مقالات

هواجس النهاية وصناعة الخراب

كلما تأملت مشهد الدمار، وكلما أبصرت هذا العلو والإفساد الذي تقوم به “إسرائيل”، أيقنت أن دولة الاحتلال إلى زوال، وأنها قاب قوسين من النهاية، فهي تمارس كل الأفعال القذرة والشنيعة لأن هاجس الفناء وصل إلى حد غير مسبوق على طاولة لوبيات صناعة القرار داخل المجتمع الصهيوني المتطرف، لذلك فإنهم يريدون تدمير المنطقة بالكامل، حيث بدأ المفسدون في الأرض بتدمير قطاع غزة، بشكل غريب ومخيف، إذ كلما عدت لتأمله قلت في نفسي: أي قوة غاشمة هي التي تقدر على ذلك…

واليوم يحاولون تدمير لبنان، كل لبنان لا الجنوب فقط، يتغلغلون من هذه البقعة إلى تلك، ومن هذه القرية أو المدينة إلى مكان آخر، من أجل تحقيق دولة إسرائيل الكبرى، فهم بين هاجس الفناء أو صناعة الدولة التي تبدأ من النيل وتنتهي بالفرات، وربما أبعد من ذلك أيضًا.

المحزن في الأمر، أن الأنظمة العربية تقف متفرجة، تنتظر دور بلدانها المحتوم في الانهيار، ما لم تتخذ خطوات عملية لمحاربة هذا السرطان، بل إنها أحيانًا للأسف تبرر للمحتل ما يفعل داخل الجنوب اللبناني، وكأن المقاومة جريمة، والانسياق خلف راعي البقر حكمة، والجميع يعلم أن القوانين جميعها، السماوية والوضعية التي أقرتها الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات العالمية، تمنح الشعوب حق الدفاع عن النفس والمال والعرض والأرض، لكن الأمر مختلف عندما يتعلق بدولة الاحتلال، إلى درجة أن الإنسان يمكنه أن يبصر حجم التناقض في الديمقراطية المدّعاة داخل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية عندما يتعلق الأمر بـ”إسرائيل”.

إذ تتوقف حرية الفرد عندما يبدأ بفضح جرائم الاحتلال، وتسليط الضوء على الجرائم التي يقوم بها في قطاع غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان وسوريا، وكل مكان يصل إليه جيشه.

في المقابل، النظام العربي الشمولي غائب، وعاجز عن منح الحرية للشعوب وأن تخرج لتعبر عن حجم الغضب تجاه دولة الاحتلال، بل إن أي حراك “افتراضي” يمكنه أن يتسبب بإخفاء الشبان الذين يناضلون خلف الكيبوردات، في تساوق غريب بين تلك النظم ووجود دولة الاحتلال، وربما يدرك المثقف الحقيقي أن  وجود بعض الأنظمة مرتبط بدولة الاحتلال، وهذا ما قاله عبد الوهاب المسيري ذات لقاء، حين سأله مقدم البرنامج عن زوال دولة الاحتلال، فقال: إن زوالها مرتبط بزوال أسبابها، وحين عاد مقدم البرنامج ليسأل عن الأسباب، أجاب المسيري: الأنظمة العربية.

ولا أعرف ما هي المنفعة من صناعة العدو الوهمي، وجلب العدو الحقيقي إلى تراب الوطن، ليدافع عن الوهم، رغم أن الجميع أدرك أن وجود القواعد الأميركية لم يكن هنا إلا لخدمة الاحتلال والحفاظ على الدولة الوظيفية التي عملت على تفكيك المجتمع العربي، وبث الفرقة بين أبناء الشعب الواحد، بل وبث الفرقة بين الشعوب العربية، التي للأسف لم تجد في كل ما يجمعها إلا مذهبة الدين أو نمذجة السياسية وتصنيفها وتقسيمها حتى داخل الحزب الواحد، إلى درجة صار الدفاع عن الاحتلال وتبرير القتل وتدمير البيوت بوابة جديدة لنفهم كيف تم تدجين العقول، وترويض الأجساد لتقبل بالعبودية.

بل إن الماكينة الإعلامية الرسمية في بعض البلدان العربية تساوقت مع الإعلام العبري للدفاع عن الاحتلال، وإظهار المقاومة في موقف الضعيف، ومحاولة تثبيط الهمم، والنيل من أي بندقية تدافع عن التراب السليب، وتحميل الشرفاء مسؤولية ما يجري في المنطقة، بل بات الواحد منا يخشى أن يسعى كتبة تلك الأنظمة ووعاظ السلاطين إلى تزوير التاريخ لاحقًا من أن الحركات الوطنية هي المسؤولة عن احتلال “إسرائيل” للأراضي الفلسطينية، وأن حزب الله هو المسؤول عن تدمير الجنوب، وأنه كان يجب علينا الاندماج مع القتلة الذي ارتكبوا المجازر منذ عام 1947 وحتى تاريخه، إضافة إلى مساعدة الانتداب قبل ذلك ببسط يده وسلطانه على الشام وكل الربوع العربية.

سبق وأن قالها صلاح خلف: أخشى أن تصبح الخيانة وجهة نظر، وما يقوم به بعض وسائل الإعلام وبعض الرموز المنتفخة والقيادات العربية المهلهلة بالنياشين من الدفاع عن دولة الاحتلال، يؤكد أن الخيانة لم تعد وجهة نظر فقط، بل باتت تنظيمًا وحزبًا ونظامًا ودولة، وصار الدفاع عن القتلة قمة الشرف، في حين يقوم كل هؤلاء بالاستخفاف بالثوار الذين يواجهون الدبابة التي تدمر الجمال في بلدانهم، يعمدون إلى الحفاظ على ما تبقى من كرامة هذه الأمة التي أتخمتنا حديثًا عن أنها كانت خير أمة.

وإن أخطر ما نرصده هو تغير النخب وانحياز أقلامها إلى المصلحة وإرضاء الحاكم، بينما تحتفظ الأقلام الحرة بألسنتها خوفًا من دفع الثمن، في ظل اختلال المعايير، وانقلاب الموازين تجاه الاستعمار، في حين أن البعض فقط ممن يؤمن بالقومية والعروبة أو الإسلام ما يزال يدافع عن هذه الأمة التي تعيش أزمات متفاقمة، لعل الجميع يدرك أن الحرب التي زرعها الاحتلال منذ عقود داخل وجدان الأمة، محاصِرًا العقول ومنتحلا الأفكار لدى الدوغمائيين، ستودي بنا جميعًا إلى الهاوية ما لم نتحرك ضد هذا الاستعمار الجيوبوليتيكي، بأدواتنا الدبلوماسية والسياسية والعسكرية.

يسري الغول – الميادين

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى