مقالات
الإفراج عن جورج عبدالله… ما المختلف هذه المرة؟

ما المختلف هذه المرة؟ هل علينا أن نتوقّع شيئاً جديداً الأسبوع المقبل؟
قرار محكمة الاستئناف الصادر اليوم، 17 تموز، والذي يأمر بالإفراج عن جورج عبد الله خلال أسبوع وعودته إلى وطنه لبنان، هو بالفعل تطوّر جديد.
لم تصل أي من الإجراءات السابقة إلى هذه المرحلة، إذ كانت تُعطّل دائماً في نقطة ما، إمّا بسبب شروط استثنائية تُفرض، أو نتيجة رفض مباشر من القضاء.
أمّا الآن، فقد وصلنا إلى أبعد نقطة ممكنة في المسار القضائي.
ومع ذلك، علينا أن نظلّ حذرين – لا شيء مضمون، وكل شيء ممكن في اللحظة الأخيرة. نأمل هذه المرة أن يكون القرار نهائياً.
بحسب ما قاله المحامي، لا توجد أي شروط إضافية مرفقة، رغم أننا لم نطّلع بعد على كامل حيثيات القرار.
الإفراج مشروط بالطرد، أي أنه لن يعود إلى فرنسا – وهو لا يريد ذلك أصلًا، [يضحك].
ما الذي يفسّر هذا القرار؟ هل هو مجرّد نتيجة لمسار قضائي طويل، أم أنّ هناك عوامل سياسية أدّت دورها؟
العامل الأساسي هو صمود جورج – قدرته على الثبات طوال 41 سنة من الاعتقال دون أن ينكسر.
الدولة أدركت أخيراً أنها لا تستطيع كسره.
مقاومته الصلبة، كمُناضل وقع في قبضة العدو وسُجن في فرنسا، شكّلت مصدر إلهام لحركة تضامن متنامية شملت آلاف الأشخاص في فرنسا: مثقفون، ناشطون، وهيئات متعدّدة. حين صدر القرار الأوّلي بالإفراج عنه في 15 تشرين الثاني، وصفت المحكمة جورج بأنه «سجين يُسبّب الإرباك».
إذاً، العامل السياسي الأهم هو أنه لم يتراجع يوماً عن قناعاته أو عن نضاله من أجل فلسطين والشعوب المضطهدة. وهناك أيضاً جانب قضائي: القضاء الفرنسي غالباً ما يُعتبر خاضعاً للسلطة، لكن في هذه الحالة يبدو أنه أراد إثبات استقلاليّته.
ففي جلسة الاستئناف في 15 حزيران، كان المدعي العام (ممثّل الدولة) عدائياً جداً تجاه القضاة أنفسهم، وهاجم حتى تفسيرهم للقانون.
ربما هذا ما دفع القضاة إلى التمسّك بقرارهم والإصرار على أنّ موقفهم يستند إلى أساس قانوني متين.
سلوك الدولة الفرنسية تجاه جورج كان استثنائياً مقارنة بتعاملها مع سجناء سياسيّين آخرين. في حالته، طُلب منه «التوبة». كيف تفسّر هذا الإصرار وهذه الملاحقة؟
ما يمكن وصفه بالإصرار الشديد (والمتمثّل أساساً في طول مدّة اعتقاله) يعود إلى رمزية جورج.
لم يُعتبر فقط رمزاً لمواجهة الصهيونية، بل لمناهضة التوسّع الصهيوني وجرائمه ومجازره وغزوه لبلدان أخرى، وعلى رأسها لبنان، وهو ما دفعه أصلاً إلى النضال في شبابه.
أرادت الدولة الفرنسية تدمير هذا الرمز. لكن بالنسبة إلى الكثير من الشباب في فرنسا (ومنهم من لم يكن قد وُلد عند بداية سجنه) جورج أصبح رمزاً للوعي السياسي والدخول إلى فهم نضال الشعب الفلسطيني.
قضيّته تتجاوز حتى قضايا سجناء «العمل المباشر»، لأنّ ما كان على المحكّ مصالح فرنسا الإمبريالية في الشرق الأوسط، ولا سيّما في لبنان.
وجورج كان يضع هذه المصالح موضع مساءلة، ما جعله «عدوّاً يجب كسره».
ومع ضغط الولايات المتحدة، والذي خضعت له فرنسا طوعاً، أصبحت قضيّته مسألة دولية تتّصل بالنظام الإمبريالي في المنطقة.
إذا عاد جورج إلى لبنان في 25 تموز، كما نأمل جميعاً، فسيكون ذلك انتصاراً كبيراً. هل يعكس هذا أيضاً تحوّلاً في الرأي العام الفرنسي، ولا سيّما بين الشباب، وزيادة في مناهضة إسرائيل؟
نعم، بوضوح. منذ العملية الفلسطينية في 7 تشرين الأول 2023، اندمجت حملتا مناهضة الحرب الإسرائيلية على غزة والمطالبة بالإفراج عن جورج بشكل كامل.
لم تُنظَّم أي تظاهرة تضامن مع فلسطين – وقد كانت كثيرة – دون أن تظهر فيها صور جورج. المنظّمون أدركوا العلاقة الجوهرية بين قضية جورج والتضامن مع الثورة الفلسطينية.
هذا الإدراك أضفى قوة إضافية على الحملة. وجورج كان يقول دائماً: «لن أُفرج عني إلا عندما تصبح كلفة بقائي في السجن أعلى من كلفة الإفراج عني». أعتقد أنّ تلك اللحظة قد حانت، بفضل سنة ونصف السنة من التعبئة المكثّفة، ليس فقط لدعم غزة، بل كل فلسطين، وضدّ العدوان الصهيوني على شعوب المنطقة.
في ظلّ صعود الحركات المناهضة في أوروبا وفرنسا، هل تعتقد أنّ الإفراج عن جورج سيعزّزها؟
أنا مقتنع بذلك. في البداية، جاءت ردّة الفعل على المجازر الإسرائيلية بدافع عاطفي. لكن نضالنا من أجل الإفراج عن جورج عمّق الوعي السياسي لدى الناس.
بات واضحاً أنّ الأمر لا يقتصر على التضامن مع ضحايا، بل هو دعم لحركة تحرّر وطني طويلة النفس، ستواجه هزائم، لكنها تسير في الاتجاه الصحيح من التاريخ .وكما كان يقول جورج دائماً: «رياح التاريخ لا تهبّ إلا في اتجاه واحد».
الإفراج عنه يُثبت أنه يمكن تحقيق انتصارات ملموسة، ويعزّز يقيننا بأنّ الشعوب هي التي ستنتصر، وأنّ الاستعمار والإمبريالية إلى زوال.
ولا بدّ من أن نُذكّر أنّ الإفراج عن جورج لا يجعلنا ننسى باقي الأسرى الثوريّين، خصوصاً الـ 10,000 أسير فلسطيني في سجون الكيان الصهيوني.
أفكّر خصوصاً في الرفيق أحمد سعدات. النضال من أجل حرية جورج كان دائماً جزءاً من نضال أوسع من أجل حرّية كل الأسرى الفلسطينيين الذين يُمثّلون طليعة المقاومة والتحرّر الفلسطيني.
نضالنا سيستمر حتى تحرير كل فلسطين من البحر إلى النهر، وعودة اللاجئين، وإطلاق سراح جميع الأسرى.
انغريد شاهين- الاخبار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



