متفرقات
عندما نُسلّم القيادة إلى الآلة: إلى أين تأخذنا السيارات الذاتية؟

تجربة واقعية داخل سيارة أجرة ذاتية القيادة في بكين تكشف كيف تطورت التكنولوجيا من إخفاقات «DARPA» الأولى إلى أنظمة L4 اليوم، وتطرح أسئلة حول الأمان، المسؤولية، ومستقبل العمل في عصر القيادة الذكية.
دورية شرطة ذاتية القيادة في أحد شوارع بكين (china daily)
في أواخر عام 2024، وبينما كنتُ أستعد لتصوير فيلمي الوثائقي العلمي «غدًا يبدأ من اليوم»، أو «Tomorrow is now»، خضتُ للمرة الأولى تجربة ركوب سيارة أجرة ذاتية القيادة، كانت تعمل ضمن نطاقٍ تجريبي محدّد في العاصمة الصينية بكين. وذلك عبر تطبيق على الهاتف، يمكن لأي شخص أن يحجز هذه التجربة بسهولة.
فتح الباب تلقائيًا، وعلى الشاشة ظهرت عبارة: «مرحبًا بك». أمّا مقعد السائق، فكان خاليًا.
الرحلة في سيارة من دون سائق
بصراحة، عندما ترى المقود يدور وحده للمرة الأولى، وتجد نفسك داخل سيارة بلا سائق تسير في شارعٍ حقيقي، يصبح التوتر غريزة. ويقفز السؤال تلقائيًا: هل تستطيع هذه الآلة حقًا أن تتعامل مع تقلبات الطريق التي لا تنتهي، ومع اللحظات الخطرة التي تداهمك بلا إنذار؟
لقد عشتُ في القاهرة من قبل، وبمستواي البشري المتواضع في القيادة، لستُ واثقة أنني كنتُ سأبدو «هادئة» وسط طرقٍ بهذه الدرجة من التعقيد.
هل تستطيع هذه الآلة حقًا أن تتعامل مع تقلبات الطريق التي لا تنتهي
قطعتُ أكثر من عشرة كيلومترات وراحةُ يدي تتعرّق. لكن سيارة الأجرة الذاتية بدت — على نحوٍ مفاجئ — أكثر هدوءًا مني. كانت تتعرف إلى إشارات المرور، وتغيّر المسار تلقائيًا، بل وتتجاوز المركبات المتوقفة مؤقتًا في الوقت المناسب لتتفادى انتظارًا لا معنى له. طوال الرحلة، لم يكن هناك تسارع مفاجئ ولا ارتباك.
كيف يصنع التقدّم؟
في تلك اللحظة بالذات، بدأ يتشكل داخلي فضول حقيقي:
إذا كان هذا هو اتجاه تطور النقل في المستقبل، فكيف ستتغير حياتنا؟
خلال بحثي التحضيري للفيلم، ازددتُ قناعةً بأن كل قفزة بشرية نحو المستقبل لا تأتي من فراغ. كثيرٌ مما نراه اليوم ونضعه تحت خانة «ابتكار مذهل» كان في الأمس فكرةً بعيدة. وهكذا يتشكل التقدم: خطوة صغيرة اليوم، تصنع واقعًا جديدًا غدًا.
أول مسابقة للسيارات ذاتية القيادة في التاريخ كانت تعثرًا جماعيًا
في الصين، تروي الأساطير حكاية «عربة العطور السبعة». ووفقًا لما جاء في رواية «تثبيت الآلهة»، ارتبطت هذه العربة بسرديات قديمة جعلت من الحركة الحرة أشبه بمعجزة. لقرونٍ طويلة، نُسبت هذه القدرة إلى الخوارق، ولم يتخيّل أحد أن الإصرار البشري قادر على تحويل «المعجزة» إلى تكنولوجيا.
لكن الواقع، كما نعرف، أشدّ وعورة من الأسطورة.
التجربة الأولى للسيارات الذاتية
في عام 2004، أطلقت وكالة مشاريع البحوث المتقدمة الدفاعية «DARPA» ما عُرف باسم «تحدي داربا الكبير»، وهو أول مسابقة للسيارات ذاتية القيادة في التاريخ. كان المشهد حماسيًا، لكن النهاية كانت تعثرًا جماعيًا: سيارات تضلّ الطريق، وأخرى تتعطل، وثالثة تفقد السيطرة، بل إن بعضها اشتعلت فيه النيران.
في الصين يسرّع انتشار السيارات الكهربائية التحول نحو القيادة الذاتية
ومع ذلك، كانت تلك الإخفاقات ضرورية. فالتكنولوجيا لا تغيّر العالم بومضة إلهام، بل بصبر طويل وتجارب متكررة تُحوّل المستحيل تدريجيًا إلى ممكن. هكذا فقط يبدأ الغد، من اليوم.
اليوم تقترب القيادة الذاتية من حياتنا اليومية لأن منظومة كاملة من القدرات بدأت تنضج.
على الآلة أن ترى عبر الكاميرات والرادار وأجهزة الاستشعار، فتحوّل الطريق إلى بيانات. عليها أن تميّز فتفهم المشاة والمركبات وإشارات المرور. ثم عليها أن تفكّر فتقرر: متى تُبطئ، متى تتوقف، ومتى تغيّر المسار.
ومع ذلك، فإن التطور من «L0» إلى «L5» لا يزال رحلة طويلة. سيارة الأجرة التي جرّبتها كانت عند المستوى «L4»: أي قيادة ذاتية كاملة ضمن نطاق تشغيل محدد. أما أنظمة المساعدة لدى علامات مثل «Tesla وHuawei وXPENG»، فغالبًا ما تقف عند «L2–L3»، ولم تصل بعد إلى القيادة الذاتية الكاملة بالمعنى الدقيق. إنها عملية تراكمية، تُبنى خطوة فوق خطوة.
التحوّل الاجتماعي
في الصين، يسرّع انتشار السيارات الكهربائية هذا التحول، إذ أصبحت السيارة أقرب إلى جهاز ذكي قابل للتحديث المستمر. كما أن فتح مناطق اختبار داخل المدن أتاح للتقنيات أن تنضج في شوارع حقيقية. وفي الخليج، تظهر مبادرات مثل النقل الذكي في دبي، و«رؤية السعودية 2030»، ومشروع «نيوم» استعدادًا واضحًا لاحتضان هذا التحول.
لكن الحماس وحده لا يكفي. فالقيادة الذاتية قد تعني كفاءة أعلى، لكنها قد تعني أيضًا تحوّلًا قاسيًا لمن تعتمد حياتهم على القيادة كمهنة. وهناك أسئلة لم تُحسم بعد: إذا وقع حادث، كيف تُحدَّد المسؤولية؟ وأين تقف الحدود الأخلاقية؟
ومع ذلك، فالإحلال التكنولوجي لا يعني نهاية العمل البشري، بل إعادة تشكيله. تظهر مهن جديدة، وتُعاد صياغة منظومات كاملة. فكل تحوّل تقني يحمل في داخله بذور تحوّل اجتماعي.
وربما التغيير الأعمق لا يتعلق فقط بقدرة السيارة على القيادة وحدها، بل بإعادة تعريف معنى الرحلة نفسها. في الماضي كانت الرحلة وقتًا مهدورًا؛ أما في المستقبل فقد تصبح وقتًا مُستعادًا: للقراءة، أو للعمل، أو للراحة. مساحة جديدة للحياة تولد داخل الطريق.
إذن السؤال الحقيقي ليس هل نريد القيادة الذاتية؟ بل: كيف نجعلها أكثر أمانًا وعدالةً وجديرةً بالثقة؟ وكيف نضمن أن تكون ثمارها متاحة للجميع؟
أخيرًا أعود إلى لحظة ركوب السيارة في بكين. أدركتُ أن توتري لم يكن خوفًا على السلامة فحسب، بل حدسًا أمام المجهول: حين نُسلّم المقود إلى الآلة، كم من السيطرة نتنازل عنه؟ وماذا نكسب؟
إن «غدًا يبدأ من اليوم» لا يوثّق مجرد تطور تقني، بل يرصد لحظة انتقال: من الأسطورة إلى الخوارزمية، ومن الحلم إلى الشارع الحقيقي. فالمستقبل لا ينتظرنا في الأفق… إنه يبدأ الآن.
مخرجة أفلام وثائقية في CGTN
الاخبار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



