مقالات

هذا هو سر الصمود الايراني

هي تجربة فريدة فعلا ، سارت “عكس السائد” . كثيرون رأوا استحالة تقدمها ونجاحها ، انها تسبح بانظومة مختلفة لما هو سائد شرقا وغربا وبين المسلمين والعرب ، لكن بعد سبعٍ واربعين عاما يزداد ثقلها ومكانتها رغم تكثف التحديات المحيطة بما لم تشهده تجربة اجتماعية سياسية مثيلة.

لم يسبق لدولة اقليمية بل حتى لقوة عالمية ان واجهت اميركا (كزعيمة للغرب) وصمدت امامها او استطاعت ان تستمر وتتقدم ، فالمانيا انهارت بعد عقدين والاتحاد السوفياتي لم يمر على قطبيته بعد الحرب العالمية الثانية أربة عقود حتى تفكك وانهار .

نتحدث عن مسار من التحديات رافق هذه الثورة منذ انتصارها بما لم تواجهه تجربة مناوئة للغرب في التاريخ ، لم يخل عام من تهديد ومن وعيد ومن رزمة تضييق للتجربة وحصار وتشويه ومن حروب عالية ومنخفضة … ومع ذلك حافظت على منعتها ومسارها وتقدمت لصناعة القطبية المأمولة وفقا لرؤيتها حتى باتت اليوم من بين اهم إرادات قليلة في عالمنا إلى جانب قوى عالمية كاميركا والصين وروسيا ( ويبدو ان المانيا عائدة ) …
المفارقة انك تتحدث عن دولة اقليمية القاعدة الجغرافية إلا انها تقترب ان تبلغ العقد الخامس من ثورتها وتراها عازمة مريدة حيوية تبني نموذجها الدبلوماسي والسياسي والفكري والفني والعلمي والاجتماعي والعسكري مستندة لدعم وتأييد شعبي لم تحظ به ثورة بعد امد على قيامها .

تراها تتقدم وتتحدى وتصبر وتناور وتواجه وتلعب على حافة الهاوية وتقاتل وتخوض الحروب وتفاوض وتفرض شروطها وتتماسك داخليا وتطلق أقمارها الصناعية إلى الفضاء وتنافس في الطب والهندسة والعلوم والفلسفة والأدب والفن والسينما وتقدم دروسا للعالم في صناعة المكانة والندية لا استجدائها ، انها تقدم منهجا يستحق التامل في بناء الاقتدار والاعتماد على الذات وعدم الانضواء تحت ظل احد من الكبار العالميين او استرضائهم ، بكلمة اخرى هي تقول يمكن بناء قطبية وفق تعريف جديد لمقومات وعناصر القطب .

فلا يصح ان تقتصر القطبية على حصرية البعدين العسكري والاقتصادي والتقني ، بل قد تكون صناعة القطبية مرتكزة على أمور اخرى ، وهذا يرتبط إلى حد بعيد في فهم الحاجات البشرية والتفضيلات والمشكلات التي تعاني منها والبحث عمن يستجيب لها ، فالفكرة السليمة ستعيد بناء هيكل القوة العالمي إذا وفرت لها شروطها !! .

بهذا المعنى نجحت الجمهورية الإسلامية ان تجتنب فخ السكون والرتابة او الذوبان في الانظومات الاخرى او ان تستسلم لواقع المعادلات الدولية وقواعدها بان تكون تقليدا ورجع صدى او وجودا ظلّيا ، بعض الدول تقوم سياستهم ونفوذهم على المناورة واستثمار تناقضات الآخرين اما هي فيمكن اعتبارها منشئة او صانعة لفضاء وموسعة له وليست مالئة لفراغ او مراهنة على تناقضات خارجية ، هي حاملة لراية وليست متسللة تحت رايات اخرى .

هي اتجهت منذ يومها الاول لتنتج في البيئة الاقليمية اولا ثم في البيئة العالمية خطابا متمايزا حاكى شعوبا وعوزا انسانيا للشعور بالكرامة والعدالة والندية . فنداء المقاومة فعل وليس انفعال ، فالمقاومة يفهمها هي لغة الزمن الحالي وهي أنظومة فكرية اخلاقية كاملة تعطف القوة – او ما امكن منها – إلى الحق وليس الحق إلى القوة .

فالأصل للحق وللإرادة والعزم والثقة بالذات والشعوب ، الاصل للحكمة والشجاعة وتحدي الهيمنة لا مداهنتها لكن التحدي الذكي ، الأصل للادراك الصحيح للعالم وحاجاته العميقة ولسلامة الدوافع والربط المحكم لعلاقة الدافع بالهدف بالأثر ( هنا احد اكبر مشكلات اميركا اليوم) .

ومن خلال هذا استطاعت ان تنتج جاذبية لكثر في عالمنا ، فكانت ثورة وإصلاحا في آن اي عمدت لاسقاط الطغيان الشاهي بقوة الشعب بطول تحدي رأس الطغيان اميركا بينما تتكامل مع اي ايجابي في التجربة الإنسانية بما وصلت اليه .

في عالم منطق الغابة لم تنحز إلى القوة بل إلى الشجاعة وفي عالم الانفعال انحازت الى الحكمة وفي عالم الاعتداد ذهبت إلى التواضع وفي عالم السلام بالقوة اتخذت السلام بالحق المستند إلى قوة سبيلا وفي عالم ازدراء الشعوب سارت لتعزيز مشاركتهم وحضورهم وفي عالم الدوافع المادية ثقلّت من الدوافع الاخلاقية والمعنوية وفي عالم التعجل اختارت الصبر والتقدم المتدرج والثابت .

فميزت نفسها عن الغرب كما عن كثير من التيارات الدينية الإسلامية والدول وميّزت خطابها عن غيرها ولم تهادن لتصل كما فعل غيرها من اتجاهات دينية بل تحدّت منذ اليوم الاول وواجهت فضمنت بذلك نقاء التجربة وعدم تشوشها ، ولم تولد ثورتها على يد “داية” خارجية او بإسهام ومساعدة غربي بل كانت ثورة قّل نظيرها في مواجهة احد اهم الأنظمة والأجهزة الامنية في العالم ( السافاك ) ، فكانت الثورة انتصارا على الشاه عميل للغرب وشريك إسرائيل وفي عمقها انتصاراً على اميركا وإسرائيل ، والثورة لم تنظر لجنس وطائفة الحاكم بل لسلوكه وموقفه .

لذلك هي تمايزت عن غيرها من الأفهام الإسلامية جدا جدا وهذا ما بات يفهمه العالم تدريجيا ويفرق في النظر بينها وبين غيرها ، ولعل آخر محطة اكدت هذا التمايز هو موقفها من الحرب على غزة حتى انها عاشت “غربة” او عانت “يتم” في ظل صمت دولي وخيانة .

تتحدث اميركا وإسرائيل جهرا اليوم عن اسقاط تجربة الجمهورية الإسلامية في ايران ويحاولون بقوة .

هم فشلوا حتى اللحظة . والمرجح انهم سيفشلون فشلا ذريعا ليس لسبب إلا لان مقومات ايران وسياقات صعودها قوية ومتينة بينما مقومات وسياق فعل اعدائها ضعيفة .

لقد نجحت ايران بمسارها ومواقفها ان تقرب العالم والشعوب منها وتبعدهم عن اميركا واسراءيل وتُضعف شرعيتهما امام العالم خصوصا في المواجهة الأخيرة مع جبهة المقاومة وان تغير من موقف دول الاقليم وأنظمتهم منها والعداء لها ( فصاروا يعرفون ان مصالحهم ليست في التآمر عليها بل في منع ذلك ) وان الموقف لصالح فلسطين كمركز قضايا المنطقة والانحياز لها مصلحة مشتركة لهم جميعا ولدولهم وان شعبها اكثر التفافاً عليها واحتضانا لنظامها بينما في المقلب الاخر اي في مقلب اميركا وإسرائيل والغرب كل شيء معكوس ، فالعرب هوت أعمدته والأمة الأمريكية منقسمة والاستقطاب الحاد يستحكم بها ، اما الحرب على ايران فليست محل اجماع بل محل رفض من الغالبية والتأييد العالمي للحرب غير متوافر وكذلك التأييد القانوني لها ، ناهيك ان هكذا مواجهة هي ليست مع دولة اقليمية عظمى فحسب بل مع تيار ديني وسياسي مقاوم له فاعليته في المنطقة والعالم .

إن اميركا اعتادت ان تخوض حروبها منذ منتصف القرن الماضي مع دول ضعيفة وهشة وانظمة متهالكة وحطيت حروبها بتأييد كبير خارجي وداخلي واحيانا قانوني ورغم ذلك فشلت فشلا كبيرا وأعترف كبارها بالكوارث الاستراتيجية التي خلفتها حروبها عليها فكيف اليوم والخصوم يتربصون بها وهي تواجه قوة فعليه حقيقية قديرة تساندها شعوب لديها القدرة والمشروعية والنفس الطويل !.

كل من قال بالأمس انها تجربة وخطاب مخالف للمسار العالمي ولا افق له للنجاح اخطا التقدير وافترض انه يعيد النظر ، ويعترف الان ان إصرارها على حياكة فرادتها وبناء ثقتها بنفسها وبقدرتها لانتاج ما يشبهها وما تراه حاجة إنسانية حقيقية لا تزييفا للتفضيلات والحاجات جعلها اليوم في مكان اعلى وارفع بين الامم ويعترف انها تشكل اليوم خطاب مستضعفي العالم من ذوي الإرادات وئيدا منيعا يحميهم جميعا وكلمة اسلامية تتميز بالاخوة والعزة .

ان هذه العناصر مجتمعة مضافا اليها التحدي الكبير الذي تخوضه بمواجهة اميركا في هذه الايام التاريخية بمقدار ما فيه من تهديد لكن ايضا فيه من فرصا قد تضعها على ابواب قطبية عالمية إذا ما نجحت في تجاوز التحدي الحالي وافشال اهداف العدو ان بالتفاوض او بالمواجهة العسكرية فيما لو وقعت .

واغلب الظن انها ستنجح لان سياقها الداخلي والإقليمي والدولي مريح ومناعتها وقدراتها متينة بينما سياق اميركا وترامب في المقام الادنى في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية كما ذكرنا ولان الحروب في عالم اليوم ليست عسكرية اولا .

بلال اللقيس

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى