أخبار لبنان

التيار والكتائب على خط مواجهة غير معلنة مع القوات اللبنانية؟

في مشهد سياسي يعكس تصاعد حرارة الاستحقاق النيابي المقبل، هل يمكن القول إن ملامح الكباش داخل الساحة المسيحية بدأت بالظهور باكراً؟ فالمعادلات التي رسمتها إنتخابات عامي 2018 و2022 لم تعد ثابتة، إذ تسعى القوى المسيحية إلى إعادة تموضعها إستعداداً للجولة الانتخابية المقبلة، في ظل مشهد سياسي متحرك تحكمه المصالح أكثر من الثوابت، قد يكون أحد مؤشراته التقارب بين التيار الوطني الحر وحزب الكتائب اللبنانية، الذي يمكن أن يربك حسابات معراب في عدد من الدوائر الحساسة، كلما إقترب موعد الاستحقاق النيابي.

 

لقاء داغر باسيل: بداية جولة إنتخابية

منذ أكثر من أسبوعين، زار معاون رئيس حزب الكتائب للشؤون السياسية والانتخابية سيرج داغر رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل، في لقاء وُضع في إطار جولة إستطلاعية بدأها داغر على مختلف القوى السياسية، من حلفاء وخصوم، تقدم على جدول مواضيع البحث فيها الانتخابات النيابية المقبلة.

مع دخول البلاد مرحلة التحضير لتركيب اللوائح ونسج التحالفات، إذا بقي الاستحقاق في موعده في ربيع العام 2026، بات هذا الملف في صلب المهام التي يتولاها داغر ضمن موقعه الجديد في الحزب.

 

تشير أوساط كتائبية للمدن إلى أنّ هذه الجولة تهدف إلى جسّ نبض القوى السياسية، الحزبية والمستقلة، حول توجهاتها الانتخابية، لناحية الترشيحات والتحالفات، “بما أننا دخلنا زمن الانتخابات الذي بات يطغى على ما عداه من مواضيع.” وتوضح أنّ اللقاء مع باسيل أتى ضمن هذا الإطار، ولم يتناول بشكل مباشر مسألة التحالف النيابي بين الحزبين، أقله في هذه المرحلة المبكرة، بل إنحصر النقاش في المسائل التقنية والسياسية المرتبطة بالاقتراع، ولاسيما إقتراع المغتربين والدائرة السادسة عشرة، “إذ يبقى من الصعب ومن المبكر الحكم ما إذا كانت الكتائب ستلتقي مع التيار الوطني الحر وتنسج معه حلفاً في دائرة من الدوائر، مع العلم أن قنوات التواصل ستبقى مفتوحة بين الطرفين للبحث في أمور ذات اهتمام مشترك.”

  

أرضية جديدة بين الكتائب والتيار

يؤكد قياديون في حزب الكتائب اللبنانية أنّ المسافة التي أخذها التيار الوطني الحر عن حزب الله في السنوات الأخيرة، ولا سيما رفضه للحرب وتمسكه بحصر السلاح بيد الدولة، قد فتحت نافذة للتواصل. فالعلاقة بين الطرفين ليست وليدة هذا اللقاء الأخير، بل تعود إلى مراحل سابقة من التعاون، أبرزها خلال الانتخابات البلدية التي شهدت تقاطعات موضعية في عدد من البلدات، وفي إنتخابات نقابة المحامين حيث يلتقيان اليوم على دعم مرشح النقيب بوجه مرشح مدعوم من القوات اللبنانية.

 

لا التزامات والانفتاح مستمر

حتى الساعة، لم تحسم الكتائب خياراتها في شأن التحالفات النيابية، ولا سيما ما إذا كانت ستتقاطع مع التيار الوطني الحر. إلا أنّها، وفق أوساطها، لا ترى ضيراً في إستمرار الحوار مع أي جهة سياسية، إنطلاقاً من مبدأ رافض القطيعة.

  

مسار بدأ منذ الانتخابات الرئاسية

في المقابل، يذكّر التيار الوطني الحر بأنّ التواصل مع الكتائب ليس طارئاً، بل بدأ منذ مرحلة الانتخابات الرئاسية، والتقاطع على ترشيح الوزير السابق جهاد أزعور. وقد تُرجم هذا التواصل بتفاهمات بلدية في الانتخابات الاخيرة، خصوصاً في المتن الشمالي، حيث نجحت بعض التحالفات وفشلت أخرى.

 

اليوم، يتكرر المشهد في إنتخابات نقابة المحامين، حيث يتقاطع الطرفان على دعم مرشح واحد لمنصب النقيب، في مواجهة مرشح تدعمه القوات اللبنانية.

 

وتؤكد مصادر التيار للمدن أنّ الانفتاح متبادل بين الطرفين في المرحلة المقبلة، في ضوء القانون الانتخابي الحالي الذي يفرض حسابات دقيقة وتحالفات متحركة

. وتضيف المصادر أنّ التواصل المباشر يتولاه حالياً سيرج داغر عن الكتائب والنائب السابق إدغار معلوف عن التيار، وأن العلاقة بين الحزبين تتجاوز الإطار الانتخابي إلى بعد رمزي أيضاً، حيث يشارك كل منهما في المناسبات التي يحييها الآخر: «يدعونا حزب الكتائب إلى ذكرى 13 نيسان 1975، كما ندعوهم إلى ذكرى 13 تشرين الأول 1990، والطرفان يلبّيان الدعوة.”

 

القوات اللبنانية على خط الانزعاج

الى أي مدى يؤثر تواصل التيار والكتائب على علاقة الاخيرة مع القوات اللبنانية؟ 

 

هذا التقارب لا يمر مرور الكرام في معراب. فالقوات اللبنانية، التي ترى نفسها رأس الحربة في مواجهة التيار الوطني الحر داخل الساحة المسيحية، لا تخفي إنزعاجها من أي تقارب قد يضعف موقعها التمثيلي. وتشير مصادر سياسية إلى أنّ التعاون بين التيار والكتائب في إنتخابات نقابة المحامين، كما في محطات أخرى، أثار إمتعاض القوات التي تعتبر نفسها صاحبة النفوذ الأوسع والتمثيل الاكبر سياسيا ونيابيا، وعلى مستوى النقابات والهيئات المهنية.

 

مع ذلك، ينفي التيار والكتائب أن يكون هدف التواصل بينهما مواجهة القوات أو عزلها، مؤكدين أنّ كل طرف يعمل وفق ما تمليه عليه مصلحته الانتخابية، وأنّ التحالفات ليست غاية بحد ذاتها بل وسيلة لتأمين الفوز. فكما حصل في الانتخابات النقابية، قد تتكرر التفاهمات الموضعية بين الطرفين في أكثر من محطة، من دون أن ترتقي إلى مستوى التحالف السياسي الشامل. 

  

بين الحسابات والمصالح

في الخلاصة، لا تزال الأمور في طور الجسّ والتحسس، ولم تتبلور بعد رؤية مشتركة حول الانتخابات النيابية المقبلة. فالتقارب بين الكتائب والتيار أسهل اليوم بفعل التقاطع في بعض المواقف الوطنية، لكنه لم يصل إلى حدّ التناغم الكامل أو الشراكة السياسية الدائمة.

 

يبقى السؤال: إلى أي مدى يمكن لرئيس حزب الكتائب اللبنانية النائب سامي الجميّل أن يذهب في تحالفاته المستقلة، بعيداً عن مظلة ما يُعرف بـ«القوى السيادية» ولاسيما القوات اللبنانية، وأن ينسج تفاهمات مع الخصوم في السياسة حيث تقتضي المصلحة الانتخابية؟

 

الجواب، كما يبدو حتى الآن، رهن بمسار المرحلة المقبلة التي ستكشف خريطة التحالفات الجديدة، حيث يفرض قانون الانتخاب بصيغته الحالية إسقاط خصومات في أمكنة، وبناء تحالفات وإن كانت هجينة في أخرى، في سبيل إقامة مصالح متحركة ترسمها صناديق الاقتراع وموازين القوى المتغيرة.

  

ندى أندراوس – المدن

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى