السلطة تعيد “هندسة النظام” والفصائل تبحث في صناديقها القديمة عن خيارات جديدة
مقالات

السلطة تعيد “هندسة النظام” والفصائل تبحث في صناديقها القديمة عن خيارات جديدة

08/07/202607:02:13

دخل مصطلح “الهندسة” بقوة على القاموس السياسي الفلسطيني في السنوات الأخيرة، ليصبح الأكثر شيوعاً في وصف ما يُعقد من مؤتمرات (الثامن لحركة فتح)، وما جرى من انتخابات بلدية ومحلية…وما يجري التحضير له من انتخابات مقبلة (مجلس وطني، تشريعية، رئاسية) …لا شيء يُترك للصدف عندما يتعلق الأمر بإحكام القبضة على السلطة، ولا شيء يبقى للمنافسة، حين يتصل الأمر براهن النظام السياسي الفلسطيني ومستقبله.

و”الهندسة” تعني، من ضمن ما تعني، أن نتائج أي استحقاق انتخابي، يتعين أن تكون محسومة سلفاً لصالح فريق مدجج بسطوة السلطة والمال والأمن، ومن لا يأتي بالقوة الناعمة، سيأتي بالقوة الخشنة، إنفاذاً لقاعدة أزلية لخصت دور “العصا والجزرة” في إحكام السيطرة، وإخضاع الخصوم والمعارضين، وإسكات المحتجين والمجادلين.

“شراء الصوت”، هو الهدف الأول لهذا التكتيك الانتخابي، فإن تعذر فلا بأس من “شراء الصمت”، وذلكم أضعف الإيمان… وأحسب أنه بمقدور القارئ الفلسطيني الحصيف، أن يأتي بعشرات الأمثلة والشواهد الدالة على الأمرين معاً، وبما يدحض تماماً فكرة “دمقرطة” المؤسسات” و”تشبيبها”، والأهم “شرعنتها”، بعد أن “تقادمت” الشرعيات وتآكلت بمرور السنين والأجيال.

و”الهندسة” ليست أمراً مصاحباً للاستحقاقات الانتخابات الفلسطينية، وحدها دون سواها، فهي ظاهرة عربية بامتياز، تتخذ أشكالاً مختلفة، وتعتمد أدوات متنوعة، بيد أنها في الحالة الفلسطينية، تكتسي قدراً هائلاً من الخطورة، بوجود كثرة من “المهندسين”، أكثرهم نفوذاً وتأثيراً، من غير الفلسطينيين، أميركيين وعرباً وأوروبيين، والأخطر، إسرائيليين، فنتائج “الهندسة” هنا، لا تتعلق بتقرير أي من الأطراف المتنافسة، سيحظى بقصب السبق الانتخابي، بل تضرب مباشرة في صميم قضية الفلسطينيين وحقوقهم ومستقبل كفاحهم، وتمس بقدر من الأقدار، مستقبل “إسرائيل” واحتلالها وأمنها واستقرارها، وثمة قصص وحكايات تدعو للخجل والقلق، تعكس حجم التدخل الإسرائيلي في استحقاقات انتخابية، فصائلية خاصة ووطنية عامة.

وتزداد “الهندسة” خطورة، حين لا تقتصر أهدافها ومراميها، على نتائج مؤتمر حركي هنا، أو مجلس تشريعي هناك، فهي في الحالة الفلسطينية، تستبطن “هندسة للديموغرافيا والجغرافيا” الفلسطينيتين، فحين يُشهر “الفيتو الأميركي” في وجه انتخابات حرة ونزية لمجلس وطني جديد لمنظمة التحرير، فهذا يعني أنه يراد اختزال الشعب الفلسطيني بأهل الضفة والقطاع، أو من يتبقى منهم بنتيجة مؤامرات التهجير التي لم تدفن بعد، وهذا يعني أيضاً، اختزال المنظمة بالسلطة، فالأولى مفصلة على مقاس “الكل الفلسطيني”، فيما الثانية تم تكييفها على مقاس أهل الأراضي المحتلة عام 1967، أو بالأحرى، من تبقى منهم في وطنه، أو على ما تبقى لهم من وطن، سلطة أكلت أمها: المنظمة، وذوّبت في دوائرها وأجهزتها ما كان يُعرف ذات يوم، بـ”العمود الفقري” للحركة الوطنية الفلسطينية: فتح … سلطة مرشحة لممارسة بعضٍ من ولايتها، على قسم من شعبها، فوق ما يتبقى من أرضها.

المغزى مما سبق، أن “هندسة” النظام السياسي الفلسطيني، و”إعادة هندسته” إنما هي المقدمة الضرورية للمضي قدما في “هندسة” الجغرافيا والديموغرافيا” الفلسطينيتين، بما ينسجم مع مخرجات “الحل الإسرائيل” و”خطة الحسم”، أو باللغة الفلسطينية الدارجة: تصفية القضية وابتلاع الأرض، والحقوق، والمقدسات، والحلم.

استعجال واحدة واستمهال أخرى

في التفاصيل، كان مفاجئاً صدور مرسوم رئاسي يقضي بإجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني، فهذا المجلس لم يتشكل يوماً بانتخابات عامة، وظل تشكيله خاضعاً لـ”المحاصصة” تحت عنوان “التوافقات”، والتعيين وفقاً لأكثر معايير المحسوبية والولاء شيوعاً، وأصابته الشيخوخة بفعل تقادم الأجيال وتآكل موقع ودور المنظمات الشعبية والجماهيرية، وغياب المؤثرين والفاعلين من الأجيال الشابة، عن عمله.

مجلسٌ اعتاد الدخول في نوبات متعاقبة من السُبات الشتوي، اضطر معه في نهاية الأمر، لتفويض صلاحياته لغيره (المجلس المركزي)، بعد أن باتت لعبة انعقاده وتأجيل انعقاده وتعذر انعقاده، لعبة سمجة لا تُسعد أحداً، وبعد أن أثقلت كاهله عضويته الموسعة (قرابة 750 عضواً)، فلا يفوقه عدداً سوى مجلس الشعب الصيني.

لكن “فيتو” أميركي، سيداهم السلطة وهي في حمأة الترويج لأهمية انتخاب مجلس وطني جديد، لا لشيء إلا لأن الولايات المتحدة، نيابة عن “إسرائيل”، لا تريد للمنظمة بما تمثل ومن تمثل، أن تظل على قيد الفاعلية والحضور، فما كان من السلطة إلا أن استلت سيف المراسيم الرئاسية من جديد، فأصدرت واحداً يقضى بتقديم موعد إجراء الانتخابات التشريعية، التي لم تكن قد تقررت هذا العام بعد، والثاني يرفع عدد أعضاء المجلس من 132 عضواً إلى 200 عضو، ليطابق “كوتا الداخل” في المجلس الوطني، وليصبح مفهوماً أن أعضاء المجلس التشريعي، هم أعضاء تلقائيين في المجلس الوطني، في عملية التفافية، تعكس ارتهان المنظومة السياسية للإملاءات الأميركية.

وسيتم اختيار 150 عضو آخر، يمثلون الخارج، بالانتخاب حيثما أمكن والتعيين غالباً، والأرجح أن “تقدير موقف” سيصدر قريباً يوصي بتعذر إجراء الانتخابات في كل مكان، واللجوء إلى التعيين، لتكتمل بذلك دائرة الإمساك بتلابيب “الممثل الشرعي الوحيد”.

على أن أخطر ما يجري تداوله تسريباً، أن عضوية المجلس الجديد ستستثني من صفوفها ممثلين عن أ كثر من ستة ملايين فلسطيني (الأردن والخط الأخضر)، بخلاف ما جرت عليه العادة، أو الاكتفاء بتمثيل رمزي عنهم، لتفادي الدخول في إشكاليات مع “إسرائيل” والأردن، الأمر الذي يُبقي الخارج محصوراً بالجاليات ومن تبقى من فلسطينيي سوريا ولبنان، حيث سيسهل تعيين ممثلين عنهم من “الهياكل” القائمة، فتحكم “الجماعة” قبضتها على “خاتم الممثل الوحيد”، وربما لأداء آخر وظائفه: التوقيع على شهادة وفاة المشروع الوطني الفلسطيني.

الخلاصة، في نوفمبر القادم، من المفترض أن يتداعى الفلسطينيون إلى مراكز الاقتراع لاختيار 200 عضو تشريعي/وطني، لا نعرف إن كانت الانتخابات ستتم أم لا، وكيف سيتعامل الرئيس مع إقدام “إسرائيل” على منع سكان القدس من المشاركة، وهي الذريعة التي تحجج بها لتعطيل انتخابات 2021، ولا نعرف كيف ستتم الأمور في قطاع غزة المنكوب، لكن ما يقلق “الكل الفلسطيني” أن المشاركة في الانتخابات باتت مشروطة وليست مفتوحة، فإن أنت أردت المشاركة، عليك أن تعترف بالمنظمة وبرنامجها والتزاماتها والموافقة على قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، وبخلاف ذلك، تكون قد اخترت المقاطعة أو جازفت برفض طلب الترشيح… وهذه لعمري، مقاربة إقصائية، هدفها تمكين فريق واحد فقط من المشاركة، وإقصاء بقية المخالفين والمعارضين، وتلكم ذروة غير مسبوقة في “هندسة الانتخابات”، خجلت منها أكثر النظم الانتخابية تعسفاً وتحوّطاً.

والأهم، أن الانتخابات التي يُراد بها “شرعنة” و”تشبيب” و”دمقرطة” النظام السياسي الفلسطيني، يجري ترتيبها و”هندستها” من جانب فريق واحد، من دون تشاور أو تفاعل أو حوار مع بقية المكونات الفلسطينية، وفي ظل انقسام ممتد لعقدين من الزمان، أكل الأخضر واليابس، وفي ظل قانون واشتراطات يُراد بها إقصاء الطرف الآخر، بدل إدماجه واحتوائه، الأمر الذي سيجعل منها سبباً في تعميق الانقسام، بدل ان تكون جسراً للعبور نحو الوحدة.

واللافت أن لا حديث رسمياً عن الانتخابات الرئاسية، برغم مرور أزيد من عشرين على آخر جولة منها، كل ما نعرفه أنها ستجري مطالع العام المقبل، من دون توقيتات أو مراسيم، وبعد أن رفضت فكرة إجرائها متزامنة مع “التشريعية”.

الرئاسة على ما يبدو في مأزق، فإن هي قررت إجراء الانتخابات الرئاسية بعد أشهر، توجب عليها البحث عن مرشح عنها، يمثلها ويمتلك القدرة على المنافسة والفوز فيها، وهذا غير متوفر من بين صفوفها، أو إعادة ترشيح الرئيس لولاية جديدة، وهو الذي جاوز التسعين عاماً.

أغلب التقديرات تقول إن الانتخابات الرئاسية سيجري تمديدها حتى إشعار آخر، فيحصل التجديد بفعل العوامل الطبيعية، ويخرج الرئيس إلى الحياة الأخرى من مقره في المقاطعة، رئيساً عاملاً، لا رئيساً سابقاً، ما لم يقطع مسار “التوريث” أشواطاً سريعة جديدة، بعد الشوط الذي قطعه في المؤتمر الثامن لحركة فتح، وهبوط عباس-الابن،  بالبراشوت على لجنتها المركزية. فالتوريث في الحالة الفلسطينية، كما العربية، يفضل أن يكون “بيولوجياً”، وليس سياسياً أو حزبياً فحسب.

ماذا أنتم فاعلون؟

فيما مشهد النظام السياسي الفلسطيني يرتسم أمام أنظار الجميع، وعمليات “الهندسة” جارية على قدم وساق، تقف الفصائل الفلسطينية الإسلامية (حماس والجهاد) والوطنية (جبهة اليسار)، عاجزة عن اجتراح خيارات وبدائل، تتخطى المناشدات والنداءات، التي تعظّم الوحدة وتهجو الانقسام، وتستحضر أفكاراً ومقترحات من صناديق ما قبل السابع من أكتوبر القديمة والبالية، من دعوة الإمناء العامين للانعقاد، إلى تفعيل الإطار القيادي الموحد الذي لم ير النور، للالتئام فوراً، واستئناف مسارات المصالحة والوحدة وترتيب البيت الداخلي.

نداءات ومناشدات لم تشفع لها من قبل، مجازر الاحتلال في غزة، وحرب الإبادة والتطهير، واستباحة الضفة الغربية وابتلاع أجزاء واسعة منها.

نداءات واستغاثات لم تجد طريقها إلى آذان قومٍ لم تطرق مسامعهم نداءات الأقصى وأهل القدس والحرم الإبراهيمي، ولا أنّات وعذابات عشرة آلاف أسير يذوقون الموت صبح مساء.

لماذا تراهن الفصائل الخمس التي أصدرت بيانها المشترك مؤخراً، بأن نداءات الحاضر ستلقى صدى أفضل من نداءات الماضي، وإلى متى تبقى تسلك الطريق ذاته، وتستخدم الأدوات ذاتها، وتتنظر الحصول على نتائج مغايرة؟

لقد آن الأوان، أن لم نقل فات الأوان، لتجريب خيارات أخرى، من قبيل الدعوة لمؤتمر وطني فلسطيني تأسيسي، يضم آلاف الشخصيات الوطنية من كل مكان، داخل وخارج، وتشارك فيه كل الفصائل، وكل من بقي على “فتحاويته” من فتح، وكل المؤتمرات الشعبية والمنظمات الجماهيرية والمجتمع المدني والمثقفين الفلسطينيين، ينتخب مؤسسات قيادية بديلة، ويعلن “نزع الشرعية” عن القيادة المتنفذة وهندساتها، ويشرع في مزاحمتها على أهلية النطق باسم منظمة التحرير والشعب الفلسطيني، فالمنظمة ليست ملكاً لهؤلاء، وهي مختطفة من قبلهم، وقد آن أوان استعادتها، أما السلطة فيتعين أن تعود إلى وظائفها “البلدية والخدمية”، لتنطق المنظمة وحدها باسم الشعب الفلسطيني، ولتقوم بتمثيله في مختلف أماكن تواجده.

آن الأوان، لإسقاط مؤامر اختزال الشعب الفلسطيني بأهل الضفة والقطاع، وتكريس ابتلاع السلطة للمنظمة، واستنقاذ المشروع الوطني الذي يراد له أن يكون “سهلة مهملات” لاستيعاب فضلات الحل الإسرائيلي ومخرجاته، والطريق إلى ذلك، ليس بالمناشدات والنداءات التي ملّها الشعب الفلسطيني، بل بالجرأة على تحدي سلطة الأمر الواقع، ومن يقف وراءها، ويرعى تحولاتها و”هندساتها” التي نعرف وتعرفون، أين ستنتهي، وفي أي وعاء تصب.

عريب اللنتاوي – الميادين

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24