سلايدرمقالات

الهوية، السلاح، والإعمار: ثلاثية حزب الله في خطاب المرحلة

في ذكرى الشهيد القائد السيد فؤاد شكر، لم يكتفِ الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم بالكلام الرثائي، بل تحوّلت كلمته إلى خطاب سياسي عقائدي شامل، يتناول المخاطر الداهمة التي تتهدد لبنان والمقاومة، ويُحاكي بعمق معادلات الصراع القائمة بين محور المقاومة من جهة، والمشروع الأميركي-الصهيوني من جهة أخرى.

يشير الشيخ قاسم إلى ما هو أبعد من الاشتباكات اليومية أو العدوان التكتيكي، فهو يرى أن استهداف المقاومة في لبنان هو جزء من مشروع توسّعي إسرائيلي طويل الأمد، هدفه النهائي ليس السيطرة على أرض فحسب، بل تحويل لبنان إلى مساحة رخوة سياسيًا وأمنيًا، تُلحق بالمنظومة الغربية – الإسرائيلية.

التحذير من نزع سلاح المقاومة يأتي في هذا السياق، ليس كخطوة داخلية عادية، بل كمدخل لانهيار قدرة الردع في وجه إسرائيل، التي تنتظر تلك اللحظة لتتحرّك كما فعلت في الجولان وسيناء وسوريا. فهو لا ينظر إلى المقاومة كعبء يجب التخلص منه، بل كعمود فقري لحماية الكيان اللبناني الهش من الزوال.

في معرض كلمته، يتناول قاسم الاتفاق البحري الذي جرى بين لبنان والعدو الإسرائيلي، متسائلًا: “هل تحقق الأمن في لبنان؟”. وهنا، يُلقي بظلال الشك على منجزات هذا الاتفاق، معتبرًا أنه أمّن العدو من جهة، لكنه لم يحصّن الداخل اللبناني من أي خطر.

الخطورة في هذا الطرح تكمن في رفضه الاعتراف بالتوازنات المزعومة التي تصوّر لبنان وكأنه أصبح في مأمن بسبب “الضمانات الدولية”، ليعيد التأكيد أن الأمن في هذه المنطقة لا يُبنى إلا على قوة الردع، لا على الورق والتفاهمات الغامضة.

أبرز ما جاء في الخطاب هو الإشارة الضمنية إلى الداخل اللبناني بوصفه ساحة صراع موازية، حيث قال إن البعض “يريد السلاح لأجل إسرائيل”، في إشارة واضحة إلى الأصوات السياسية التي تطالب بحصرية السلاح بيد الدولة.

الشيخ قاسم حسم النقاش هنا: الدولة لا تنافسها المقاومة في الداخل، ولا يوجد أي سلاح يُستخدم ضد اللبنانيين، بل كل السلاح موجّه باتجاه العدو. وهذا يُعيد تثبيت معادلة المقاومة ضمن الدولة، لا خارجها، مع تحميل الخصوم السياسيين مسؤولية ترويج سرديات تهدف إلى ضرب هذه المعادلة.

لا يخلو الخطاب من بعده العقائدي الصريح. إذ يستعيد قاسم مفهوم الشهادة بوصفها ذروة العطاء، ويصف رجال المقاومة بأنهم “باعوا جماجمهم لله”، مستلهمًا من تربية الإمام الحسين. هذا ليس توصيفًا دينيًا فحسب، بل بناء نفسي متكامل يؤسس لشرعية المقاومة في وعي جمهورها.

هو لا يخاطب فقط السياسيين ولا حتى الرأي العام، بل يُغذّي الإيمان العميق لدى القواعد الشعبية بأن المواجهة هي قدر لا مهرب منه، وأن خيار المقاومة هو الأصل، لا الطارئ.

حين قال: “بروح منا ناس وبيجي منا ناس”، كان يُكرّس فكرة الاستمرارية داخل جسم المقاومة. لا أسماء تصنع المقاومة وحدها، بل الفكر والبنية. وهذا تصريح غير مباشر بأن الاستشهاد، مهما كلف، لا يُفقد المقاومة قدرتها بل يُضاعف زخمها.

الشيخ قاسم لم يتحدث من موقع معارض للدولة، بل قدّم سردية مضادة تؤكد أن منطق المواجهة لا يعني تعطيل مشروع الدولة، بل حمايتها. فالأولوية التي طالب بها ليست نزع السلاح، بل إعادة إعمار ما دمره الاحتلال. هنا يُعيد توجيه النقاش السياسي من الشأن العسكري إلى الشأن التنموي، مفندًا الاتهامات التي تربط السلاح بالخراب.

خطاب الشيخ نعيم قاسم لم يكن خطاب تهديد، بل خطاب ضبط بوصلات. بوصلات الداخل اللبناني الذي ينجرّ إلى خلافات مدمّرة، وبوصلات الخارج الذي يُمهّد لضرب لبنان من جديد عبر أدوات سياسية وأمنية واقتصادية.

لقد قدّم الشيخ قاسم خريطة طريق للمقاومة في المرحلة المقبلة: الثبات، العقيدة، اليقظة، ورفض المساومة. وهو بذلك يعيد تثبيت المقاومة في وجدان جمهورها، وفي حسابات من يحاول أن يصوّرها عبئًا على الوطن.

حسين صدقة مدير مركز صدى للإنتاج الإعلامي

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى