مقالات

لبنان يودّع زياد الرحباني: وسام رسمي وحزن شعبي وصمتٌ كبير

يسمعهم ويُدرك أنَّهم يسيرون على خفقاتِ قلوبهم بإيقاعٍ حزينٍ وكأنَّ اللحنَ تسرّبَ بين تفاصيل المكان… هو الشارع الأجمل يودّع النبضَ الثوريّ لكنّه لا يفقده. شارعُ الحمراء وجهُ هذا «الشعب المسكين» واختصارٌ لمزيجِ وطنٍ حزينٍ لا بل أضناه الحزنُ، وأثقلَ كاهلَه القهرُ الممتدُّ وكأنَّه قدرُ الجغرافيا أن تواجه النكبات والنكسات والموتَ والبكاءَ كيّ تُعيد تشكيلَ روحِها من جديد…

لكن كم من موتٍ بعد وكم من حزنٍ وكم من انكسارٍ حتّى نصلَ إلى بعض الطمأنينة والسلام الداخليّ ولو جزئيّاً… وكم من لحنٍ سيرتحلُ إلى ما وراء الغيَم وكيف سيرتفعُ من جديدٍ البنيان ونحنُ لم نزل نُلملم الركامَ ونغسل بالدمع أيامَنا عندَ عتبةِ الوداع…

شارعُ الحمراء غصَّ بالقلوبِ قبلَ أيّ شيء، هؤلاء لا يحتاجون إلى دعوةٍ ولا إلى منبرٍ وكلماتٍ لأنَّهم أبناء زمن زياد ولأنَّهم يرتّلون الحزن على هيئةِ لحنٍ أبديّ ويكتبون فصولَ مسرحيّة الغياب الطويل للمعلم الذي نقلَ ملامحهم منذُ أدركت عبقريّته هذا الكون الذي يضيقُ تدريجيّاً عليهم…

زياد الفنّان والكاتب والموسيقي الثائر والقارئ الاستثنائيّ المجبول بالواقع، غادرَ الشارعَ الذي إليه ينتمي كما كلّ أحراره، غادره بعد أن سعى المالُ السياسيّ لإلغاء رموزه محوّلاً مقهى الويمبي إلى متجر ومزيلاً كلّ المقاهي التي شكّلت مساحة للأفكار المقاومة ولعلّ خالد علوان ورفاقه كانوا بين الحشود أطيافاً تواكبه إلى بلادٍ تُشبه رصاصاتهم… بلادٌ تلفظُ المحتلّ والإرهاب والفساد والطائفيّة والتشرذُم والتقسيم والخطاب العنصريّ والتملُّق وأموال المواسم الترفيهيّة…

زياد غادرَ الحمراء التي ستبقى وطنَه الصغير ومساحةَ التعبيرِ حيثُ حجارة أرصفتها وأرواح من مرّوا بها من مناضلين تسمعُ صدى هزيمة العدوّ ومكبّرات الصوت «يا أهالي بيروت لا تُطلقوا النار نحنُ راحلون».. ثق إنَّهم سيرحلون عن كلّ أرضنا يا زياد مهما اسودّت الأيّام وكثر التهويل سيرحلون، وحين تعانق السيّد في ملكوت السماء أخبره أنَّنا مستمرّون في القتال… هذه المرّة ستعيش معه والصلاة واحدة، ستحيا يا رفيقنا ونحنُ بقينا على الأرضِ عالقين.

شيّعَ «الشعبُ» بشيبه وشبابه وبكلّ تنوّعه الكبير زياد الرحباني حيث عانقَ السيّارة السوداء وسارَ يواكبها من أمام مشفى بخعازي على طول شارع الحمراء باكياً حاملاً صوره مردِّداً أغنياته وأقواله، ورُفعت أعلامُ فلسطين وقُرِعت أجراس الكنائس وحضرت خالة الراحل الفنانّة هدى حدّاد وأبناء أعمامه كما حضرَ النائبان إبراهيم الموسوي وعلي فيّاض، والأمين العام للحزب الشيوعي حنا غريب، بالإضافةِ إلى عددٍ كبيرٍ من الفنّانين ورفاق درب الراحل.

وسارَ الموكبُ وسطَ الحشود، تقدّمه درّاجو قوى الأمن الداخليّ، على طولِ خطّ الحمراء، ليتجه بعدها إلى منطقة الصنائع، ومن ثمَّ شارع سبيرز – بُرج المرّ، من ثمَّ الأشرفية، لينطلقَ بعدها بإتّجاه بلدة المحيدثة في بكفيا، حيثُ جرت مراسم التشييع.

لم يختلف المشهد في بكفيا حيثُ احتشد الناس في تحيّة أخيرة من كلِّ لبنان، جنوباً وبقاعاً وشمالاً، من كلّ الأطياف، حتّى من يقفُ على الضفّة المقابلة في الموقف المضاد له حضر.

أُدخلَ النعش، إلى كنيسة رقاد السيّدة في المحيدثة – بكفيا وحضرَ رئيسُ الحكومة نوّاف سلام ممثّلاً رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون، نائب رئيس مجلس النوّاب إلياس بو صعب ممثّلاً رئيس المجلس نبيه برّي، الرئيس أمين الجميِّل، وزيرا الثقافة الدكتور غسّان سلامة والإعلام المحامي بول مرقص، النوّاب: ابراهيم الموسوي، إبراهيم منيمنة، فراس حمدان، حليمة قعقور، نجاة صليبا، نوّاب سابقون، الأمين العام للحزب الشيوعي حنّا الغريب، وشخصيّات رسميّة وسياسيّة وحشدٌ كبيرٌ من أهلِ الفنِّ والفكرِ والثقافة، بالإضافةِ إلى محبّي الراحل وجمهوره وحضورٍ إعلاميٍّ كبير.

وكان دخولُ «فيروز» مهيباً موجعاً لسيّدة منحتنا السحرَ على طولِ الأيّام وحبست في قلبها حزناً كبيراً لا تستوعبه البلاد، «فيروز» الأمّ الحزينة أرادت أن تودِّعَ جزءاً من روحِها بعيداً عن العدسات قبلَ أن تدخلَ قاعةَ الكنيسة وتجلس قبالة النعش بصمتٍ يقارب القداسة التي سترسّخ في الذاكرة الجماعيّة البعيدة عن الرسميّات والشكليّات والأوسمة. صمتٌ بحجم الحزن والوطن وكلمات «لأول مرّة ما منكون سوا».

وترأس صلاة الجنازة راعي أبرشيّة جبل لبنان للروم الأرثوذكس المطران سلوان موسى عاونه رئيس دير مار إلياس – شويا المطران كوستا كيّال ولفيف من الكهنة.

وألقى المطران موسى كلمة تحدّث فيها عن «زياد الرحباني المُبدع الذي ضحّى من أجل الإنسان في لبنان»، مشيراً إلى أنَّ «زياد الرحباني رأى آلام الناس وأوجعته، وحملَ هذا الوجع صليباً في حياته، وعبّر عنه بطريقته لمقاومة هذا الوجع والإتّجاه نحو النور. هذا الإنسان انتفضَ على كلّ شيء وحمل وزرَ كلمته لأنَّه تألّم من أجل الحقيقة التي يراها».

وتوجّه موسى إلى السيّدة فيروز قائلاً «اليوم غادرك زياد، ولكن أولادك كثُر فأولاد هذه العائلة في كلِّ مكان، ينامون ويستيقظون على هذا الصوت وهذه الكلمة والمعنى الذي يقدحُ حجرَ الصوّان ويخلق بالنفوس وفي كلّ مكان أملاً ورجاءً جديدين.

التعزية للسيّدة فيروز ولكلِّ العائلة، أنَّكم أسَّستم عائلة لكلّ الوطن على مرِّ العقود التي مرَّت والآتية، أصبحنا عائلة لوطن اسمه لبنان وكلّنا لهذا الوطن ليكون هذا الوطن دائماً لنا ونصونُه ونذودُ عنه ونضحكُ من أجله».

وختمَ «زياد ضحّى بنفسه من أجلِ لبنان ومن أجل الوعي في هذا الشرق المجروح والمظلوم كي لا يبقى في السجن وليخرج من المعاناة، سلاحُه الإيمان بالإنسان وصدقه، زياد كان بشيراً لعالمٍ أفضل، حملَ صليبَه حتّى النهاية، فكان مغواراً ذهبَ إلى الخطوط الأماميّة في هذا الوجود من دونِ أن يخافَ على نفسه من أجلِ حماية الآخرين».

بعد ذلكَ منحَ الرئيس سلام باسمِ رئيسِ الجمهوريّة الراحل زياد الرحباني «وسامَ الأرز الوطنيّ من رتبة كومندور»، وقالَ «أتكلّم حيثُ تختنق الكلمات. أقفُ بخشوعٍ أمامَ الأمّ الحزينة والعائلة والأصدقاء ولبنان كلّه شريك في هذا الحفل الكبير.

زياد المُبدع العبقريّ، كنتَ أيضاً صرخةَ جيلنا الصادقة الملتزم قضايا الإنسان والوطن، وقد قلتَ ما لم يجرؤ الكثيرون منّا على قوله.

أمّا «بالنسبة لبكرا شو»، فللأجيالِ القادمة، ستبقى يا زياد صوتَ الجمالِ والتمرُّد، صوتَ الحقِّ والحقيقة، حينَ يصيرُ السكوتُ خيانة».

وبعدَ الصلاة، تقبَّلت السيّدة فيروز محاطةً بالعائلة التعازي في صالون الكنيسة. ثم نُقل جثمانُ الراحل إلى المدافن في شويا ليوارى في الثرى بجانبِ شقيقته ليال.

وكانَ صالون الكنيسة غصَّ منذُ وصولِ نعشِ الراحل قبل الظهر، بالمعزّين وأبرزهم: السيّدة نعمت عون ممثّلة رئيس الجمهوريّة، الرئيس ميشال سليمان، السيّدة رندة برّي، الوزيران السابقان هكتور حجّار وبشارة مرهج وشخصيّات روحيّة وفنيّة وسياسيّة وحزبيّة ونقابيّة واجتماعيّة وأصدقاء زياد الرحباني والعائلة.

إلى ذلك، عزّى الرئيس إميل لحّود في بيان «السيّدة فيروز وآل الرحباني واللبنانيين، بوفاةِ فنّان الوطن المُبدع زياد الرحباني»، مشدّداً على أنَّ «مسيرته الفنيّة تعكس التزامه السياسيّ بالوطن اللبنانيّ العابر لكل الطوائف والمذاهب والجامع الشامل لكلّ أبنائه».

وقالَ «لقد كان زياد نقيض الفساد والمفسدين، ونقيض الخضوع والخنوع للأوامر الخارجيّة، وكان النقيض للضعفاء في نفوسهم، الذين يتهاونون في كرامة الوطن وسيادته، بعدم مقاومة العدوّ الإسرائيليّ.

كان زياد المعبر الفعليّ والحقيقيّ، عن كلّ الفقراء والوطنيين في لبنان، الذين يحلمون بوطنٍ قويّ، سيّد، حرّ، مستقلّ بالفعل، والذي يرتكزُ على المواطنيّة، والعدالة الاجتماعيّة لكلّ أبنائه».

أضافَ «لعلَّ فرح زياد بالتحرير عام 2000 يؤكّد أنَّه كان الفنان المقاوم بإبداعه الفكريّ والفنيّ، في مقاومة العدوّ الإسرائيليّ، حيث كان دائماً وأبداً يقفُ إلى صف المقاومين أينما كانوا ومن يكونون» وقالَ «كان زياد دائماً وأبداً مناضلاً من أجل أن يكون وطننا لبنان قويّاً عادلاً لكلّ أبنائه، حتّى الرمق الأخير من حياته… وداعا يا زياد».

وأعلنَ عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب إبراهيم الموسوي عن خجلِه من الدولة اللبنانيّة، بسببِ عدم إعلانها الحداد الرسميّ على رحيل الرحباني، مؤكّداً أنَّ «رحيلَ الرحباني يُعدّ خسارة فادحة للوطن، ولكلّ من ينتمي إلى الضمير الإنسانيّ»، مشيراً إلى «الإرث الفنيّ والفكريّ العميق الذي تركَه الراحل في الوجدانِ اللبنانيّ والعربيّ».

بدورها، توجّهت «رابطة الشغيلة»، في بيانٍ، بأحرِّ التعازي من عائلة الرحابنة «برحيلِ مبدعها أيقونة الفنّ اللبنانيّ زياد الرحباني، صوت الغلابة والمقاوم بحزم للطائفيّة والفساد والانقسام والاحتلال والصادح دائماً بالحقيقيّة ولو كانت مُرّة»، مُضيفةً «لقد غادرنا فنّانٌ استثنائيّ، زياد الرحباني، الذي لطالما كان صوته مرادفاً للإبداع الحرّ والمقاومة.

إنَّ وداعَه ليس مجرّد وداعٍ لفنّان، بل هو وداعٌ لصوتٍ لطالما صدحَ بالحقّ، ودافعَ عن الغلابة، وحاربَ الطائفيّة والفساد والاحتلال بكلّ ما أوتيَ من إبداعٍ فنيّ».

ورأت أنَّ زياد «كانَ أكثر من مجرّد موسيقيّ وكاتب وممثل. كانَ نبضَ الشارع اللبنانيّ، ومرآة تعكس آمال وآلام الناس البسطاء عبرَ أعماله الفنيّة التي جمعت بين السخريّة اللاذعة والعُمق الفكريّ، استطاع أن يفكك بُنى السلطة ويعرّي الواقع بجرأة نادرة.

لقد كان صوتا للمظلومين، وناطقاً باسم المهمَّشين، ومقاوماً شرساً لكلّ أشكال الظلم والاستبداد».

ورثى المنسّق العام لـ»تجمُّع اللجان والروابط الشعبيّة» معن بشّور زياد الرحباني، معتبراً أنّه «على الرغمِ من كلّ الآلام التي يعيشُها العرب هذه الأيام بفعل ما يجري في غزّة اليوم وعموم فلسطين، فإنَّ نبأ رحيل زياد الرحباني قد تخطّى كلّ الأخبار لأنَّ الأمّة كلّها التي اكتوت بحزنها الكبير على ما يُصيب أبناؤها من غزّة إلى كلّ أرضٍ عربيّة مروراً بدماء أبنائها المقاومين، وهي إذ تبكي كلَّ جراحها، فهي تبكي أيضاً فقيداً لم يغادر أوجاع وطنه وأمّته يوماً، بل فقيداً لم يفارقه الإبداع منذُ أن كان فتى يافعاً».

عبير حمدان

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى