أخبار عربية
بعد عمليّة «بيت جن»: واشنطن تسعى لاحتواء التصعيد

كان العدوان الذي تعرضت له بلدة «بيت جن»، يوم الجمعة الفائت، هو الرابع من نوعه منذ سقوط النظام السابق، ففي شهر كانون الثاني المنصرم نفذت قوات الاحتلال اقتحاما واسعا للبلدة، وكان من نتيجته اعتقال حسن عكاشة، الذي اتهمته هذه الأخيرة بأنه «زعيم فرع حماس في الجنوب السوري»، وفي حزيران توغلت دورية اسرائيلية إلى عمق البلدة وقام أفرادها باعتقال سبعة شبان، والأمر نفسه عاد ليتكرر في شهر أيلول حيث سيعلن “جيش” الاحتلال عن أن الهدف من الفعل هو تصفية «خلية حسن عكاشة»، وحينئذ قامت القوات المهاجمة باغتيال شقيق هذا الأخير، أما الاقتحام الرابع، الذي جرى 28 في تشرين الثاني المنصرم، فوقع تحت ذرائع متعددة، تبدأ عند العمل على «اعتقال شقيقين قاما بإطلاق صواريخ على مرتفعات الجولان، ووضعا عبوات ناسفة على السياج الحدودي»، بعد اتهامهما بالانتماء إلى تنظيم «الجماعة الإسلامية»، الحليفة لـ «حماس»، ولا تنتهي برصد «نشاط حوثي على الأراضي السورية»، قبيل أن تمر باتهام «الاستخبارات السورية بالوقوف وراء تلك الهجمات»، لكن السياقات التي جرى فيها هذا الأخير كانت تختلف كثيرا عن تلك التي شهدتها الاقتحمات السابقة، فالاشتباكات التي دامت نحو نصف ساعة، أجبرت قوات الاحتلال على تنفيذ عمليات إخلاء، استمرت لنحو ساعتين، تحت غطاء ناري كثيف، ولذا فإن من شبه المؤكد أن الحدث سوف تكون له تداعياته لاعتبارات عديدة، أبرزها أن تل أبيب ترى أنها استطاعت، خلال الأشهر الأحد عشر الماضية، تحويل الجنوب السوري إلى رقعة «تحت اليد»، ولعل ما يؤكد تلك الرؤيا هو الزيارة التي قام بها رئيس وزراء الاحتلال، برفقة عدد من قادته الأمنيين والعسكريين، إلى أراض سورية محتلة في الجولان ومحيط جبل الشيخ، قبل نحو عشرة أيام من عملية «بيت جن»، التي فرضت على “تل أبيب” تغيير تلك الرؤيا، أو مراجعتها على الأقل.
في الغضون، ظهر الموقف السوري على قدر من الصلابة «الواقعية»، فقد وصف بيان الخارجية السورية ما جرى بأنه «جريمة حرب مكتملة الأركان»، أما مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، ابراهيم علبي، فقال إن «دمشق لن تبرم أي اتفاق أمني مع «اسرائيل» قبل وقف اعتداءاتها»، ولعل واشنطن، التي ترى نفسها معنية بهذا الأمر، كانت تدرك أن الرسالة موجهة إليها قبل أن تكون لأي أحد آخر.
ذكرت «هيئة البث الإسرائيلية – كان» في تقرير لها نشرته بوم السبت أن «الإدارة الأميركية بدأت تحركا ديبلوماسيا لاحتواء التصعيد بين «اسرائيل» وسوريا»، وأشار التقرير إلى أن واشنطن «تستعد لإيفاد مبعوثين خاصين إلى المنطقة خلال الأيام المقبلة، لبحث إمكان الوصول إلى تهدئة بين الجانبين»، وفي تحديد مهمة هؤلاء ذكر التقرير أنها تهدف إلى «منع توسيع دائرة التصعيد، وفتح قنوات تفاهم أولية»، فيما أشارت تقارير إلى أن الوفد «سيجري مباحثات مع مسؤولين سوريين ولبنانيين على حد سواء»، واللافت هنا هو أن التقرير لم يأت على ذكر اسم المبعوث توم براك، ما يصح اعتباره تعزيزا للتقارير التي أشارت إلى «أنه لم يعد مكلفا الملف اللبناني»، وأن «الإدارة الأميركية ستكلف مورغان أورتاغوس مجددا العمل عليه»، وعلى الرغم من أنه لم يصدر أي تصريح رسمي، للآن، يؤكد على فحوى تلك التقارير، إلا أن ثمة شكوكا باتت تدور حول استمرار الأخير في مهمته اللبنانية على الأقل، ولعل تصريحاته التي أدلى بها لصحيفة «نيويورك تايمز»، قبل يومين، وعبر فيها عن «شكوكه في قدرة الجيش اللبناني على تحقيق هدفه المعلن، المتمثل في نزع سلاح حزب الله نهاية هذا العام»، تشير، بشكل ما إلى «اضطراب» المهمة.
وفي سياق متصل، نشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» تقريرا مفصلا عما وصفته بـ«الحادث الخطِر» في جنوب سوريا، وأضافت «يبدو أن السبب الرئيسي للصمت (الإسرائيلي) هو القلق من رد فعل الولايات المتحدة»، مشيرة إلى أن «نتنياهو متردد في استفزاز ترامب، الذي لا يزال يدفع باتجاه اتفاق أمني بين سوريا و «اسرائيل»، بوصفه جزءا من جهوده للتوصل إلى اتفاق سلام في الشرق الأوسط، وربما جائزة نوبل»، لكن تقرير الصحيفة يلحظ سببا، محتملا، آخر، للصمت «الإسرائيلي»، وهو يتمثل بعنصر المفاجأة في العملية، والذي «ربما فاجأ «اسرائيل»، سواء أكان ذلك بسبب ثغر استخباراتية، أو بسبب تسريبات حول القوات المهاجمة»، الأمر الذي أدى، وفقا لتقرير الصحيفة التي تمثل لسان حال المؤسستين العسكرية والأمنية بتل أبيب، إلى «الشعور بالقلق إزاء ما ينظر إليه على أنه تقاعس من جانب نظام الشرع في مواجهة عناصر (حماس) و (الجهاد الإسلامي)»، ولعل في هذه العبارة الكثير مما يجب التوقف عنده.
تشير هذه المعطيات السابقة إلى أن التصعيد بات مؤجلا لحين زيارة الوفد الأميركي، الذي ستشير تركيبته، إلى النوايا الأميركية الحقيقية، وإذا ما كانت واشنطن ستمارس الضغوط على الكفتين: الكفة السورية اللبنانية من جهة، والكفة الإسرائيلية من جهة أخرى، بشكل متعادل، أم أن «الأثقال» سترمى على الأولى كما هو معتاد، أو أن تفرض «أحلام نوبل» معادلتها بين الكفتين.
عبدالمنعم علي عيسى – الديار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



