
مقالات ثوابت حزب الله: قراءة في خطابات الشيخ نعيم قاسم
25/06/202608:34:45
لا شكّ في أنّ معرفة مواقف حزب الله وتحليلها تجاه القضايا المطروحة أمرٌ ضروري لفهم الواقع الراهن في لبنان والمنطقة واستشراف مسارات المستقبل، نظراً إلى أهمية هذه المواقف وتأثيرها في المشهدين المحلي والإقليمي.
فحزب الله، رغم الضربات الكبيرة التي تعرّض لها، بقي ولا يزال لاعباً أساسياً ومؤثراً في المعادلة السياسية والأمنية، بل إنّ حضوره وتأثيره تعزّزا بعد فشل الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، وعجز “إسرائيل” عن تحقيق أهدافها في لبنان.
ولعلّ أكثر ما يضيء على مواقف الحزب في المرحلة الحالية هو خطابات أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، الذي أطلق خلال الفترة الماضية سلسلة من المواقف يمكن الاستناد إليها لاستخلاص ما يعتبر ثوابته الأساسية للمرحلة المقبلة.
يُلاحظ أنّ الشيخ قاسم ينطلق في خطاباته من تشخيصٍ للواقع الراهن يعده شديد الخطورة، لارتباطه بما وصفه بـ”مشروع مؤامرة أميركية إسرائيلية دولية”، معتبراً أنّه يمثّل “أخطر ما يمكن أن يواجه بلدنا ومستقبل أطفالنا وأفكارنا”.
وقد تضمّنت النقاط الاثنتا عشرة التي عدّدها في أحد خطاباته العاشورائية أبرز ركائز هذا المشروع، الذي رأى أنّ هدفه الأساسي يتمثّل في “محو المقاومة وجودياً وبشكل كامل من لبنان”.
ومن أبرز هذه النقاط:
الانقلاب على اتفاق 27 تشرين الثاني بعد سقوط سوريا، لأنّ “موازين القوى تغيّرت” وفق تقدير الإسرائيليين والأميركيين وهو ما تبناه خصوم المقاومة في الداخل اللبناني.
الاعتماد على السلطة السياسية في لبنان لتوفير الغطاء السياسي للحرب الإسرائيلية، وتشديد الحصار على المقاومة بمختلف مستوياته.
التحريض على الفتنة بين الجيش والمقاومة، ومحاولة إثارة الفتنة السنية ـ الشيعية، والضغط على سوريا للتدخل من الشرق بما يجعلها، إلى جانب “إسرائيل” من الجنوب، كماشةً تضغط على المقاومة.
الاستفادة من غطاء دولي وعربي يمارس ضغوطاً في مختلف الاتجاهات لمصلحة “إسرائيل” وضدّ المقاومة.
توظيف إمكانات أجهزة استخبارات متعددة لتزويد “إسرائيل” بالمعلومات وتقديم أشكال مختلفة من الدعم لها.
وبحسب هذا التصور، فإنّ جميع هذه المسارات تجري بإشراف مباشر من الولايات المتحدة، التي تتولى إدارة الخطة وتنسيق تفاصيلها على مختلف المستويات والاتجاهات.
وتطرّق الشيخ نعيم قاسم في أكثر من خطاب إلى كيفية مواجهة المقاومة لما يصفه بالمخطط الكبير والخطير الذي يستهدفها، انطلاقاً من مجموعة من الثوابت التي يمكن اعتبارها مرتكزات أساسية في أداء حزب الله خلال المرحلة المقبلة.
أولاً: لا عودة إلى ما قبل 2 آذار
يكاد لا يخلو خطاب للشيخ قاسم من التأكيد على هذا الموقف، ما يجعله أحد أبرز مرتكزات الأداء السياسي للحزب في المرحلة الراهنة.
فالمسألة، وفق ما توحي به خطابات الأمين العام، ترقى إلى مستوى الخط الأحمر الذي لا يمكن التراجع عنه مهما كانت الضغوط أو الأكلاف.
ثانياً: خوض المواجهة بالأسلوب الكربلائي
يرتبط هذا الموقف ارتباطاً وثيقاً بالنقطة السابقة. فحزب الله يرى أن المرحلة الحالية هي الأخطر منذ تأسيسه، وقد عبّر الشيخ قاسم عن حساسية اللحظة الراهنة من خلال تأكيده أن الهدف من الحرب المفروضة على الحزب هو إخراجه من المعادلة السياسية ومحو وجوده.
ومن هذا المنطلق، يضفي الحزب على المواجهة طابعاً وجودياً بكل ما للكلمة من معنى، ما يتطلب، الاستعداد لتحمل التضحيات والأثمان مهما بلغت. وهي رسالة يحرص على توجيهها إلى خصومه وأعدائه في الداخل والخارج على حد سواء.
ثالثاً: التمسك بخيار المقاومة وجاهزيتها
يؤكد الشيخ قاسم باستمرار تمسك الحزب بخيار المقاومة، واستعداده لتفعيل هذا الخيار ما دام الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية مستمرة.
ويستند في ذلك إلى قناعة راسخة مفادها أن “المقاومة تمثل الضمانة الوحيدة لتحرير الأرض وتحقيق الاستقلال والسيادة في مواجهة الاحتلال”.
رابعاً: رفض بقاء الاحتلال ورفض ما يسمى “حرية الحركة”
تبدو لهجة الشيخ قاسم في هذه المسألة شديدة الوضوح، وتعكس قراراً حاسماً لا تراجع عنه. فالحزب، وفق ما يعلنه أمينه العام، لن يقبل باستمرار أي شكل من أشكال الاحتلال، كما يرفض ما تسميه إ”سرائيل” “(حرية الحركة) داخل الأراضي اللبنانية.
ويعبّر قاسم عن هذا الموقف بعبارات مباشرة لا تحتمل التأويل، إذ يقول:
“فليعرف الإسرائيلي وغير الإسرائيلي أن البقاء على الأرض اللبنانية مستحيل. لا توجد مناطق أمنية “لإسرائيل”، ولا توجد أي قطعة أرض داخل لبنان يمكن أن يبقى فيها “الجيش” الإسرائيلي. لدينا جيش وطني هو الذي ينتشر على أرضنا”.
كما يشدد على أن المقاومة لن تتسامح مع أي خرق، مؤكداً أن: “أي خرق سنواجهه، وأي خرق سنقاتله، وأي خرق سنتعامل معه بما نراه مناسباً”.
وينطلق هذا الموقف من قناعة مفادها أن المقاومة تفقد مبرر وجودها إذا قبلت بالاحتلال أو بالاعتداءات الإسرائيلية كأمر واقع.
خامساً: التمسك بالوحدة الوطنية والتوازنات الداخلية
يبرز هذا الثابت في حديث الشيخ قاسم عن فشل محاولات إحداث فتنة بين المقاومة والجيش، وفشل مساعي إثارة الفتنة السنية الشيعية. كما أن إشادته بالأطراف التي رفضت الانجرار إلى هذه المحاولات تنطوي على تأكيد إضافي لتمسك الحزب بالوحدة الوطنية ورفضه أي شكل من أشكال الاقتتال الداخلي.
أما على المستوى السياسي الداخلي، فيكرر الشيخ قاسم تمسك الحزب باتفاق الطائف واعتماده مقاربة مرنة تراعي التوازنات الدقيقة التي تحكم الساحة اللبنانية ولا يتردد في توجيه تطمينات إلى المكونات اللبنانية. كما يدعو مختلف القوى السياسية، بما فيها السلطة، إلى التعامل بحكمة مع خصوصية التركيبة اللبنانية، باعتبارها لا تحتمل المغامرات أو محاولات فرض الغلبة.
وفي هذا السياق يقول:
“أقول لكم من الآن وسجلوها عليّ: لن تكون هناك غلبة لأحد على أحد في لبنان. لا نحن نريد أن نغلب أحداً، ولن نسمح لأحد أن يغلبنا. لبنان لا يقوم إلا بالتعايش، ونحن حاضرون للتعايش، ويخرب بالاستئثار والاستعانة بالأجنبي. يجب أن نقطع يد الأجنبي، وأن نسوي قضايانا مع بعضنا البعض”.
سادساً: اعتبار أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة
يتعامل حزب الله ، على أساس أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة بعد التطورات الأخيرة، وأن موازين القوى المستجدة لا تبرر تقديم أي تنازل لـ”إسرائيل”. ويعتبر أن عنوان هذه المرحلة هو “كسر المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي في ضرب المقاومة”، وأن هذا التحول الاستراتيجي يفرض التمسك بالمعادلات الجديدة وعدم العودة إلى الوراء.
سابعاً: طيّ صفحة نزع سلاح المقاومة
يرى الشيخ قاسم أن التطورات الأخيرة وما يعتبره فشلاً في تحقيق الأهداف الإسرائيلية يفرضان الانتقال إلى مرحلة جديدة تتجاوز النقاش السابق حول نزع سلاح المقاومة. ومن هنا يكرر معادلة “الأمن مقابل الأمن”، معتبراً أن أي تفاهم محتمل يجب أن يقوم على الأمن المتبادل وانتشار الجيش اللبناني في جنوب الليطاني.
ويقول في هذا الإطار:
“كل من يريد أن يتفق مع إسرائيل يجب أن يتفق على الأمن المتبادل وانتشار الجيش اللبناني في جنوب نهر الليطاني، غير ذلك لن نقبل به. أما مشاريع نزع سلاح المقاومة فهذه قضية انتهت، لأننا الآن في مرحلة كسر المشروع الإسرائيلي، وبالتالي لا يصح أن نبقى نناقش ما كان مطروحاً قبل سنة أو سنتين”.
ثامناً: اعتبار الجمهورية الإسلامية الإيرانية العمق الاستراتيجي للمقاومة
يؤكد الشيخ قاسم في أكثر من مناسبة أهمية العلاقة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، معتبراً أنها تشكل عمقاً استراتيجياً للمقاومة، بل وللبنان أيضاً. من هذا المنطلق، يوجه دعوات متكررة إلى الدولة اللبنانية للاستفادة من هذه العلاقة وتطويرها وللالتحاق بالركب الجديد في المنطقة.
ويقول في هذا السياق:
“أيتها السلطة السياسية، عالجوا وضعكم مع إيران. أميركا تعالج وضعها مع إيران، والدول العربية كلها تعالج وضعها مع إيران، فلماذا لا تزالون متخلفين عن الركب؟”
بثينة عليق-الميادين
جاري تحميل الخبر التالي...