متفرقات
موارد سوريا المائية ليست للسوريين: سنوات العطش المقبلة!

بين الجفاف وإسرائيل وتركيا، يرى السوريون أنفسهم أمام تحدٍ «خطير» يتعلق بأمنهم المائي، فالمياه في سوريا لم تعد كافية لتلبية حاجات قرابة 26 مليون سوري، يقيمون على الأراضي السورية من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، كل ذلك لا يتعلق بالتغيرات المناخية وما نتج منها من ظواهر مثل الجفاف وانحباس المطر، بل يرتبط بشكل وثيق بعوامل خارجية تتعلق بـ«سرقة» مياه الأراضي السورية من قبل التركي والإسرائيلي.
واليوم تقف سوريا أمام خطر مائي حقيقي نتيجة عدة عوامل متزامنة: تحكم تركيا في تدفقات الأنهار، الحفر العشوائي للآبار واستنزاف المياه الجوفية، موجات الجفاف المتكررة لا سيّما وأنّ الأمطار هي المورد الرئيسي للمياه في سوريا، إذ يقدّر متوسط تساقط الأمطار بنحو 46 مليار متر مكعب سنوياً. فضلاً عن هذه العوامل، يؤدي تهالك وضع شبكة مياه إلى هدر نسبة كبيرة من الموارد قبل أن تصل إلى السكان. استمرار هذه العوامل دون خطة وطنية جدية يعني أن البلاد تقترب تدريجياً من أزمة مائية قاسية قد تتجاوز في تأثيرها أزمات الطاقة والاقتصاد.
مشكلة سوريا الأساسية هي أنّ قرابة ثلث مواردها المائية تنشأ خارج الجغرافيا السورية، في تركيا ولبنان وفلسطين المحتلة. وتركيا التي تملصت من تنفيذ اتفاقيات دولية وُقعت عام 1987 مع سوريا و1997 مع الأمم المتحدة، ترى نفسها اليوم حرة التصرف في موارد الأراضي السورية المائية، بموجب التجاور الجغرافي و«الميانة» في السياسة مع النظام الجديد، أما إسرائيل، فلا تنفصل لديها حرية الحركة في جنوب سوريا عن حرية التصرف بالموارد، ولعل إرسالها كشفيين إلى سدود الجنوب السوري بعد كل موسم أمطار دليل جازم على اهتمامها «الشديد» بالموارد المائية السورية، بالتزامن مع معلومات عن وجود خطط إسرائيلية للاستفادة من هذه المياه داخل الأراضي المحتلة بدلاً من أن تذهب لأبناء الجنوب السوري في محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء وصولاً إلى ريف دمشق الجنوبي.
«سيخلّف التحكم الإسرائيلي في مصادر المياه العليا إلى جفاف الينابيع وتراجع مخزون السدود وتلف شبكات الري»
الموارد بالأرقام
بحسب البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الموارد المائية (التي دُمجت لاحقاً ضمن وزارة الطاقة)، تُقدَّر الموارد المائية التقليدية في سوريا بنحو 17–18 مليار متر مكعب سنوياً في السنوات المطيرة المتوسطة، تتوزع بين مياه سطحية مصدرها الأساسي الأنهار الدولية والمحلية ومياه جوفية بإعادة تغذية محدودة، إضافة إلى هطولات مطرية إجمالية تقارب 46 مليار متر مكعب سنوياً لا يُستفاد إلا من جزء منها بسبب التبخر والجريان السطحي.
ويُعد نهر الفرات المورد السطحي الأكبر حيث يشكل الحصة الأعظم من المياه الواردة إلى البلاد، إلى جانب أنهار مشتركة أخرى مثل نهر دجلة ونهر العاصي ونهر اليرموك، بينما تُقدَّر الموارد الجوفية المتجددة بأكثر من مليار متر مكعب سنوياً مع تفاوت كبير بين الأحواض، وتُخزَّن المياه عبر شبكة سدود رئيسية أبرزها سد الفرات بسعة تخزينية تقارب 11–14 مليار م³، وسد تشرين بنحو 2.5 مليار م³، إضافة إلى سدود على العاصي وأحواض داخلية أخرى.
الجفاف بالأرقام
هذه الأرقام لم تعد اليوم واقعية في ظل تحديات كبرى تواجه الأمن المائي في سوريا، حيث تشير التقارير الدولية الحديثة الصادرة عن منظمات إنسانية وأممية مثل «ACAPS» ووكالة «أسوشيتد برس» إلى أن سوريا تشهد في عامي 2025–2026 واحدة من أشد موجات الجفاف خلال عقود، نتيجة انخفاض حاد في الهطولات المطرية وتراجع تدفقات الأنهار والمياه الجوفية، ما أدى إلى وصول مخزونات عدد من السدود إلى مستويات حرجة أو إلى ما يُعرف بـ«التخزين الميت»، وانخفاض إنتاج المحاصيل الأساسية وعلى رأسها القمح، وتراجع حصة الفرد من المياه إلى ما دون خط الفقر المائي العالمي (1000 م³ سنوياً)، الأمر الذي انعكس مباشرة على الأمن المائي والغذائي معاً، من خلال تقنين مياه الشرب، تضرر الزراعة المروية، وزيادة الاعتماد على المساعدات، وسط تحذيرات من استمرار الضغوط المناخية خلال 2026 وما بعده إذا لم تُتخذ إجراءات إدارة مستدامة للموارد المائية.
ويعد الجفاف عاملاً طبيعياً من عوامل نقص المياه، لكن ما يزيد من المعضلة في سوريا هو عوامل خارجية تسهم في خنق السوريين مائياً وتعطيشهم، ولا يقتصر ذلك على الجنوب السوري ودور الاحتلال الإسرائيلي في سرقة موارد سوريا المائية، بل أيضاً ينسحب ذلك على الشمال، وهنا يبرز دور تركيا كعامل ضغط إضافي.
مياه الجنوب على «مزاج» إسرائيل!
في جنوب سوريا هناك عدد من المنابع والمصادر المائية المهمة التي يشكّل توسّع الاحتلال الإسرائيلي خطراً مباشراً عليها، سواء من حيث التحكم في مواردها أو التأثير على تدفقها وجودتها، أبرزها حوض نهر اليرموك، وسد الوحدة، والمنطرة، وكودنة وغدير البستان، بالإضافة إلى سد الرقاد، وكلها سدود ومنابع مائية «وصلت إليها الدوريات الإسرائيلية وفي إمكانها أن تمنع مياهها عن محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء في جنوب سوريا متى تشاء»، وفق مصادر محلية لـ«الأخبار».
لذا تعدّ السيطرة الإسرائيلية الحالية على جبل الشيخ الأخطر لناحية تأثيرها على الأمن المائي، لأنّ الجزء الذي تسيطر عليه إسرائيل في جبل الشيخ وهضبة الجولان يضم عدداً من الينابيع التي تغذي أودية وروافد أساسية في الجنوب، مثل روافد نهر اليرموك والرقاد والحاصباني وبانياس، وكنتيجة محتمة «سيخلّف التحكم الإسرائيلي في مصادر المياه العليا وتأثير عملياته العسكرية على البنى التحتية للمياه، إلى جفاف الينابيع وتراجع مخزون السدود وتلف شبكات الري»، وفق مصدر حكومي لـ«الأخبار».
ومع انخفاض الأمطار وجفاف الينابيع مقارنة بالسنوات الماضية، فإن فقدان مصادر المياه العليا أو تقييد التدفق يعزز خطر انعدام الأمن المائي في الجنوب السوري خصوصاً في المواسم الجافة، ما يزيد الضغط على السكان والزراعة ويهدد الاستقرار الوطني للأمن الغذائي والمائي في المستقبل القريب.
«لم توقّع تركيا على اتفاقية الأمم المتحدة للأنهار الدولية لعام 1997، وبالتالي استغلت مسألة أنها غير ملزمة قانونياً بنظام حصص محدد»
تركيا «تقبض» على المياه السورية شمالاً
ليست إسرائيل وحدها الطرف الذي يضيّق الخناق المائي على سوريا، في الشمال تؤدي تركيا الدور عينه، عبر حجب المياه عن الأراضي السورية مستغلة التداخل الجغرافي الذي يتيح لها التحكم في مصادر المياه وعبورها والمستفيدين منها، ظهر ذلك جلياً مع بدء العمليات العسكرية التركية في الشمال السوري تحديداً بعد عام 2016، عندما سيطرت قوات مدعومة من أنقرة على مناطق تضم منشآت مائية مهمة، منها محطة مياه علوك قرب رأس العين، التي تغذي مئات الآلاف في الحسكة ومحيطها، حينها تحدثت تقارير أممية ومنظمات إنسانية عن انقطاعات متكررة للمياه منذ 2019.
المطامع المائية التركية في سوريا ليست جديدة، ولا وليدة الحرب الأخيرة، ففي عام 1987 تم التوصل إلى تفاهم بين تركيا وسوريا يقضي بأن تسمح تركيا بمرور 500 متر مكعب في الثانية كحد وسطي أدنى من مياه الفرات باتجاه سوريا، على أن تقوم دمشق لاحقاً بتمرير 58% من هذه الكمية إلى العراق. لكن التطبيق لم يكن ثابتاً؛ وفي سنوات الثلوج وذوبانها، خاصة خلال شهري آذار ونيسان، كانت الكميات ترتفع أحياناً إلى نحو 3000 متر مكعب في الثانية، ما يسبب فائضاً كبيراً. وفي المقابل، خلال أشهر الصيف مثل تموز وآب وأيلول، كانت الكميات تنخفض أحياناً إلى حدود 150 متراً مكعباً بحجة أن المعدل السنوي تحقق. أي إن تركيا تعاملت مع الرقم باعتباره «متوسطاً سنوياً» لا تدفقاً ثابتاً، وذلك وفق ما قاله الخبير في مجال التنمية المستدامة، عهد الهندي لـ«الأخبار».
الأخبار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



