أخبار عالمية
“فضيحة البيتزا”!

قبل نحو عقد من الزمن، دخل رجل يبلغ من العمر 28 عاماً يدعى إدغار ويلش إلى مطعم “كومت بينغ بونغ”، وهو مطعم بيتزا شهير في العاصمة الأميركية واشنطن، حاملاً بندقية من طراز “AR-15” ومسدساً، وأطلق عدة طلقات نارية، ما أدى إلى إلحاق أضرار بباب، وقفل خزانة، ومعدات الكمبيوتر الخاصة بالمطعم.
وقاد ويلش حينها سيارته من ولاية كارولاينا الشمالية في مهمة يعتقد أنها تهدف إلى إنقاذ أطفال كان يؤمن بأنهم محتجزون في قبو المطعم كجزء من شبكة للاتجار الجنسي بالأطفال يديرها أعضاء في الحزب الديموقراطي.
وطبعاً لم يكن هناك أطفال، ولم يكن هنالك قبو أصلاً. وشكلت الحادثة الذروة العنيفة في العالم الحقيقي لنظرية “بيتزاغيت”، وهي نظرية مؤامرة مؤيدة لدونالد ترامب انتشرت بشكل سرطاني عبر الإنترنت في الأسابيع الأخيرة قبل انتخابات 2016، حسبما نقلت مجلة “فانيتي فير” الأميركية.
وولدت النظرية في لوحة الرسائل السياسية المجهولة “pol” في موقع “4chan” أحد أشهر مواقع اليمين المتطرف ونظريات المؤامرة خلال العقد الماضي قبل سيطرة رجل الأعمال أيلون ماسك على موقع “تويتر” ودفعه بالشخصيات الناشطة في زوايا الإنترنت المظلمة نحو الضوء.
وزعمت النظرية التي يؤمن بها أنصار ترامب طبعاً، أن هيلاري كلينتون، ورئيس حملتها الانتخابية العام 2016 جون بوديستا، ونخبة ديموقراطية أخرى، كانوا يديرون شبكة لاستغلال الأطفال جنسياً من داخل مطعم “كومت”.
وقام “محققون رقميون” بتمشيط مراسلات ديموقراطيين بارزين نشرها موقع “ويكيليكس” في ذلك الخريف، وعزلوا عبارات معينة مثل الإشارات إلى البيتزا والهوت دوغ، والتقطوا لها صور شاشة وعلقوا عليها. وصدق مستخدمون بكل سذاجة أن الحرفين الأولين من “تشيز بيتزا” (CP) هو رمز Child Pornography أي المواد الإباحية المتمحورة حول الأطفال. تدحرجت النظرية عبر الإنترنت واعتقد المؤمنون بها أن دونالد ترامب سيدخل البيت الأبيض ويفضح الشبكة كونه المخلّص المسيحي للولايات المتحدة من الشرور.
كانت الظاهرة تحمل كل سمات التفكير التآمري: صناعة أنماط بلا ضوابط، لوحات ساخرة تؤخذ حرفياً، وجنون ارتياب مسخر سياسياً، وكلها صفات طبعت حملات ترامب الانتخابية الثلاثة وفترتيه الرئاسيتين في البيت الأبيض. والجنون أن الملايين من الأميركيين “العاقلين” صوتوا له وصدقوا كل تلك الأكاذيب التي لم تنجح حتى ملفات إبستين في تغييرها، لأن تلك الملفات تضم أسماء ترامب وماسك وغيرهم من المتطرفين الأثرياء، لكنها لا تضم أسماء من يهاجمهم ترامب، مثل معلمي المدارس والدراغ كوينز والعابرات جنسياً والمهاجرين من دافعي الضرائب ونجوم هوليوود مثل مادونا التي كانت نظرية المؤامرة تستهدفها طوال عقد بأنها جزء من النخبة التي تقيم حفلات جنسية شيطانية مع إبستين!
والجمعة الماضي، أصدرت وزارة العدل الأميركية نحو ثلاثة ملايين وثيقة جديدة تتعلق بإبستين. ومن بين كم هائل من رسائل البريد الإلكتروني، برز تفصيل أعاد بنظرية “بيتزا غيت” للواجهة، ليس بسبب تأكيدها أو بسبب معلومات حولها، بل أن كلمة بيتزا، وهي كلمة عادية جداً، ظهرت 911 مرة رغم أن 60 إشارة منها حذفت لاحقاً.
وامتد استخدام كلمة “بيتزا” عبر سنوات، من زمن يسبق ظهور نظرية “بيتزاغيت” بوقت طويل إلى ما بعد اعتباره مفنداً على نطاق واسع. مثلاً في رسالة تعود للعام 2018 سأل أحد معارف إبستين الذين تم طمس هويتهم مقابل فضح وزارة العدل لهويات عشرات الضحايا بشكل غير مقبول: “في أي وقت تريد أن نأكل البيتزا غداً؟”. وحمل عنوان رسالة من العام 2015 عبارة: “بيتزتك لذيذة لذيذة!!”.
وكثافة التكرار هي ما أعاد فتح صندوق المؤامرة في “إكس” بالتحديد طبعاً، وارتفعت عمليات البحث في غوغل على عبارة “بيتزا غيت” كما حصد فيديو في “تيك توك” ركز على الاستخدام الغريب لكلمة “بيتزا” في الملفات على أكثر من مليون مشاهدة، وتلقى تعليقات مثل: “كنا نعرف هذا منذ سنوات وتم اتهامنا بالجنون”، علماً أن “تيك توك” يحجب الفيديوهات الناقدة لترامب وحلفائه أو التي تكشف تفاصيل عنهم ضمن الملفات منذ سيطرة حلفاء ترامب على المنصة قبل أسابيع.
وكتب مستخدم في “ريديت”: “كانت جماعة كي أنون المتطرفة عملية لإخفاء هذا القرف على مرأى الجميع وجعل أي شخص يتحدث عنه يبدو كمجنون. تم تمويهه بغلاف يميني متطرف وكأن الأمر يخص الديموقراطيين فقط”. وأضاف آخر: “قبو البيتزا كان في الحقيقة جزيرة إبستين طوال الوقت”.
ونشأت النظرية في موقع “فور تشان” الذي أسسه المتطرف كريستوفر بول المعروف باسم “moot” العام 2003، كواحد من أكثر منتديات الإنترنت تأثيراً وإفساداً اجتماعياً. ولوحته للأحداث الجارية “new” تحولت لاحقاً إلى بؤرة لنظريات مؤامرة يمينية متطرفة، وحروب الميمات القبيحة، لدرجة أن الصفحة باتت سامة لدرجة أن بول أغلقها في كانون الثاني/يناير 2011.
وبحسب الوثائق الجديدة، التقى إبستين ببول في تشرين الأول/أكتوبر 2011. وكتب إبستين في 24 تشرين الأول/أكتوبر بعد تعارفه مع بول: “أعجبني كثيراً. أوصلته إلى منزله، إنه ذكي جداً”. وبعد أيام تم إطلاق لوحة “pol” كبديل عن “new“.
ورغم ذلك، لا دليل ملموساً على أن إبستين أثر في ولادة “pol” أو في قرارات إدارة “فور تشان” ولا على أن بول الذي تنحى عن إدارة الموقع مطلع 2015 كان له أي دور مباشر في “بيتزاغيت” في العام التالي. وظهر اسمه في رسالة واحدة فقط قال فيها بول أن يأمل بلقاء إبستين مجدداً العام 2012.
المدن
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



