رابحون وخاسرون من أزمة «هرمز»: جردة حساب لحرب النفط الموازية
مقالات

رابحون وخاسرون من أزمة «هرمز»: جردة حساب لحرب النفط الموازية

12/06/202606:44:55

مع استمرار إغلاق مضيق هرمز، وفقدان خُمس الإمدادات العالمية من النفط والغاز والبتروكيماويات، يبدو أن ثمّة رابحين وخاسرين مؤقّتين من هذه الأزمة. غير أن استمرار الوضع الحالي كفيل برسم تغييرات بنيوية دائمة في هيكلية صناعة الطاقة بمجملها.

في وقت يعكف فيه على صوغ حزمة العقوبات الحادية والعشرين على روسيا، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام معضلة استراتيجية مركّبة؛ إذ طالما اعتمدت فلسفة بروكسل في فرض العقوبات الاقتصادية على تحقيق توازن بين تقليص العائدات المالية الروسية وتجنّب إحداث صدمة في الإمدادات العالمية تؤدّي إلى انهيار الأسواق واشتعال التضخّم. لكنّ القرار الإيراني بإغلاق مضيق هرمز الذي كان يَعبره نحو خُمس الإمدادات العالمية من النفط الخام والغاز والكيمياويات الأساسية، تسبّب بنسف تلك التفضيلات السياسية بشكل كامل، وذلك بعدما دفع بأسعار النفط إلى مستويات قياسية تهدّد بابتلاع أيّ مفاعيل إيجابية كانت العقوبات السابقة قد حقّقتها على مستوى الحدّ من القدرات المالية الروسية.

وعليه، تدرس المفوّضية الأوروبية حاليًّا مُقترحاً يقضي بتجميد سقف أسعار النفط الخام الروسي عند 44.10 دولاراً للبرميل – خلال مراجعة شهر تموز المقبل -، وذلك بدلاً من ترك الآلية التلقائية تعمل بشكل معتاد، إذ من شأن إبقائها على ما هي عليه، دفع السقف إلى مستويات مرتفعة للغاية – في ظلّ الارتفاع الجنوني للأسعار العالمية الناتج من الأزمة في الشرق الأوسط -، وهو ما سيعني عملياً منح روسيا تدفّقات نقدية إضافية هائلة.

ولا تتوقّف الحرب الأوروبية على النفط الروسي عند حدود سقف الأسعار، وإنما تمتدّ إلى آليات الإنفاذ في السوق، حيث تشير التوجّهات الجديدة للسياسة الأوروبية، إلى تركيز مكثّف على ما يُعرف بـ”أسطول الظلّ» الذي يضمّ مئات الناقلات البحرية العاملة خارج الأطر التنظيمية وهياكل التأمين الغربية التقليدية. على أن مواجهة هذا الأسطول تتطلّب تعاوناً دولياً واسعاً وتنسيقاً مع شركات التأمين والمصارف التي تتعامل بشكل غير مباشر مع هذه الشحنات، في حين تبدو مصالح النفط عموماً مشغولة بارتدادات إغلاق «هرمز» والعدوان الأميركي – “”الإسرائيلي”” على إيران، وغير معنيّة بخنق مزيد من كمّيات النفط المتدفّق إلى الأسواق.

في المقابل، ترتّبت على الشلل شبه التام لحركة المرور عبر مضيق هرمز مكاسب لقوى نجحت في ملء الفراغ الذي أحدثته الأزمة، مستفيدةً من قفزة الأسعار الهائلة التي لم يشهد لها العالم مثيلاً منذ حرب الخليج الأولى قبل ثلاثة عقود. وتأتي الشركات الأميركية على رأس قائمة المستفيدين المؤقّتين؛ فبصفتها المُنتِج الأكبر للنفط الخام والغاز الطبيعي على مستوى العالم، تمكّنت تلك الشركات من تكثيف صادراتها البحرية من النفط والديزل وأنواع الوقود الأخرى، وتصدير 145 مليون برميل إضافي خلال إغلاق المضيق – مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق -، لتجني عوائد مالية إضافية قُدّرت بنحو 50 مليار دولار. ولا تعنى هذه الطفرة المالية بالضرورة انتعاشاً اقتصادياً محلياً شاملاً في الولايات المُنتِجة للطاقة؛ إذ إن الغالبية العظمى من الأرباح الاستثنائية تنتهي إلى جيوب الشركات الاستثمارية والمساهمين، وذلك عبر توزيعات الأرباح القياسية وارتفاع أسعار الأسهم، من دون وجود مؤشرات قوية على إعادة استثمار الأموال في عمليات حفر جديدة أو توظيف عمالة إضافية في قطاع الطاقة.

كلّما طال أمد الاضطراب في المضيق، ستتعمّق التغييرات الحاصلة في سلوك المستوردين

وتشارك دول أخرى في حصد تلك المكاسب المادّية الضخمة، وفي مقدّمها روسيا، التي باتت تتلقّى قيمة مرتفعة مقابل كلّ برميل نفط تبيعه في الأسواق العالمية. وأسهم الارتفاع الجنوني للأسعار عالمياً، إلى جانب التخفيف المؤقّت للعقوبات الأميركية على بعض الشحنات الروسية في محاولة لتخفيف الضغط على السوق الداخلية الأميركية، في اقتراب سعر النفط الروسي المَبيع في بحر البلطيق من مستويات مرتفعة للغاية مقارنة بفترة ما قبل الحرب الأوكرانية.

على الضفّة الخليجية، تبدو الصورة أكثر تعقيداً وضبابية؛ إذ أجبر إغلاق «هرمز» دول المنطقة على خفض مُعدّلات إنتاجها وصادراتها البحرية بشكل حادّ ومفاجئ مع تأثيرات متباينة بين الدول. مع ذلك، نجحت السعودية والإمارات في استيعاب جزء من الصدمة بفضل استثمارهما المبكر في خطوط أنابيب برّية استراتيجية – تلتفّ حول المضيق لتصل إلى موانئ البحر الأحمر وخليج عمان -، استُخدمت لنقل ما يقارب ربع التدفّقات المعتادة التي كانت تمرّ عبر «هرمز» قبل الإغلاق.

في المقابل، يقع العبء الأكبر من الأزمة على الدول الخليجية التي تفتقر إلى خطوط أنابيب بديلة وتعتمد كليةً على المضيق المائي المُغلق. وعلى رأس قائمة تلك الدول، تأتي الكويت وقطر اللتان تواجهان خسائر فادحة في حجم الصادرات والعائدات على حدّ سواء؛ إذ انخفضت العوائد النفطية الكويتية بنحو 10 مليارات دولار في غضون ستة أشهر فقط، بينما يواجه الاقتصاد القطري – المعتمد بشكل حصري على تصدير الغاز الطبيعي المُسال عبر ناقلات بحرية – خطر انكماش حادّ في ناتجه المحلي الإجمالي، وفق أحدث تقديرات المؤسسات المالية الدولية وصناديق النقد والبنوك الاستثمارية الكبرى.

أمّا القارة الأوروبية، فتعاني بدورها تبعات هذه الأزمة بشكل لا يقلّ خطورة عن معاناة دول الخليج؛ إذ تبخّرت التوقّعات المتفائلة بالتعافي الاقتصادي السريع بعد جائحة «كورونا»، لتفسح المجال أمام ركود تضخّمي ممتدّ قد يستمرّ لسنوات وفق تصريحات المسؤولين في «البنك المركزي الأوروبي». وفي خضمّ أزمة «هرمز»، تواجه أوروبا تبعات الصدمة النفطية الثانية في غضون خمس سنوات فقط بعد صدمة عام 2022 التي تلت الحرب الأوكرانية. وقد أدّى هذا الترادف المؤلم للأزمات إلى خفض توقّعات النموّ الاقتصادي إلى النصف، وزيادة معدّلات التضخم بشكل ملحوظ في الدول التي تستخدم العملة الموحّدة (اليورو)، وهو ما اضطرّ «المركزي الأوروبي» إلى التحضير لرفع أسعار الفائدة مُجدّداً في محاولة يائسة لكبح جماح الأسعار المرتفعة للوقود والمواد الأساسية.

وفي ظلّ هذه الأوضاع، تتحمّل الموازنات العامة للدول الأوروبية أعباء مالية هائلة لم تكن في الحسبان؛ إذ أنفق «الاتحاد الأوروبي» مليارات اليوروهات الإضافية لتأمين الغاز الطبيعي وإمدادات الطاقة البديلة، بعد انقطاع الإمدادات الروسية. ودفع ذلك «المفوّضية الأوروبية» إلى تعليق قواعد الميزانية الصارمة التي كان معمولاً بها قبل الأزمة، بهدف منح الحكومات مرونة أكبر في دعم قطاعات الزراعة المتضرّرة من شحّ الأسمدة، وتمويل حزم الإغاثة العاجلة للمواطنين الذين تآكلت قواهم الشرائية بسبب التضخم.

في النتيجة، كلّما طال أمد الاضطراب في مضيق هرمز وامتدّت فترة الإغلاق، ستتعمّق التغييرات الحاصلة في سلوك المستوردين، وتصبح جزءاً من البنية التحتية الدائمة لأنظمة التزوّد بالطاقة والبتروكيماويات. كما سيترتّب على ذلك تراجع تدريجي، ولكن حتمي، في قدرة دول الخليج على استعادة حصّتها السوقية القديمة بالسرعة نفسها، حتّى مع عودة الملاحة إلى طبيعتها وإزالة الألغام وفتح الممرّات المائية أمام الناقلات، إذ إن استعادة الثقة في أمن الممرّات البحرية تحتاج، وفق الخبراء، إلى فترة زمنية أطول بكثير من الوقت الذي تستغرقه عمليات إزالة الألغام أو توقيع صفقات التهدئة.

 

سعيد محمد – صحيفة الأخبار

 

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24
يوتيوب
Loading video...