مقالات
حرب الوعي بين الكيان الصهيوني وإيران في الفضاء الرقمي
تُعدّ منطقة الشرق الأوسط اليوم ساحة مفتوحة لأعنف حرب معلوماتية في القرن الحادي والعشرين، إذ لم تعد الصواريخ والطائرات المسيّرة هي الأدوات الحاسمة الوحيدة في الصراع، بل برزت الخوارزمية والمنشور المموّل وإدارة السرديات الرقمية كأسلحة استراتيجية لا تقل فتكاً وتأثيراً.
في هذا السياق، تعتمد “إسرائيل” على بنية تحتية تقنية واستخبارية شديدة التعقيد، توظّف فيها شركات تكنولوجيا، ومنصّات تواصل اجتماعي، وشبكات من المؤثرين الرقميين، بهدف إعادة تشكيل الوعي الجمعي داخل المجتمعات المستهدفة.
تركّز هذه الحرب المعلوماتية بشكل أساسي على تفكيك الحواضن الشعبية لخصوم “إسرائيل” الإقليميين، وفي مقدّمتهم إيران ومحور حلفائها.ويتم ذلك عبر حملات منظمة تقوم على بثّ الشائعات، وتضخيم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وربطها مباشرة بخيارات الدولة السياسية، بما يهدف إلى خلق فجوة نفسية وسياسية بين الشعوب وأنظمتها.
كما تسعى هذه الاستراتيجية إلى عزل إيران عن محيطها العربي عبر شيطنتها إعلامياً، وتصويرها كخطر وجودي على المجتمعات العربية، وليس كفاعل سياسي له حساباته وصراعاته الخاصة.
الأخطر في تلك الحرب أنها تعمل في المساحات الرمادية، فلا تُعلن عن نفسها، ولا تُقابل غالباً بردٍّ موازٍ، ما يجعل أثرها تراكمياً وبطيئاً لكنه عميق.
آليات التضليل وأدوات التأثير الناعمة
تعتمد “إسرائيل” في عملياتها تجاه الجمهورين الإيراني والعربي على مزيج من العمليات النفسية (Psychological operations) والدبلوماسية العامة الرقمية.
وتتوزع هذه الآليات على محاور عدة:
أولاً، وحدات “السايبر” والعمليات النفسية
تشير تقارير استخبارية (مثل دراسة “معهد دراسات الأمن القومي – INSS” لعام 2025) إلى أن وحدات مثل “الوحدة 8200” لم تعد تكتفي بالتجسس، بل باتت تدير “أقسام التأثير”، وهذه الأقسام مسؤولة عن إنشاء آلاف الحسابات الوهمية (Avatars) التي تتقن الفارسية بلهجاتها المحلية (الطهرانية، الأصفهانية، والمشهدية) لتبدو كأنها أصوات من قلب إيران، والهدف هو بث الإحباط، وتضخيم الأزمات الداخلية، وتصوير النظام كعدو لرفاهية المواطن. وهو ما أكدته صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية في أكثر من تقرير خلال الشهر الماضي.
ثانياً، غرف صناعة المحتوى الموجّه (Targeted Content)
تستخدم وزارة الخارجية الإسرائيلية منصات مثل “إسرائيل بالفارسية” ليس فقط لنقل الأخبار، بل لإنتاج محتوى “تفاعلي” يعتمد على المقارنات البصرية.
فيتم التركيز على إظهار صور من إيران قبل عام 1979 ومقارنتها بالوضع الحالي، في محاولة لخلق “نوستالجيا” سياسية موجهة.
أما في الجانب العربي، فتركز الآلية الإسرائيلية على “شيطنة التحالفات”؛ إذ يُضخ محتوى يصور إيران كـ”قوة طامعة تسعى لتدمير العواصم العربية”، مستغلة الخلافات الطائفية والسياسية.
ثالثاً، التلاعب بالخوارزميات والذكاء الاصطناعي
على مدار العام الماضي، تطورت التقنيات لتشمل “التزييف العميق للصوت” (Audio Deepfake)، ووفقاً لتقرير “مركز أبحاث الإعلام الرقمي”، تم رصد مقاطع صوتية مفبركة لمسؤولين إيرانيين وعرب تهدف إلى إثارة الفتنة بين الحلفاء.
ولإكمال المخطط تُستخدم “اللجان الإلكترونية” لرفع وسوم (Hashtags) معينة إلى قائمة “الترند” لتعطي إيحاءً كاذباً بأن هناك إجماعاً ما على فكرة معينة، وهذه الطريقة كثيراً ما استخدمت لتشويه الأنظمة أو الجامعات المنخرطة في تيار المقاومة.
استراتيجيات المواجهة وبناء الحصانة الرقمية
تتطلب مواجهة حملات التضليل الرقمي الممنهجة استراتيجية شاملة لا تكتفي برد الفعل التقني، بل تمتد لتشمل تحصين البنية النفسية والاجتماعية للشعوب. فالهدف النهائي للتضليل ليس إيصال معلومة خاطئة فحسب، بل “تفكيك المشترك الإنساني والوطني”.
أ- تفكيك البروباغندا (Deconstruction)
يجب على النخب المثقفة والمؤسسات الإعلامية عدم الاكتفاء بنفي الخبر، بل شرح “كيف تم تزييفه؟”، وعندما يفهم الجمهور أن هذا الحساب الذي يدّعي أنه “ناشط حقوقي إيراني” يُدار من خادم (Server) في حيفا، يسقط القناع تماماً.
وهناك مواقع متخصصة اليوم تقوم بعمل بطولي في هذا الصدد ويجب دعمها ونشر تقاريرها، كما يتحتم على إعلام المقاومة إنشاء مواقع أو أقسام لفضح النشاط الدعائي الذي يقوم به أشخاص يتلقون دعماً أميركياً وإسرائيلياً.
ب ـ سلاح “المعلومات المضادة” الموثقة
المواجهة في الميدان الرقمي لا تكفي فيها القوة الإعلامية أو الحملات الدعائية، بل تتطلب استراتيجية تعتمد على “الهجوم بالحقائق”. هذا يعني توثيق الدعم الميداني الفعلي، ونشر إحصاءات دقيقة عن الخسائر والإخفاقات الإسرائيلية، بالإضافة إلى الكشف عن التناقضات الصارخة في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين باللغتين العربية والفارسية.
وأهمية هذا الأسلوب أنه يضع آلة التضليل في موقف دفاعي دائم، ويحدّ من قدرتها على تشكيل الرأي العام، فالفكرة الأساسية هنا أن الحقيقة الموثقة والدقيقة عندما تُعرض بشكل استراتيجي، تصبح أقوى من أي حملة دعائية أو خطاب مضلل، وتستعيد السيطرة على النقاش الرقمي.
ج – تعزيز الوعي الرقمي للجمهور
يجب تعليم الأجيال الجديدة كيفية التمييز بين “الرأي” و”المعلومة الموجهة”، ففي عالم تتنافس فيه الحسابات المزيفة والحملات الدعائية على جذب الانتباه، يكتسب الجمهور قوة إضافية عندما يسأل: هل هذا المصدر موثوق؟ متى أُنشئ الحساب الذي ينشر هذه الأخبار؟، فالتشكك في المحتوى الرائج أصبح خط الدفاع الأول ضد التضليل.
كما يمكن أن تكشف قراءة اللغة المستخدمة عن طبيعة الحساب؛ فغالباً ما تُظهر الحسابات الوهمية لغة رسمية مبالغ فيها أو لهجات مختلطة بعيدة عن السمات الطبيعية للمجتمع الذي تستهدفه.
وأخيراً، يصبح البحث عن المستفيد من نشر أي خبر خطوة حاسمة لفهم نيات الحملة الإعلامية. فعندما يعلم المتابع أن انتشار الخبر في توقيت محدد يخدم جهة معينة، يزداد وعيه النقدي، ويصبح أقل عرضة للوقوع فريسة للتضليل الرقمي.
حدود التأثير وتهاوي السردية أمام “اختبار الميدان”
على الرغم من الميزانيات الضخمة التي تُنفق على حملات التأثير الرقمي والحرب النفسية، فإن هذه الجهود تصطدم بمعوقات بنيوية عميقة تجعل أثرها محدوداً وزائلاً، خصوصاً في اللحظات التاريخية الفارقة التي يُعاد فيها تشكيل الوعي الجمعي للشعوب.
فالقوة المالية والتقنية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها كسر إدراك متراكم أو تجاوز خبرة سياسية طويلة تشكلت عبر الصراع والتجربة.
في الداخل الإيراني، يظهر بوضوح مستوى عالٍ من الوعي النقدي تجاه الخطاب القادم من الخارج، وخصوصاً حين يكون هذا الخطاب صادراً عن جهات تُصنَّف تاريخياً كخصوم استراتيجيين. فالمجتمع الإيراني، رغم معاناته الناجمة عن العقوبات الاقتصادية الغربية، يملك حساً سيادياً يجعله قادراً على التمييز بين الاحتجاج بوصفه حقاً داخلياً مشروعاً، وبين محاولات توظيف هذا الاحتجاج ضمن مشاريع تفكيك الدولة من الخارج.
وتشير قراءات متعددة واستطلاعات مستقلة إلى أن قطاعات واسعة من الإيرانيين تدرك أن إظهار “إسرائيل” أو حلفائها التعاطف مع مطالبهم لا ينبع من حرص حقيقي بالتأكيد، بل من رغبة في إضعاف البلاد وضرب تماسكها الداخلي. هذا الإدراك القومي يعمل كنوع من “الدرع الرقمي” الذي يُفرّغ حملات التحريض من مضمونها، ويجعل كثيراً من الرسائل الدعائية تُقابل بالرفض أو الريبة، إذ يرفض المواطن الإيراني أن يتحوّل إلى أداة أو وقود في معركة تخدم أجندات أجنبية لا علاقة لها بمصالحه الفعلية.
وفي السياق العربي، تتعرض السردية الإسرائيلية التقليدية حول “التهديد الإيراني” لتآكل متسارع، بعدما فقدت قدرتها على إقناع الشارع كما كانت في السابق. فعلى مدار سنوات طويلة، سعت “إسرائيل” إلى ترسيخ صورة إيران بوصفها العدو الوجودي للعرب، في مقابل تقديم نفسها كطرف يمكن التفاهم معه أو حتى التحالف معه في مواجهة هذا “الخطر المشترك”.
غير أن التطورات الميدانية، سواء في جولات المواجهة الأخيرة أو في حروب غزة المتلاحقة، أحدثت شرخاً عميقاً في هذه الرواية. فحين يرى المواطن العربي، بالصورة المباشرة لا عبر التحليل المجرد، أن السلاح المدعوم إيرانياً هو أحد العناصر التي تدافع عن غزة والقدس في لحظة عجز عربي رسمي، تصبح كل التحذيرات الإسرائيلية من “الطموحات الإمبراطورية الفارسية” بلا تأثير يُذكر، وتتحوّل إلى خطاب منفصل عن الواقع المعاش.
ويزداد هذا الانفصال حدة عندما تحاول المنصات والحسابات الإسرائيلية التحدث عن قضايا مثل حقوق الإنسان داخل إيران، في الوقت الذي تبث فيه الشاشات نفسها صور المجازر اليومية في فلسطين، وتوثق عمليات القصف والتجويع والحصار. هذا التناقض الفجّ لا يمر مرور الكرام على الجمهور العربي، بل يُنتج حالة من السخرية والرفض، ويُسقط ما تبقى من مصداقية هذه الحملات بوصفها مصادر للمعلومة أو التحليل.
وبدلاً من أن تنجح في إعادة تشكيل الوعي، تسهم هذه الحملات، في تعميق الشكوك وتعزيز القناعات المسبقة بأن ما يجري ليس دفاعاً عن قيم إنسانية، بل توظيفاً انتقائياً للأخلاق في خدمة مشروع سياسي وعسكري واضح المعالم.
الحقيقة أقوى من الخوارزمية
في نهاية المطاف، تظل الحقيقة الميدانية هي الأساس الذي تتعثر عنده جميع محاولات التضليل، فرغم القوة التكنولوجية الهائلة التي تمتلكها “إسرائيل”، بما في ذلك أقوى الخوارزميات وأنظمة الإعلام الرقمي، فإنها لم تتمكن من إقناع المواطن العربي بأنها دولة صديقة أو حليفة، وبالمثل، فشل خطابها في إيران في تقديم نفسها كمنقذ أو داعم لمطالب المواطنين، رغم محاولات استغلال الأزمات الداخلية.
هذا يظهر أن التكنولوجيا وحدها لا تستطيع فرض سردية أو تغيير قناعات الشعوب إذا كانت الحقائق على الأرض معاكسة لما يتم تداوله إعلامياً.
السيد شبل – الميادين
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



