
مقالات أهمية وحدة الساحات في إعادة تشكيل الإقليم المقاوم
19/06/202611:53:41
لم يعد ممكناً التعامل مع الشرق الأوسط بوصفه فضاءً يمكن تفكيكه إلى ساحات مستقلة تُدار كل واحدة منها على حدة.
فالحروب الأخيرة لم تُسقط فقط فكرة “الجبهة المحدودة”، بل أطاحت بمنطق كامل كان يقوم على افتراض أن الصراع يمكن احتواؤه داخل حدود جغرافية أو سياسية مغلقة.
الجملة الحاسمة التي يفرضها الواقع اليوم هي أن الإقليم لم يعد قابلاً للفصل، بل أصبح يُنتج ترابطه بالقوة ذاتها التي يُدار بها الصراع.
في هذا السياق، لم تعد وحدة الساحات توصيفاً إعلامياً أو شعاراً سياسياً، بل مؤشراً على انتقال بنيوي في طبيعة الإقليم نفسه، حيث لم يعد يُدار بمنطق الحدود، بل بمنطق الشبكة والتفاعل المتبادل.
من مفهوم ميداني إلى تحوّل في بنية الإقليم
لم يعد الحديث عن “وحدة الساحات” يمكن اختزاله في توصيف عسكري ظرفي. فالمفهوم تجاوز وظيفته العملياتية ليعكس تحوّلاً أعمق في بنية الصراع في الشرق الأوسط، حيث لم تعد الجغرافيا ترسم حدود الفعل، بل باتت الشبكات والتفاعلات هي التي تعيد إنتاج الإقليم نفسه.
ضمن هذا السياق، يفرض الواقع الإقليمي إعادة قراءة مفاهيم القوة والصراع خارج القوالب التقليدية للدولة الوطنية، بعد أن أظهرت الحروب المتعاقبة أن الصراع لم يعد يُدار داخل حدود مغلقة، بل ضمن فضاء مفتوح تتقاطع فيه الساحات وتنعكس فيه الأحداث بصورة متبادلة ومتسارعة.
الإقليم المقاوم: من الجغرافيا إلى الشبكة
من منظور علم اجتماع السياسة، لم يعد الإقليم مساحة جامدة تُعرّف بالحدود، بل بنية اجتماعية وسياسية تتشكل من تفاعل الفاعلين وتراكم الخبرات وإنتاج التمثلات المشتركة للتهديد.
ومن هنا يمكن فهم “الإقليم المقاوم” باعتباره فضاءً سياسياً عابراً للحدود، يتشكل لا عبر مركز قيادة، بل عبر ترابط وظيفي يتعمّق بفعل التجربة والصراع.
في هذا الإقليم، لا تعود الساحات وحدات منفصلة، بل تتحول إلى عقد داخل شبكة واحدة من التأثير المتبادل، حيث تتداخل غزة ولبنان واليمن وإيران ضمن منظومة تفاعلية واحدة.
المجال الشبكي للصراع: منطق جديد للشرق الأوسط
يمكن مقاربة المشهد الإقليمي بوصفه “مجالاً شبكياً للصراع”، حيث لا تعمل القوى كوحدات مغلقة بل كعُقد مترابطة. في هذا المجال، لا ينتقل الصراع عبر القرار السياسي فقط، بل عبر تداخل الوقائع، وتزامن الجبهات، وتشابك الردع والإعلام والرأي العام.
وهذا ما يجعل محاولات العزل بين الساحات أقل قدرة على إنتاج نتائج مستقرة، لأن البنية نفسها باتت تُنتج ترابطها ذاتياً، لا نتيجة قرار بل نتيجة تفاعل مستمر.
فشل منطق الفصل: اعتراف من داخل الخطاب الإسرائيلي
لقد شكّل هذا التحول تحدياً مباشراً للاستراتيجية الأميركية والإسرائيلية التي قامت لعقود على مبدأ الفصل بين الجبهات. غير أن تطورات السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد حرب غزة، أظهرت حدود هذا النموذج.
الأدبيات الأمنية الإسرائيلية باتت تتحدث عن واقع “الحرب متعددة الساحات”، حيث لم تعد غزة ولبنان وساحات أخرى ملفات منفصلة بالكامل، بل جزء من بيئة أمنية واحدة متداخلة. ويشير “معهد دراسات الأمن القومي” في تل أبيب إلى أن إسرائيل تواجه “ميداناً استراتيجياً متشابكاً” لا يمكن التعامل معه بجبهة واحدة.
كما تعترف تحليلات في “جيروزاليم بوست” بأن التهديدات لم تعد محصورة في ساحة واحدة، بل ضمن شبكة إقليمية مترابطة تعيد تعريف مفهوم الأمن التقليدي.
التفاهم الأميركي–الإيراني: إدارة شبكة لا ملفات منفصلة
في هذا السياق، يكتسب التفاهم الأميركي–الإيراني أهمية تتجاوز بعده الثنائي، بوصفه مؤشراً على انتقال في طريقة إدارة الإقليم، لا كصفقة منفصلة بل كجزء من هندسة توازنات متداخلة.
وقد أشارت تحليلات سياسية في “واشنطن بوست” إلى أن الشرق الأوسط بات يُدار بوصفه “نظاماً تفاعلياً واحداً لا مجموعة ملفات منفصلة”، حيث تؤدي أي تسوية في نقطة إلى إعادة توزيع التوتر في نقاط أخرى. كما تشير قراءات أمنية إسرائيلية إلى أن “أي تفاهم مع إيران لا يوقف ديناميات الجبهات الأخرى بل يعيد تشكيلها فقط”.
هذا يعني أن الاتفاقات الثنائية لم تعد أدوات فصل، بل أدوات إدارة شبكة إقليمية مترابطة لا تخضع لمنطق الإغلاق بل لمنطق إعادة التوازن المستمر.
من وحدة الساحات إلى الإقليم المقاوم: فرضية التحول البنيوي
ضمن هذا السياق، يمكن طرح فرضية مركزية: إن وحدة الساحات ليست غاية بحد ذاتها، بل آلية أنتجت تدريجياً ما يمكن تسميته بـ”الإقليم المقاوم”.
هذا الإقليم لا يقوم على وحدة سياسية أو تنظيمية، بل على ترابط وظيفي يتشكل بفعل التفاعل المستمر بين قوى متعددة، تتقاطع في إدراكها لطبيعة التهديدات وأولويات الصراع. وهو أقرب إلى بنية شبكية عابرة للحدود، تتعزز مع كل مواجهة وتعيد إنتاج نفسها مع كل أزمة.
خاتمة: من إدارة الساحات إلى هندسة الإقليم.
إن ما يشهده الشرق الأوسط اليوم لم يعد صراعاً على جبهات منفصلة، بل مواجهة على مستوى أعلى: مستوى هندسة الإقليم نفسه.
فالمسألة لم تعد تدور حول إدارة كل ساحة على حدة، بل حول طبيعة النظام الإقليمي الذي يتشكل: هل يمكن إعادة تفكيكه إلى وحدات معزولة، أم أنه دخل طوراً يجعل كل محاولة للعزل جزءاً من تعقيد الصورة لا من تبسيطها؟
من هنا، يصبح الصراع الراهن صراعاً بين مشروعين: مشروع يسعى إلى إعادة إنتاج منطق الفصل والتجزئة، ومشروع آخر يفرض نفسه تدريجياً بوصفه منطق الترابط والتداخل.
وفي هذا السياق، لا تبدو وحدة الساحات مجرد توصيف، بل أحد المحركات البنيوية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، حيث يُعاد رسم خرائط القوة خارج منطق الجغرافيا التقليدية، ووفق منطق الشبكة والتداخل.
فادي علي رضا-الميادين
جاري تحميل الخبر التالي...