لماذا يغيب التهديد بتعليق المفاوضات لبنانياً؟
مقالات

لماذا يغيب التهديد بتعليق المفاوضات لبنانياً؟

22/06/202608:23:04

بعد إعلان مذكّرة التفاهم بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتي أتى فيها وقف الحرب في جميع الجبهات ومنها لبنان من ضمن البند الأول، قامت “إسرائيل” بتصعيد كبير في لبنان كما حصل في مرات سابقة، فارتكبت المجازر وحاولت توسيع توغّلها لاحتلال كفرتبنيت ومرتفعات علي الطاهر.

وفي وقت قامت إيران بالتهديد بتعليق الذهاب إلى مفاوضات سويسرا، ثمّ أعلن مقرّ خاتم الأنبياء اقفال مضيق هرمز إذا لم تلتزم “إسرائيل” بوقف النار في لبنان، لم يصدر عن السلطات اللبنانية أيّ موقف “تهديدي” أو “تحذيري” بتعليق مشاركتها في المفاوضات الجارية بينها وبين “إسرائيل” في 22 و23 حزيران/يونيو الجاري في واشنطن.

من منظور نظريات العلاقات الدولية، ولا سيما نموذج “المساومة لوقف الحرب”، يفترض التفاوض وجود حدّ أدنى من التوازن في القدرة على التأثير في مسار الأحداث بين الأطراف المتفاوضة. إلّا أنّ الحالة اللبنانية تشير إلى اختلال بنيوي في هذا التوازن، حيث يستمر طرف في استخدام القوة العسكرية والمجازر والقتل، بينما يواصل الطرف الآخر التفاوض من دون امتلاك أدوات ضغط مقابلة، أو حتى قيامه باستخدام الحدّ الأدنى من هذه الأدوات مثل “التهديد بتعليق التفاوض”.

التفاوض كامتداد للحرب لا بديل عنها

في علم العلاقات الدولية هناك تمييز بين الردع والإجبار. الردع يهدف إلى منع الخصم من القيام بفعل معيّن عبر التهديد بالعقاب، بينما الإجبار يهدف إلى دفعه للقيام بفعل أو تغيير سلوكه من خلال الضغط أو استخدام القوة. ما نشهده في الحالة اللبنانية يندرج ضمن الإطار الثاني، أي استخدام القوة أو التهديد بها لفرض سلوك على الطرف اللبناني ودفعه الى التوقيع على تنازلات لصالح “إسرائيل” أو فرض اتفاق أمني يقوم بموجبه الجيش اللبناني بنزع سلاح حزب الله بدل أن تقوم به بنفسها.

ما يميّز الحالة اللبنانية التفاوضية في واشطن هو أنّ التصعيد العسكري لا يعطّل التفاوض، بل يترافق معه، ما يحوّل التفاوض من بديل عن الحرب إلى امتداد لها. بمعنى آخر، يستخدم الإسرائيلي العنف هنا كوسيلة لتحسين شروط التفاوض. في المقابل، يظهر الطرف اللبناني كطرف يتلقّى هذا الضغط من دون أن يمتلك القدرة على معادلته، ما يؤدّي إلى نشوء ما يمكن تسميته مساومة إجبارية غير متكافئة.

في السوابق التاريخية للتفاوض، يشكّل التهديد بالانسحاب من العملية التفاوضية أداة ضغط أساسية، حتى لو لم يتمّ تنفيذها فعلياً. إنّ استخدام هذه الأداة يرتبط برغبة الطرف المهدّد بالانسحاب (في هذه الحالة لبنان) في إظهار أنّ استمرار التفاوض ليس مضموناً في ظلّ سلوك الطرف الآخر وقيامه بالمجازر (وهو الطرف الإسرائيلي).

يشير البعض إلى أنّ غياب التهديد اللبناني بتعليق التفاوض يعود إلى جملة اعتبارات سياسية وواقعية، أبرزها حرص السلطة اللبنانية على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الولايات المتحدة، وخشيتها من أن يؤدّي تعليق التفاوض إلى فقدان إحدى الأدوات الدبلوماسية القليلة المتاحة لها في ظلّ اختلال موازين القوى. كما ترى بعض الجهات الرسمية أنّ الاستمرار في التفاوض، حتى في ظروف غير متكافئة، أفضل من ترك الساحة بالكامل للمواجهة العسكرية.

إلّا أنّ هذه الاعتبارات، على أهميتها، لا تفسّر غياب أيّ موقف تحذيري أو اعتراضي يربط استمرار المشاركة اللبنانية بوقف التصعيد العسكري الإسرائيلي. فالمسألة هنا لا تتعلّق بالانسحاب الفعلي من العملية التفاوضية بقدر ما تتعلّق باستخدام التهديد بالتعليق كأداة سياسية ورمزية للتعبير عن رفض تحويل التفاوض إلى مسار يجري تحت الإكراه العسكري المباشر.

واقعياً، إنّ استمرار هذا النمط أي المفاوضات تحت وطأة العنف المفرط والمجازر ومحاولة احتلال الأرض، يحمل عدة مخاطر على لبنان:

أولاً، تعزيز فعّالية الإكراه الإسرائيلي على طاولة التفاوض، بحيث يصبح استخدام القوة والحرب والمجازر وسيلة لتحسين شروط التفاوض.

ثانياً، تآكل تدريجي في الموقع التفاوضي للطرف اللبناني الذي يتعرّض للضغط، نتيجة التراكم المستمر للتنازلات تحت وقع المجازر والتوغّل الإسرائيلي في الجغرافيا اللبنانية.

ثالثاً، إعادة تشكيل قواعد العملية التفاوضية نفسها، بحيث يصبح الجمع بين الحرب الإسرائيلية على لبنان والقيام بمجازر، مع استمرار التفاوض أمراً طبيعياً ومقبولاً، لا استثناءً.

في الخلاصة، تمثّل الحالة اللبنانية نموذجاً مختلفاً عن التصوّرات المعروفة في العلاقات الدولية، حيث لا يعود التفاوض بديلاً عن الحرب، بل يتحوّل إلى أحد مساراتها. إنّ مجرّد التهديد بتعليق التفاوض، والاستفادة من الضغط الإيراني والرغبة الأميركية بإنجاح مذكّرة التفاهم، كان يجب أن يُستخدم كأداة سياسية ورمزية على الأقلّ، حتى لو لم تكن السلطة السياسية اللبنانية قادرة على فرض شروطها على طاولة التفاوض.

ليلى نقولا-الميادين

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24