مقالات

«وزارة الطاقة للألوان»: عجز وفشل في إدارة الشحنات

قدّمت أمس وزارة الطاقة رواية مختلفة لقصة الاحتفاظ بمازوت الهبة العراقية، فقالت إن الكميات الواردة لا تزال مختومة في خزانات منشآت النفط ولم تبع في السوق المحلية. وإن ما بيع بأسعار متدنية حصل في إطار «التنافسية»، وهو أمر، في حال صحته، يورّط القائمين على الوزارة بما هو أفدح من التفريط بالهبة العراقية، حيث يبدو أن العمل بات عشوائياً ويثير شبهة هدر المال العام، ما يستدعي مجدداً التدقيق المالي، أو حتى الجنائي.

رواية الوزارة التي نشرت أمس، رداً على ما ورد في «الأخبار» تشير باختصار، إلى أن المقال المنشور أول من أمس، مليء «بالمغالطات والافتراءات والتجنّي والتزوي».

وتزعم هذه الرواية أن «الهبة العراقية موضوعة بخزان خاص في منشآت النفط تحت إشراف شركة رقابة ومرصرصة من الجمارك، وبالتالي لم يتم التصرّف بها»، وأن «مادة الهبة العراقية بحسب مواصفاتها (…)هي مادة غاز المازوت وبالتالي يجب استهلاكها في مصانع وأفران»، وأن الهبة ليست مازوتاً أحمر بل أقرب إلى الأصفر.

أيضاً تدّعي الوزارة، أن «ما بادرت إلى بيعه منشآت النفط في الزهراني ليومين خلال أسبوعين هو كميات من مادة الديزل أويل الأخضر بهدف تسييل البضاعة إلى أموال تودع في حساب المنشآت في مصرف لبنان لتتمكن من الاستمرار في دورها الاستثماري وشراء البواخر»، وبرّرت سبب خفض السعر بأنه يعود إلى «ضرورة تنافسية لضرورات بيع البضاعة التي نؤكد أنها من المازوت المعتمد في السوق وهي 6 مليون ليتر في حين إن كل كمية الهبة العراقية لا تتخطى 940 ألف ليتر.

كما أن إجراء حسم على السعر تم وفق ما يسمح به القانون»، ولمزيد من التبرير، تقول الوزارة إن جدول أسعار المحروقات «يحدّد الحدّ الأعلى للمبيعات ولا يمنع من إجراء حسومات على الأسعار».

الواقع، إن انشغال الوزير جو الصدّي وفريقه بإعداد ردّ كهذا يتناسى كل ما أثير من أسئلةٍ أمر لافت. فما ورد لم يحصر الأمر بالتصرّف بالكميات، بل تضمن أن المنشآت نفت الخبر مقابل معلومات التجّار، لكنه أيضاً تضمن أسئلة عن مازوت مخالف للمواصفات وفيه نسبة كبريت أعلى بكثير مما هو مسموح، وهي مادة مسرطنة سواء استعملت في الأفران والمصانع أو في معامل مؤسسة كهرباء لبنان أو في المولدات والسيارات.

اهتمام الصدّي، أيضاً لا يعير أي انتباه إلى وجهة الهبة المتعلقة بمساعدة النازحين، فهو ليس وزيراً للطاقة فحسب، بل هو وزير في الحكومة التي يفترض أن تأخذ القرار.

لكن لندع جانباً شكليات الوزير ومنها اهتمامه بلون المازوت «الأصفر» وتوصيفه التقني، فذلك كون لون الوزارة «على لون القوات اللبنانية».

أما جوهر الأمر، وعلى افتراض أن رواية الوزارة صحيحة عن عدم المسّ بالهبة العراقية وأن ما بيع في السوق هو كميات أخرى مطابقة للمواصفات، فهي رواية ناقصة تماماً. وقد تلقت «الأخبار» صباح أمس اتصالاً من مدير المنشآت زياد الزين للاعتراض على مطلب «التدقيق المالي الجنائي» بحسابات المؤسسة، وأبلغنا أنه ينوي إرسال توضيح وأوضحنا له أننا على استعداد لنشره سريعاً، وبالفعل أرسله، ثم حذفه بعد دقائق بناء على طلب الوزير الصدي الذي آثر نشر الردّ عبر الوكالة الوطنية، وهذا حقّه.

لكن ما قاله الزين، عن سبب بيع الكميات بأسعار «تنافسية» هو الأهمّ: لدينا باخرة لم نتمكن من إفراغ حمولتها لأنه ليس لدينا من أموال لفتح الاعتمادات، لذا اضطررنا أن نبيع الكميات لجمع الأموال لتأمين فتح الاعتماد.

ما يتضح في هذه المسألة، أن هناك باخرة أتت بناء على عقد رسمي مع الدولة اللبنانية، وفيها حمولة لم تتمكن من إفراغها منذ أكثر من 40 يوماً، بكلفة تأخير تتراوح بين 20 و 25 ألف دولار يومياً، أي أنه تراكم للباخرة مبلغ يتجاوز 800 ألف دولار، واضطرت الوزارة – المنشآت، أن تبيع 6 مليون ليتر بأسعار «تنافسية» تحقق للتجّار الذين اشتروها أرباحاً إضافية بقيمة لا تقل عن 350 ألف دولار، وهي في المقابل سجّلت خسائر في ميزانية المنشآت في وقت أن الأسعار على ارتفاع، وهذه خسارة إضافية.

وتثير هذه الواقعة أسئلة منها: ألم تنتبه الوزارة إلى كون الباخرة المحملة بكميات (مهما يكن لونها، لأن اللون هو مجرّد تلوينة توضع للتمييز بين منتج وآخر، وليس لكل منتج لون محدّد) من المشتقات النفطية، سترد إلى لبنان وفق عقد موقع مسبقاً وبمعادلة سعرية محدّدة مسبقاً أيضاً، لكن لا اعتمادات لإفراغ الحمولة، ولم تهتم الوزارة طوال 40 يوماً وأكثر حتى باعت 6 ملايين ليتر بسعر أقل بـ60 دولاراً للطن، لجمع الأموال.. فمن يتكبّد هذه الخسائر، وأي تنافسية هذه؟

طبعاً انشغال الوزارة بتصنيف الألوان، جعلها تغفل عن فشل كهذا، ودفع فريق الوزير إلى التركيز على لون المازوت الأحمر والأصفر، وإغفال الأثر البيئي الناتج عن استعمال مازوت فيه كبريت بنسبة PPM 9297 بدلاً من 10 PPM.
هنيئاً لنا بوزارة الطاقة للألوان!

محمد وهبة-الاخبار

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى