
مقالات «اتفاق العار»: ما قيمته القانونية وما هو دور الشعب؟
01/07/202607:27:39
وقّعت السلطة اللبنانية «اتفاق العار» مع العدو الإسرائيلي في واشنطن، مرتكبة جملة من المخالفات الدستورية.
الاتفاق الذي سمح لجيش الاحتلال بالبقاء داخل «شريط أمني» في الجنوب اللبناني والحفاظ على حرية حركته، ليس سقطة أخلاقية وحسب، بل يفتقر للأسس القانونية المطلوبة من أجل توقيعه.
المخالفات الدستوريّة ومفاعيلها
يتّضح لنا إذاً كيف أنّ الرئيس عون قد خالف بتوقيعه هذا الاتفاق المادّة 49 من الدستور اللبناني التي تنصّ على أنّ رئيس الجمهوريّة «يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه وفقاً لأحكام الدستور»، والمادّة 50 التي تنص على يمين الإخلاص للأمة والدستور، الذي يجب أن يؤدّيه رئيس الجمهورية عند استلامه أزمّة الحكم، ألا وهو: «أحلف بالله العظيم أنّي أحترم دستور الأمّة اللبنانية وقوانينها وأحفظ استقلال الوطن اللبناني وسلامة أراضيه». فلا رئيسنا احترم الدستور ولا حافظ على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه.
فها هو قد وقّع اتفاقاً يسمح لقوات الاحتلال بالبقاء على الأراضي اللبنانية واستكمال عملياتها العسكرية ضدّ أبناء شعبه، ويمنع أهالي هذه الأراضي من العودة إليها، بعد أن كان هناك مذكرة تفاهم بين إيران وأميركا تضمن بنصٍّ صريح الوقف «الفوري والدائم» للعمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وسلامته الإقليمية وسيادته.
ليست المادّتان 49 و50 النصان الدستوريان الوحيدان اللذان خالفهما الرئيس عون بالتوقيع على هذا الاتفاق.
فمقدّمة الدستور تنص على أنّ لبنان «هو عضو مؤسّس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم بمواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وتجسّد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقول والمجالات دون استثناء».
في حين أنّ هذه العبارة تعطي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومواثيق الأمم المتحدة قوّة الدستور، فسائر المعاهدات الدوليّة غير المُشار إليها في الدستور ليس لها هذه القوّة وتبقى خاضعة لأحكامه، بمعنى أنّها يجب أن تتوافق معه.
بما أنّ البروتوكول الإضافي الأوّل الملحق باتفاقيات جنيف، يشكّل جزءاً أساسياً من الإطار القانوني لميثاق الأمم المتحدة، وهو مصمّم بشكل خاص من أجل تنفيذ وتحديث اتفاقيات جنيف التي هي اتفاقيات أساسية تتعلّق بحقوق الإنسان والقانون الإنساني للأمم المتحدة، فإذاً يجب أن تحترم الدولة اللبنانية هذه الاتفاقيات وهذا البروتوكول بشكل خاص وتتعامل معه وكأنّه جزء من الدستور.
تجدر الإشارة هنا إلى أنّ البند الرابع من المادة الأولى من هذا البروتوكول يكرّس حق الشعوب بالنضال ضدّ التسلّط الاستعماري والاحتلال الأجنبي وضد الأنظمة العنصريّة ضمن ممارستها لحقها في «تقرير المصير» المكرّس بميثاق الأمم المتحدة.
وهذا الحق يُعتَبر قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام، ممّا يعني أنّها قاعدة لا يجوز الإخلال بها، ولا يمكن تعديلها إلا بقاعدة لاحقة من قواعد القانون الدولي العام لها نفس الطابع، وبالتالي لا يمكن «الاتفاق» على مخالفتها.
بناءً على ذلك، فإنّ حق اللبنانيين في أن تكون لهم مقاومة مسلّحة تدافع عنهم وعن أرضهم هو حق مشروع ومكرّس في القانون الدولي والدستور اللبناني، وهو منشق من حق لا يمكن التنازل عنه من قبل الدولة لأيٍّ كان تحت طائلة بطلان الاتفاق الذي ينتج عنه هذا المفعول منذ لحظة إبرامه، ألا وهو حق الشعوب في تقرير مصيرها.
خالف الرئيس عون بتوقيعه هذا الاتفاق المادّة 49 من الدستور اللبناني التي تنصّ على أنّ رئيس الجمهوريّة «يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه وفقاً لأحكام الدستور»
في هذه الحال، لماذا يكبّد الرئيس عون نفسه عناء المضيّ بمشروع سحب سلاح المقاومة مع بقاء العدو المحتل داخل الأراضي اللبنانية خلافاً للدستور؟ وما هي الآلية الدستورية الموضوعة لتكريس مبدأ سموّ الدستور على المعاهدات الدولية التي قد يجد نفسه الرئيس في مواجهتها قبل إبرام أي معاهدة أو بعد إبرامها؟ الجواب هو: لا آليّة.
فالمادة 52 من الدستور تنص على تولّي رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها مع رئيس الحكومة. ولا تصبح هذه المعاهدات مبرمة إلّا بعد موافقة مجلس الوزراء.
ولا تشترط هذه المادّة على الحكومة إطلاع مجلس النواب على هذه المعاهدات إلّا «حينما تمكّنها مصلحة البلاد وسلامة الدولة من ذلك». وهي عبارة فضفاضة جداً تعطي الحكومة سلطة استنسابية في اختيار ما إذا كانت ستطلع الشعب على المعاهدات التي سيصبح ملزماً بها أم لا.
المشكلة الأولى تكمن في أنّ هذه المادّة لا تتضمّن آلية واضحة لإجراء رقابة دستورية «مسبقة» على المعاهدات قبل إبرامها.
ويجدر الذكر هنا أنّ المادة الثانية من قانون أصول المحاكمات المدنيّة تنصّ على مبدأ تسلسل القواعد بحيث أنّه «عند تعارض أحكام المعاهدات الدولية مع أحكام القانون العادي، تتقدّم في مجال التطبيق الأولى على الثانية».
لذا فبمجرّد التصديق على معاهدة ما ونشرها في الجريدة الرسميّة، يجب إعطاء الأولوية للمعاهدة في حال تعارضها مع قانون عادي، إلّا أنها تبقى أقل مرتبة من الدستور، مما يعني أنه يُشترط لنفاذها عدم مخالفته.
أما المشكلة الثانية، فهي نص المادّة 19 من الدستور اللبناني، التي توضّح بدورها حق كل من رئيس الجمهورية، ومجلس النواب والحكومة أو عشرة من أعضاء مجلس النواب بمراجعة المجلس الدستوري في ما يتعلّق بمراقبة دستوريّة القوانين، دون المجيء على ذكر إمكانية عرض المعاهدات الدولية على هذا المجلس، قبل إبرامها، أو حتى بعده، للتحقق من مدى مطابقتها للدستور.
وهنا تكمن الخطورة، فالدستور يعطي رئيسَي الجمهورية والحكومة صلاحيّة إبرام معاهدات ملزمة، دون مشاورة المجلس الممثّل للشعب، ودون وجود آليّة مسبقة لرقابة مطابقة هذه المعاهدات مع الدستور، ثمّ بعد إبرام تلك المعاهدات يمكن مراجعة المجلس الدستوري فقط من أجل ضمان تطابق القوانين مع المعاهدات التي لها الأولويّة في التطبيق على القوانين، فيما لا تنص المادة 19 بشكل صريح على إمكانية مراجعة المجلس الدستوري من أجل ضمان تطابق المعاهدات مع الدستور الذي له الأولويّة في التطبيق على تلك الأخيرة. فتصبح المعاهدة المخالفة للدستور قابعة في منطقة قانونيّة رماديّة بحيث أنّها مخالفة للدستور ولكن ليس بحوزة الطرف المعارض لها أي آليّة قانونيّة بإمكانه الاستناد إليها من أجل إلغائها أو الاعتراض عليها.
المخالفات المتعلّقة بالقانون الدولي ومفاعيلها
هناك مسألتان مهمّتان تجدر الإشارة إليهما. المسألة الأولى هي أنّ مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير، وحماية المدنيين في أوقات النزاع المسلّح (كما هو منصوص عليه في اتفاقيات جنيف)، هما مبدآن يعتبرهما الكثير من فقهاء القانون الدولي من قبيل القواعد الآمرة- Jus Cogens (أي القواعد التي يقبلها ويقر بها المجتمع الدولي ككل، ولا تجوز مخالفتها). وكنّا قد ذكرنا سابقاً أنّ أي معاهدة تتعارض مع قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام لحظة إبرامها، تُعتَبر باطلة بحسب المادة 53 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات.
يترتّب على ذلك، أنّ الاتفاق اللبناني – الإسرائيلي، باعتباره يتعارض مع هذه المبادئ الجوهريّة (حق تقرير المصير وحماية المدنيين كما هو منصوص عليهما في اتفاقيات جنيف)، فإنه قد يُعتبر باطلاً من الأساس، ولا تترتب عليه آثار قانونية. وعليه، لا يمكن للدولة التي وقّعته (أي لبنان)، أن تحتجّ به لتبرير انتهاك التزاماتها السابقة. ممّا يعني أن الاتفاق المخالف لا يصلح كحجة قانونية للدولة لتبرير انتهاكها لالتزاماتها السابقة، وأنّ هذا الانتهاك يظل قائماً ويكون لبنان مسؤولاً عنه دولياً أمام أطراف اتفاقيات جنيف الآخرين.
كما أنّ المادّة 27 من اتفاقية فيينا تنص على أنّ الدولة لا يمكنها الاحتجاج بقانونها الداخلي لتبرير عدم تنفيذ معاهدة، فكيف إذا كان هذا القانون ناتج عن توقيع اتفاق هو باطل أصلاً؟
والمسألة الثانية تتعلّق بمفهوم الالتزامات الكليّة بين الأطراف (في المعاهدات المتعدّدة الأطراف مثل معاهدات حقوق الإنسان أو معاهدات القانون الإنساني مثل اتّفاقيّات جنيف) – Obligations erga omnes partes وهو مفهوم تطوّر في الفقه والقضاء الدوليّين وتكرّسه المادّة 48 (1) (أ) من قانون مسؤوليّة الدول.
بناءً على هذا المبدأ، يكون الالتزام قائماً بين كل دولة موقعّة وجميع الدول الأخرى الموقّعة على الاتفاقية ذاتها، بغضّ النظر عن وجود أذىً لحق بها مباشرةً نتيجة المخالفة الحاصلة. بالتالي فإنّ مخالفة التزامات البروتوكول الإضافي الأوّل الملحق باتفاقيات جنيف، الذي يعدّ من ضمن اتفاقيات القانون الإنساني الذي له أولويّة التطبيق في أوقات الحرب، ولا يمكن اعتبارها مجرّد شأن داخلي لبناني. بل إنّ الدول الأخرى الموقّعة على هذه الاتفاقيات، وكذلك المجتمع الدولي، يصبح لهم موقف قانوني من هذه المخالفة، ويمكنهم إثارة مسؤولية لبنان الدولية.
وقد أكّدت محكمة العدل الدوليّة هذا المبدأ في قضايا عديدة منها قضيّة بلجيكا ضد السنغال حيث اعتبرت أن التزامات اتفاقيّة منع التعذيب هي التزامات كلّية بين الأطراف، وقضيّة غامبيا ضد ميانمار في ما يخص التزامات اتفاقيّة منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليه، حيث أكّدت المحكمة أنّ الالتزامات الواردة في هذه الاتفاقيات هي التزامات «آرغا أومنياس بارتيس».
أمّا آخر هذه القضايا المرفوعة فهي قضيّة نيكاراغوا ضد ألمانيا التي تضمّنت أيضاً ادّعاءات بأن ألمانيا انتهكت التزامها بضمان احترام القانون الإنساني الدولي بموجب اتفاقيات جنيف، وذلك عبر تزويد أطراف النزاع بالأسلحة، وقد استند هذا الادّعاء إلى الطابع «آرغا أومنياس» لهذه الالتزامات.
ريان مرعي-الاخبار
جاري تحميل الخبر التالي...