة في صياغة قواعد أمن المضيق سيمنحها مكسباً سياسياً واستراتيجياً مهماً لأنه يحوّل موقعها الجغرافي من مجرد حقيقة طبيعية إلى ورقة تفاوضية معترف بها.
وعلى الجانب الآخر من الصورة، تدرك الولايات المتحدة حساسية هذه المسألة، إذ إن تثبيت دور إيراني في معادلة أمن مضيق هرمز قد يمنح طهران قدرة أكبر على المناورة في أي مفاوضات مستقبلية حول ملفات أخرى.
لذلك تسعى واشنطن إلى الحفاظ على حرية الملاحة باعتبارها مبدأً دولياً، وفي الوقت ذاته تعمل على منع تحول المضيق إلى ورقة ضغط استراتيجية بيد إيران.
ومن هنا يمكن تفسير الاهتمام الأميركي بمحاولات تطوير بدائل ومسارات تقلل الاعتماد على مضيق هرمز، سواء من خلال تعزيز خطوط نقل الطاقة أو إيجاد ممرات بحرية بديلة في المياه الإقليمية لسلطنة عُمان، التي تتمتع هي الأخرى بموقع جغرافي مهم.
فالهدف الأميركي ليس إلغاء أهمية مضيق هرمز، فهذا أمر غير واقعي البتة، وإنما تقليل القدرة التي تمنحها الجغرافيا لإيران، لكن المشكلة الأساسية أمام أي استراتيجية أميركية من هذا النوع هي أن الجغرافيا لا يمكن تغييرها، فالقواعد العسكرية تستطيع الانتشار والتحرك في أي مكان، والعقوبات الاقتصادية يمكن فرضها في أي زمان ، والتحالفات يمكن بناؤها مع دول الخليج، لكن موقع إيران المطل على مضيق هرمز يبقى حقيقة جغرافية ثابتة، ولهذا ستظل هذه الورقة واحدة من أهم عناصر القوة الإيرانية في مواجهة الضغوط الخارجية الأميركية.
والمعروف أن أهمية مضيق هرمز لا تقتصر على العلاقة بين واشنطن وإيران، بل تمتد إلى دول الخليج التي تعتمد بشكل كبير على استقرار الملاحة لتصدير الطاقة من النفط والغاز والحفاظ على استقرار اقتصاداتها.
فأي توتر في المضيق ينعكس بشكل مباشر على الأسواق العالمية، وعلى أسعار النفط، وعلى حسابات الدول سواء المنتجة أم المستهلكة، وهي حقائق تدركها الإدارة الأميركية جيداً.
ومن هنا تظهر معضلة دول الخليج أيضاً فهي من جهة تعتمد على التحالف الأمني مع واشنطن لضمان حماية الملاحة، ومن جهة أخرى تدرك أن استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران يحمل مخاطر كبيرة على أمن المنطقة واقتصادها، لذلك تسعى هذه الدول إلى تحقيق توازن بين الحفاظ على الشراكة مع واشنطن وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة في المنطقة قد تؤثر سلباً على أمنها واستقرارها الاقتصادي.
ومن جانب آخر، يمثل مضيق هرمز تحدياً سياسياً داخلياً ليس لإدارة ترامب وحدها، بل لأي إدارة أميركية، فأسعار الطاقة ليست مجرد ملف اقتصادي، بل قضية تمس المواطن الأميركي بشكل مباشر، وأي اضطراب في حركة النفط عبر المضيق يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وزيادة الضغوط الاقتصادية، وهو ما ينعكس سلباً على شعبية الإدارة الأميركية وقدرتها على إدارة الملفات الداخلية.
ولهذا فإن أمن المضيق بالنسبة للولايات المتحدة ليس قضية خارجية فقط، بل يرتبط أيضاً بحسابات السياسة الداخلية، فالرئيس الأميركي لا ينظر إلى أي أزمة في الخليج باعتبارها بعيدة عن الداخل الأميركي، لأن تأثيراتها الاقتصادية والسياسية تصل سريعاً إلى الناخب الأميركي.
وهذا يأتي في ظل حالة من الجدل الداخلي حول سياسات الإدارة الأميركية، ومدى جدوى الانخراط في أزمات وحروب خارجية، حيث ترى قاعدة كبيرة في الداخل الأميركي أنها ليست ذات أولوية بالنسبة للولايات المتحدة.
تاريخياً، هناك نماذج سابقة تؤكد أن الجغرافيا هي بالفعل أقوى من أي قوة عسكرية، فالمسألة لا ترتبط بمضيق هرمز وحده، إذ يكشف التاريخ أهمية الممرات الاستراتيجية مثل قناة السويس وباب المندب، فالدول التي تمتلك السيطرة أو القدرة على التأثير في هذه الممرات البحرية لا تمتلك مجرد أراضٍ أو مياه، بل تمتلك قدرة على التأثير في حركة التجارة العالمية أيضا.
ومن المعروف أن أي تعطيل كبير للملاحة في مضيق هرمز أو في أي ممر بحري حيوي ستكون له عواقب وتداعيات واسعة على جميع الأطراف في المنطقة.
وهذا ما يعزز القراءة التحليلية التي ذهبت إليها أن إيران تستخدم ورقة مضيق هرمز كأداة ردع وضغط سياسي في مسار المفاوضات الحالية، حتى في ظل تعثرها أو توقفها.
في تقديري، فإن مستقبل الصراع حول مضيق هرمز يتوقف على طبيعة ما يمكن أن تتوصل إليه إيران والولايات المتحدة في هذا السياق، لكن الواضح أن إيران متمسكة بقوة برؤيتها.
فإذا نجحت المفاوضات بشأن هذا الملف، فقد يتحول المضيق من ساحة مواجهة إلى ساحة لتنظيم قواعد أمنية واقتصادية جديدة أكثر استقراراً، أما إذا فشلت المسارات السياسية، فمن المرجح أن يبقى المضيق إحدى أهم أوراق القوة الاستراتيجية بيد إيران يُستخدم كورقة ضغط مهمة.
ولعل تجربة المفاوضات الإيرانية الأميركية تثبت أن مضيق هرمز يمثل دليلاً واضحاً على أن الجغرافيا لا تزال لاعباً رئيسياً في السياسات الدولية، فالولايات المتحدة تمتلك تفوقاً عسكرياً هائلاً، لكن إيران تمتلك موقعاً متميزاً جغرافياً يمنحها ورقة قوة يصعب تجاهلها في أي مسار تفاوضي حاليا أو مستقبلاً.
الحرب المتجددة بين أميركا وإيران ليست على ممر مائي يستخدم لحركة الملاحة فقط، بل على النفوذ والقواعد التي ستحدد شكل النظام الأمني في منطقة الخليج خلال السنوات المقبلة، وهذا ما تحرص إيران من خلاله على فرض معادلات جديدة، انطلاقاً من رؤية مفادها أن المنطقة تتشكل وفق موازين جديدة تختلف عما كانت عليه قبل الحرب.
معركة مضيق هرمز التي عادت إلى الواجهة من جديد بين إيران والولايات المتحدة ليست معركة سفن وناقلات نفط فحسب، بل هي معركة على موقع القوة والتأثير، وهذا يقودنا إلى نتيجة مفادها أن القوة لا تكون فقط لمن يمتلك أكبر جيش أو أضخم ترسانة عسكرية في العالم، بل لمن يمتلك موقعاً جغرافياً استراتيجياً يجبر أي قوة في العالم مهما بلغت على إعادة حساباتها، وهنا أثبتت الجغرافيا مرة أخرى أنها ما زالت قادرة على فرض شروطها.
شرحبيل الغريب-الميادين
جاري تحميل الخبر التالي...