مقالات
هكذا نواجه التنمّر ونهيّئ التلامذة نفسيًا واجتماعيًا

في بلدٍ أثقلته نكسات متتابعة وتناوبت عليه المِحن، يدخل طلاب لبنان عاما دراسيا جديدا محمّلين بإرث ثقيل من القلق والخوف المتراكم من أزمات متلاحقة، وانقطاع الخدمات، وواقع اجتماعي واقتصادي هش.
فالمدرسة ليست مجرد مكان للتعلّم، بل اختبار يومي لصمودهم النفسي وجودتهم الوجدانية، حيث ينعكس التوتر الأسري والمجتمعي والضغط السياسي على التحصيل العلمي في جميع المراحل.
من هنا، فإن المدخل إلى التعليم اليوم يتطلب أدوات تربوية ونفسية عملية، لتحويل الصفوف من فضاءات رعب وقلق إلى بيئة أمل واستقرار.
فتجهيز الطلاب نفسيا ليس رفاهية، بل ضرورة وجودية لحماية جيل كامل من الانكسار ومنحه فرصة عبور طفولته بسلام نحو المستقبل.
استراتيجيات بنّاءة
استنادا الى ما تقدم، تؤكد الاختصاصية الاجتماعية والنفسانية الدكتورة غنوى يونس أنّ “العام الدراسي يشكّل مرحلة انتقالية دقيقة في حياة الطلاب، ولا سيما بعد عطلة طويلة أو عند الانتقال إلى مدرسة جديدة أو صف مختلف، بما يحمله ذلك من تحديات ورفاق جدد. لذا، تبنّي مجموعة من الاستراتيجيات التربوية والنفسية يسهم في خفض القلق وتعزيز قدرة التأقلم لدى التلامذة”.
وتشير: “التهيئة النفسية المسبقة خطوة أساسية وفعّالة دائما، إذ يمكن للأهل والمعلمين إجراء نقاشات بسيطة وصادقة مع الطفل حول توقعاته، التحديات المحتملة وسبل التعامل معها، ما يمنحه شعورا بالتحضّر ويخفف من رهبة المجهول. كما أنّ الحفاظ على روتين يومي ثابت وواضح من حيث أوقات النوم وتناول الطعام والدراسة، يوفّر إحساسا بالأمان ويعزّز الاستقرار النفسي”.
أما في المدرسة، فتوضح: “أهمية الاستقبال الداعم من قبل المعلّمين والطاقم التربوي عبر توفير أجواء تسودها الطمأنينة والإصغاء، وإتاحة مساحة للتعبير عن المشاعر بعيدا عن التهويل أو التهميش. وفي السياق نفسه، تبرز ضرورة تشجيع بناء العلاقات، إذ إن تكوين صداقة واحدة آمنة قد يجعل البيئة الدراسية أكثر راحة، وهنا يأتي دور المدرسة في تسهيل هذه الفرص من خلال أنشطة جماعية غير تنافسية”.
وتلفت إلى أنّ: “الاهتمام بالإشارات الصغيرة يشكّل عاملًا حاسما، فالقلق لا يظهر دائما عبر البكاء فقط، بل قد يتجلّى في صور مختلفة مثل العناد، الصداع، الصمت، الضحك المفرط، رفض الذهاب إلى المدرسة، أو تغييرات في السلوك والعادات الغذائية. ومن هنا تتكشف الحاجة الملحّة للانتباه الى هذه العلامات الدقيقة، بما يضمن تقديم الدعم المناسب وعدم تجاهل ما يمر به الطفل”.
تعزيز الدافع
وتشدد على أنّ: “الحافز الحقيقي لا ينشأ من المكافآت الخارجية، بل ينبع من الداخل، من شعور الطالب بقدرته على التعلّم وإدراكه لقيمة ما يدرسه وانسجامه مع ذاته. وبالتالي يمكن تنمية هذه الرغبة من خلال مجموعة من الممارسات التربوية التي تضع الطالب في مركز العملية التعليمية وتمنحه دورا فاعلاً في تجربته”.
وتكشف أنّ: “ربط المواد الدراسية بالحياة اليومية يجعل الطالب أكثر تجاوباً، إذ يشعر أنّ ما يتعلمه ليس مجرد معلومات نظرية، بل أدوات يمكنه توظيفها في مواقف واقعية يعيشها يوميا. بالتالي يجب تشجيع المحاولة والفضول بدلًا من التركيز على الكمال والعلامات العالية فقط، بحيث يصبح الاهتمام منصبًّا على الجهد والاستكشاف والفهم العميق للمعرفة”.
وتبيّن أنّ: “الاعتراف الفردي بإنجازات كل طالب يعزز ثقته بنفسه، فالمتعلّم لا ينبغي أن يُنظر إليه كرقم في الصف، بل كشخص له أسلوبه الفريد وإيقاعه الخاص في التقدّم. ومن بين العناصر المهمة أيضا، توفير مساحة للاختيار حتى ولو في تفاصيل بسيطة مثل تحديد موضوع البحث أو طريقة العرض، إذ يمنح ذلك الطالب إحساسا بالهوية والوجود”.
وتعتبر أنّ: “المعلم هو حجر الزاوية في بناء التحفيز؛ فحين يمارس التدريس كرسالة وليس كمجرد وظيفة، ويؤمن بطلابه ويصغي إليهم، فإنه يغدو مصدر إلهام ودعم حقيقي. فصورة المعلم في ذهن التلميذ غالبا ما تحدد مدى محبته للمادة وشعوره بالارتياح أو النفور منها، الأمر الذي يجعل دوره محوريا في ترسيخ علاقة إيجابية بين الطالب والتعلّم”.
دور البيئة المدرسية والأسرية في تشكيل هوية الطالب
وتشير يونس الى أنّ: “الطالب يبدأ رحلته في الاندماج الاجتماعي وتشكيل هويته ضمن بيئتين أساسيتين: العائلة والمدرسة. فإذا لم يكن هناك تكامل وانسجام بين هذين الإطارين التربويين، قد يواجه الطفل تناقضا وضغوطًا تربك نموه النفسي والاجتماعي. ومن هنا تبرز أهمية بناء بيئة داعمة ومتكاملة بين الطرفين”.
وترى أنّ: “الأمان العاطفي هو الركيزة الأولى، إذ ينبغي أن يبدأ البيت بالاحتضان والتفهّم، وأن تكون المدرسة بدورها مساحة للإصغاء والتقبّل، بعيدا عن التسرع في الحكم.
كما تشدد على: “أهمية الاتصال المفتوح والمستمر بين الأهل والمدرسة، ليس فقط عند ظهور المشكلات، بل بصورة دائمة لتوحيد الرؤية التربوية وتنسيق الجهود. ومن الجوانب المحورية أيضا، غرس ثقافة خالية من المقارنات، سواء من قبل الأهل أو المعلّمين، لأن كل طالب يمثل حالة فريدة لها خصوصيتها وإيقاعها الخاص. كما أنّ توفير مساحة للخطأ والتجربة يُعدّ شرطًا أساسياً لخلق جو إبداعي صحي، إذ إن السماح بالفشل يخفف من التوتر ويفسح المجال أمام نمو سليم ومتوازن”.
وتستكمل: “يتعلم الطلاب بالمشاهدة أكثر مما يتعلّمون بالتوجيه المباشر؛ وبالتالي، فإن النموذج الناضج الذي يقدّمه الأهل والمعلمون في تعاملهم مع التوترات والمشاعر يؤدي دورا حاسما في بناء شخصية الطفل. فحين يجد الطالب ان البالغين من حوله يتصرّفون بحكمة واحترام، يكتسب تدريجيا القدرة على ضبط انفعالاته وإدارة مشاعره بوعي ورصانة”.
التنمّر مشكلة المشكلات
وفي ما يتعلق بالاقتراح الذي قدّمه النائب هاكوب ترزيان بشأن تسليط الضوء على ظاهرة التنمّر، فتقول: “يُعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح، إذ يساهم في الاعتراف بأن التنمّر لم يعد مجرّد سلوك عابر أو بسيط، بل فعل مؤذٍ يترك آثارا طويلة الأمد على الضحية نفسيا وسلوكيا. وترى أنّ تجريم المتنمّر لفظيا أو قانونيا ليس الحل الأمثل، واصفة إياه بالقاسٍ، لأن الطفل الذي يمارس التنمّر غالبا ما يكون هو نفسه ضحية لظروف تربوية سيئة أو لتجربة تنمّر سابقة. لذلك، العقاب وحده لا يغيّر السلوك، بل قد يؤدي إلى تفاقمه وزيادة عدائية الطفل بدل الحد منها”.
وتشرح أنّ: “الأهم من العقوبات هو اعتماد مقاربات وقائية وتربوية متكاملة داخل المدارس، تقوم على التوعية المستمرة، المراقبة الفاعلة، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للتلامذة. مشيرة إلى أنّ التعامل مع المتنمّر يجب أن يكون ضمن إطار الاحتضان والإصلاح، لا التجريم، خصوصا أنّ الأطفال حتى سن 18 عاما وفي بعض الدول حتى 21 عاماً يحتاجون إلى الرعاية والتوجيه بدل الوصم والعقاب”.
وتقول: “إنّ المتنمّر غالبا ما يكون بدوره ضحية لخلل في محيطه الأسري أو المدرسي، ومن هنا فإن مسؤولية المجتمع التربوي تكمن في احتضانه وإطفاء السلوك العدائي عبر التدخل التربوي والدعم النفسي، بدل دفعه إلى مسار أكثر خطورة قد يتجاوز التنمّر إلى سلوكيات أشد عدائية”.
مواجهة التنمّر
وتشير إلى أنّ: “التعامل مع التنمّر يتطلّب شرْكة متكاملة بين الأهل والمدارس والمعالجين النفسيين والاجتماعيين، من أجل وضع آليات دعم فعّالة تستهدف المتنمّر والضحية على حد سواء. فخلف كل تصرف عدائي غالبا ما يكمن وجع داخلي أو نمط تربوي وتشكيلي مشوّه يحتاج إلى تصحيح”.
وتشدد على أنّ: “القانون يجب أن يكون رادعا لكن بآلية إيجابية، بحيث لا يقتصر دوره على المعاقبة، بل يفتح المجال أمام العلاج النفسي المجاني أو المتابعة الاجتماعية للمتنمّرين، بما يساعدهم على تجاوز سلوكياتهم العدائية. فالغرض ليس الوقوف ضد الطفل أو وصمه، بل دعمه ومرافقته على طريق الإصلاح والاندماج الإيجابي”.
وتذكر في الختام أنّ: “أي مقاربة قانونية أو تربوية يجب أن تكون إنسانية وواعية للأسباب العميقة للسلوك، لا أن تكتفي بمعالجة نتائجه السطحية، خاصة أنّنا نتعامل مع أطفال يحتاجون قبل أي شيء إلى الحب والأمان والدعم والاحتضان. مؤكدة أنّ الهدف الأساسي هو تأسيس بيئة تربوية سليمة تقي المجتمع من إنتاج مزيد من المجرمين في المستقبل، وتفتح أمام الأجيال طريقًا نحو النضج النفسي والاجتماعي”.
الديار – ندى عبد الرزاق
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



