مقالات
أين تقف مفاوضات ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا؟

تحت وطأة التحوّلات الديبلوماسية المتسارعة في الشرق الأوسط، عاد ملف ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا إلى الواجهة بوصفه أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية. فبعد سقوط نظام الأسد وبدء مفاوضات جديدة بين البلدين، طُرح هذا الملف مجدداً في محاولة لمعالجة تراكمات تاريخية تتجاوز مجرد رسم خطوط جغرافية، لتطال قضايا السيادة، الهوية الوطنية، وثروات الطاقة الكامنة في البر والبحر.
يمتد النزاع الحدودي اللبناني – السوري منذ عقود، إذ لم يتم ترسيم حدود رسمية واضحة بين البلدين منذ عهد الانتداب الفرنسي، ما أتاح لكلّ طرف اعتماد تفسيرات مختلفة للخرائط والوقائع الميدانية.
وخلال السنوات الماضية، أقدم الطرفان على خطوات آحادية في بعض المناطق، الأمر الذي يُهدّد بخسارة لبنان مساحات بحرية تُقدَّر بما يصل إلى نحو ألف كيلومتر مربع، تشمل أجزاء من البلوكين البحريين 1 و2 شمالاً، مع ما يعنيه ذلك من خسائر محتملة في الثروة الغازية والنفطية.
ورغم الآمال اللبنانية بالتوصل إلى اتفاق شامل يُنظُم العلاقات الثنائية بين البلدين، تجد أوساط ديبلوماسية مطّلعة أنّ تعثّر المفاوضات الأخيرة حول اتفاقية التعاون القضائي أدّى إلى تراجع منسوب التفاؤل، ما انعكس سلباً على مسار ترسيم الحدود. ومع ذلك، لا تزال القنوات الديبلوماسية مفتوحة، ويُعوَّل على إعادة تفعيل اللجان المشتركة كمدخل لإحياء المفاوضات.
وتزداد أهمية الترسيم البحري مع سوريا في المرحلة الراهنة، على ما تضيف، لا سيما بعد إنجاز لبنان اتفاقي ترسيم بحري مع قبرص في 26 تشرين الثاني الماضي، ومع “إسرائيل” في 27 تشرين الأول من العام 2022.
ويهدف لبنان من خلال استكمال الترسيم شمالاً إلى تأمين استقرار قانوني يسمح بالاستفادة من موارد الطاقة البحرية.
في المقابل، لا يمكن فصل هذا المسار عن النزاعات البرّية العالقة، وفي مقدّمها مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والقسم الشمالي من بلدة الغجر، التي لا تزال تحتلها “إسرائيل” بذريعة أنها أراضٍ غير لبنانية.
وتُعدّ مزارع شبعا نقطة اشتعال تاريخية في النزاع الحدودي، على ما تلفت الأوساط، إذ تمتد على مساحة تقارب 11 كيلومتراً طولاً و2.5 كيلومتر عرضاً، لكنها تحمل دلالات سياسية وأمنية تفوق حجمها الجغرافي. فلبنان يطالب بها رسمياً كجزء من أراضيه، بينما تعتبرها “إسرائيل” جزءاً من الجولان المحتل، في حين أعلنت سوريا تأييدها للموقف اللبناني من دون تقديم وثائق رسمية للأمم المتحدة تثبت ترسيم الحدود في تلك المنطقة. هذا الغموض القانوني يعقّد أي تسوية شاملة، ويُبقي المنطقة عرضة للتوتر.
ويُضاف إلى ذلك أن اعتراف الأمم المتحدة بانسحاب “إسرائيل” من لبنان في العام 2000 استند إلى “الخط الأزرق”، ما أبقى مسألة شبعا خارج إطار الحسم النهائي، وأتاح استخدام استمرار الاحتلال كذريعة سياسية وأمنية داخل لبنان.
وفي هذا السياق، أعلن رئيس الجمهورية جوزاف عون أخيراً أن بلاده مستعدة لبدء ترسيم الحدود مع سوريا، مع إمكانية تأجيل البتّ النهائي في قضية مزارع شبعا إلى المرحلة الأخيرة، في محاولة لفصل الملف الأكثر حساسية عن عملية الترسيم الأوسع.
وعملياً، يمكن القول بأنّ مفاوضات الترسيم البرّي والبحري مع سوريا قد دخلت خلال العام الحالي مرحلة أكثر تنظيماً من الناحيتين الفنية والديبلوماسية رغم غياب أي اتفاق نهائي.
ففي آذار الماضي، وقّع وزيرا دفاع لبنان وسوريا اتفاقاً مبدئياً في جدّة برعاية سعودية، شدّد على أهمية ترسيم الحدود وتعزيز التعاون الأمني لمكافحة التهريب وضبط المعابر غير الشرعية. كما أبدى لبنان استعداده للانطلاق في العملية فور موافقة دمشق، في وقت زوّدت فيه فرنسا بيروت بالخرائط الحدودية المتوافرة لديها، واقترحت إنشاء لجنتين منفصلتين للحدود البرّية والبحرية.
لكن هذه الجهود تصطدم بعراقيل سياسية مستمرة. فالعلاقات بين بيروت ودمشق ما تزال بطيئة، وفق الأوساط الديبلوماسية، فيما تُبدي سوريا تحفظات على توقيت وآليات الترسيم، خصوصاً في ظل التغيرات السياسية الداخلية التي شهدتها بعد تغيير السلطة أواخر العام الماضي.
وفي ما يتعلق بالحدود البحرية شمالاً، يُعدّ الملف أكثر تعقيداً مما يبدو. فغياب اتفاق برّي معتمد يحول دون التوصل إلى ترسيم بحري نهائي، إذ تُستمد الحدود البحرية عادة من نقاط برّية متفق عليها. وتكمن أهمية هذا النزاع في انعكاساته الاقتصادية، في ظل تقديرات تشير إلى أن لبنان قد يخسر ما بين 860 كيلومتراً مربعاً وأكثر من 2300 كيلومتر مربع من مياهه الاقتصادية، تبعاً لاختلاف الخطوط البحرية المقترحة.
وتتمحور نقاط الخلاف الرئيسية حول تحديد نقطة التقاء الحدود البحرية شمالاً عند منطقة نهر الكبير الجنوبي، وجنوباً عند تقاطعها مع الحدود البحرية مع فلسطين المحتلة، ما يؤثر مباشرة على حقوق التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط.
وتختم الأوساط بالقول بأنّه لا يمكن النظر إلى مفاوضات ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا كخطوة جغرافية بحتة، بل هي مفصل سياسي وجيواستراتيجي مهم في سياق إعادة تشكيل العلاقات اللبنانية – السورية بعد تغيرات إقليمية كبيرة.
من مزارع شبعا، التي تبدو بحجمها الصغير، إلى البحر المتوسط الذي قد يضمّ ثروات طاقة قادرة على تغيير موازين اقتصادات البلدين، فإن الطريق لا يزال طويلاً ومعقّداً.
وحتى الآن، يبقى استعداد لبنان الواضح للتفاوض – حتى مع إرجاء بعض القضايا الحسّاسة – علامة على رغبة في دفع العملية، لكن الفتائل السياسية والتاريخية لا تزال تُعرقل التوصل إلى اتفاق نهائي. وما دامت الحدود البرّية غير معتمدة رسمياً، سيكون من الصعب التقدم في الحدود البحرية التي تحمل إمكانيات اقتصادية هائلة قد تُغيّر مستقبل لبنان وسوريا والمنطقة.
دوللي مشعلاني- الديار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



