معركة ضدّ حزب الله أم ضدّ الاحتلال “الإسرائيلي”؟
مقالات

معركة ضدّ حزب الله أم ضدّ الاحتلال “الإسرائيلي”؟

12/06/202606:16:45

في كلّ مرحلة مصيرية يمر بها لبنان، يظهر نوع من «المثقفين» يملؤون الشاشات والاذاعات والمنصات والمقاهي السياسية بالحديث عن الحداثة والعقلانية والتنوير، لكنهم يغيبون أو يتلعثمون أو يتآمرون عندما يصبح الوطن نفسه تحت النار. هؤلاء الذين يقدّمون أنفسهم بوصفهم حراس الحضارة والمدافعين عن القيم الإنسانية، يبدون في كثير من الأحيان أكثر قسوة على أبناء بلدهم الذين يقاتلون الاحتلال من قسوتهم على الاحتلال نفسه.

اليوم، في ما يستمر جيش العدوّ “الإسرائيلي” في قتل اللبنانيين واستهداف القرى الجنوبية وتجريف البيوت والأراضي وتوسيع الاحتلال وفرض وقائع جديدة بالقوة العسكرية، ينشغل بعض أصحاب الخطابات النخبوية بمعركة مختلفة تماماً. لا يوجهون سهامهم نحو المعتدي، بل نحو أولئك الذين يقفون في خطوط المواجهة. وكأن المشكلة الأساسية ليست الاحتلال والجرائم التي يمعن العدوّ “الإسرائيلي” بارتكابها يومياً، بل هوية الذين يقاومون هذا الاحتلال.

المفارقة أن كثيرين من هؤلاء يرفعون شعارات التحرّر والعدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها. بعضهم يصف نفسه باليساري الماركسي، وبعضهم بالقومي العربي، وبعضهم بالليبرالي المدافع عن حقوق الإنسان. لكن عندما يتعلق الأمر بالمقاومة في لبنان، تتبخر هذه الشعارات فجأة لتحل مكانها لغة الشك والتخوين والتجريم.

لا يولي هؤلاء الاهتمام الكافي لمعاناة الجنوبيين وتوسّع الاحتلال “الإسرائيلي”، ولا يبحثون في كيفية مواجهة الاعتداءات “الإسرائيلية” وحماية المدنيين، بل يصرون على تحويل النقاش كله إلى سؤال: من يقاوم؟ ومن يدعمه؟ ومن أين يحصل على السلاح؟

هكذا يصبح من يقف في مواجهة جيش الاحتلال “الإسرائيلي” موضع اتهام، وتتراجع أفعال العدوّ إلى المرتبة الثانية في الخطاب السياسي والإعلامي. ويكرر البعض في وسائل الإعلام أن المقاومين ليسوا إلا أدوات لمشروع إيراني. وهو اتهام يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن الصراع الدائر على الأرض ليس صراعاً نظرياً في الندوات الفكرية، بل مواجهة فعلية مع جيش يحتل أرضاً لبنانية ويستخدم القوّة العسكرية لقتل اللبنانيين أو قمعهم. وحتى لو كانت إيران تقدم دعماً مالياً أو عسكرياً للمقاومة، فإن السؤال الذي يتهرب منه المنتقدون هو: هل يلغي هذا الدعم حقيقة الاحتلال؟ وهل يصبح المعتدى عليه معتدياً لأنه تلقى مساعدة للدفاع عن نفسه؟

هل يلغي الدعم الإيراني لحزب الله حقيقة الاحتلال؟ وهل يصبح المعتدى عليه معتدياً لأنه تلقى مساعدة للدفاع عن نفسه؟

في تاريخ العالم كله لم تكن حركات التحرر الوطني معزولة عن الدعم الخارجي. المقاومة الفرنسية تلقت دعماً من الحلفاء. وحركات التحرر في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية اعتمدت بدرجات مختلفة على دعم دول أخرى. لم يكن معيار الحكم عليها هو مصدر الدعم، بل طبيعة القضية التي تخوضها والعدو الذي تواجهه.

المشكلة الحقيقية ليست في الاختلاف السياسي، فالاختلاف حق طبيعي ومشروع. المشكلة عندما يصبح الخلاف مع حزب أو تنظيم سبباً لتجاهل حقيقة العدوان نفسه. وعندما يتحول العداء للمقاومة إلى عدسة يرى البعض من خلالها كلّ شيء، فلا يعودون قادرين على رؤية الدم اللبناني المسفوك ولا البيوت المهدمة ولا القرى التي يسعى العدوّ “الإسرائيلي” لمحوها عن الخريطة.

الأخطر من ذلك أن بعض أصحاب هذه الخطابات يتصرفون وكأنهم يخوضون معركة ثقافية ضدّ المقاومة في اللحظة ذاتها التي يخوض فيها آخرون معركة عسكرية ضدّ الاحتلال. وكأن الأولوية ليست حماية الأرض والناس، بل تصفية الحسابات السياسية والأيديولوجية. في مثل هذه اللحظات، يبدو المشهد أحياناً وكأن السكاكين التي يفترض أن تتّجه نحو المعتدي قد استدارت لتطعن من يقف في وجهه.

ليس مطلوباً من اللبنانيين أن يتفقوا على كلّ شيء. وليس مطلوباً أن يؤيد الجميع حزب الله أو أي قوة سياسية أخرى. لكن من حق اللبنانيين أن يسألوا: لماذا يصبح النقد أشد حدة تجاه من يقاتل الاحتلال من حدّته تجاه الاحتلال نفسه؟ ولماذا يتصدر الحديث عن النفوذ الإقليمي المشهد بينما تتراجع معاناة الناس تحت القصف والاحتلال إلى الهامش؟

الثقافة التي تفقد قدرتها على التمييز بين المعتدي والمعتدى عليه تتحول مجرد زينة. والحداثة التي تتجاهل حق الشعوب في تقرير مصيرها والدفاع عن نفسها تصبح شعاراً فارغاً. أما الوطنية الصادقة فتتجسد في مواجهة من يحتل الأرض ويقتل المدنيين ويفرض الوقائع بالقوة، لا في مواجهة من اختار مواجهته مهما كان الخلاف السياسي معه.

 

عمر نشابة – صحيفة الأخبار

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24
يوتيوب
Loading video...