مقالات

من “مزحة ثقيلة” إلى جريمة: البرلمان اللبناني يناقش تجريم التنمّر

تصدّر اقتراح قانون تقدّم به النائب هاكوب ترزيان، يهدف إلى تجريم التنمّر بكل أشكاله، واجهة النقاش العام أخيراً، لسببين رئيسيين.

أولهما، أن ظاهرة التنمّر تفشّت بشكل مقلق في المجتمع، وانتقلت من كونها مجرد «مزحة ثقيلة» أو تصرف عابر، إلى سلوك اجتماعي ممنهج يدمّر ضحاياه نفسياً واجتماعياً، ويدفع بعضهم إلى العزلة وقد يقودهم إلى الانتحار.

ويُعدّ التنمّر الإلكتروني تحديداً «التحدي الأكبر اليوم، لصعوبة ضبطه واحتمال تطوره إلى استغلال جنسي أو عنف منظم»، وفق ما تؤكده المستشارة الدولية في حماية الطفل والرعاية البديلة زينة علوش.

أما السبب الثاني، فهو أن المنظومة القانونية اللبنانية تفتقر حتى الآن إلى أي نص واضح وصريح يجرّم التنمّر.

وبسبب الفراغ التشريعي في توصيف فعل التنمّر ومعاقبته بما يتناسب مع خطورته، يجد القضاة أنفسهم مضطرين، في إصدار الأحكام، إلى «التحزّر» واللجوء إلى مجموعة قوانين نافذة، مثل قانون العقوبات وقانون مكافحة التحرش الجنسي (205/2020) وقانون المعاملات الإلكترونية (81/2018).

علماً أن هذه النصوص تبقى قاصرة عن تغطية جميع أشكال التنمّر.

فقانون العقوبات، مثلاً، يتناول جرائم كالقدح والذم والتحقير، وهي تتقاطع في بعض خصائصها مع سلوكيات التنمّر، ولكنها تُغفل عناصر أساسية مثل التكرار، واستغلال العلاقة غير المتوازنة، إضافةً إلى الأذى النفسي والمعنوي والاجتماعي الذي يتسبب فيه التنمّر.

من هنا تقدّم ترزيان باقتراح قانون «يُشكّل رادعاً أساسياً لجرم التنمّر»، إذ ينص على عقوبة بالحبس تراوح بين ستة أشهر وسنتين، إضافة إلى غرامة مالية تراوح بين ثلاثة وعشرة أضعاف الحدّ الأدنى للأجور.

وتُشدَّد العقوبة في حال كانت الضحية قاصراً، أو من ذوي الإعاقة، أو امرأة، أو إذا استغلّ الجاني سلطته الوظيفية أو الاجتماعية أو التعليمية.

كما تُضاعَف العقوبة إذا أدى التنمّر إلى انقطاع الضحية عن التعليم أو العمل أو الحياة الاجتماعية، أو إذا استُخدمت الوسائل الإلكترونية في ارتكاب الجرم، أو جرى نشر المحتوى على الملأ.

غير أن اقتراح القانون لا يخلو من ثغرات، أبرزها صعوبة تطبيقه على الفئات الأصغر سناً، حيث تطرح مسألة المسؤولية الجزائية إشكاليات معقّدة. كما إنه لم يحدّد آلية واضحة للتبليغ عن حالات التنمّر، سواء عبر المخافر، أو عبر لجنة مختصة، أو حتى عبر خط ساخن مخصّص لمتابعة هذه الحالات، ما يترك ثغرة عملية قد تحدّ من فعاليته على أرض الواقع.

كذلك تلفت علوش إلى ثغرات تشوب الاقتراح لجهة التعريف وآليات التطبيق. فالنص «يُجرِّم أي سلوك عدواني متكرر، من دون تحديد ما المقصود بالتكرار، أو التمييز بين تنمّر الصغار والكبار، ما يجعله فضفاضاً وقابلاً للتأويل».

كما إن عدم الفصل بين العقوبات الموجّهة إلى الراشدين وتلك الخاصة باليافعين قد يخلق إشكاليات عملية، محذّرةً من «احتمال استغلال القانون سياسياً أو إعلامياً في بلد يضجّ أصلاً بخطاب عام مليء بالقدح والذم».

ورغم قناعتها بأهمية تجريم التنمّر، شددت علوش على أن القانون وحده لا يكفي، بل ينبغي أن يترافق مع حملات توعية في المدارس والإعلام، إلى جانب مواكبة نفسية للضحايا من الأطفال، «حتى لا يتحول النص إلى أداة تخويف أو انتقام بدلاً من أن يكون وسيلة حماية وردع».

في المقابل، يشير ترزيان إلى أن «الاقتراح أُحيل إلى اللجان النيابية المختصة لدرسه وإدخال التعديلات اللازمة، خصوصاً في ما يتعلق بآليات تطبيقه».

ويشدد على أن التوعية ضدّ التنمّر لا تقل أهمية عن سنّ القوانين، لافتاً إلى أن «فريق العمل يدرس اقتراحاً لإلزام المدارس والجامعات بإطلاق حملات توعوية في مطلع كل عام دراسي».

فالقانون وحده، بحسب ترزيان، لا يكفي، بل يجب أن يترافق مع برامج تربوية وتثقيفية في المؤسسات التعليمية، إلى جانب دور محوري للإعلام في نشر الوعي وتعزيز ثقافة الوقاية.

زينب حسين- الاخبار

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى