مقالات
لبنانيون بين النزوح والضياع!

كتب الزميل هادي حسين شكر في صحيفة البناء في كانون الأول من العام 2024، ومع السقوط المدوي للنظام في سورية، طُويت صفحة سياسية في الإقليم، لكنها فتحت جراحاً إنسانية ووطنية في الداخل اللبناني، لم تحظَ حتى اليوم بالاهتمام أو المحاسبة أو حتى بالسؤال.
ما يقارب خمسة آلاف عائلة لبنانية، تحمل هويات لبنانية، وتقترع في دوائرها الانتخابية، وتملك أراضي منذ أكثر من ثلاثة قرون هجّرت قسراً من بيوتها الواقعة في أراضٍ كانت دائماً لبنانية في الحدود اللبنانية الشمالية، حتى جاء اتفاق سايكس بيكو وجعلها ضمن الخارطة السورية قسراً لا طوعاً.
لكن المأساة لا تتوقف عند هذا الحدّ. فهؤلاء اللبنانيون ليسوا مجرد “جالية” في الخارج، بل هم مواطنون لبنانيون بالمعنى القانوني والوطني، وقد دفعوا ثمن الانتماء، واليوم يُدفعون نحو التهجير مرتين مرة من أرضهم، ومرة من وجدان دولتهم.
ورغم هول ما جرى، لم تُصدر الحكومة اللبنانية بياناً واحداً يتناول مصيرهم، لم تفتح وزارة الشؤون الاجتماعية ملفهم، ولا أبدت وزارة الداخلية أو الخارجية أيّ اهتمام بمصيرهم، وكأنهم لا ينتمون إلى الجمهورية اللبنانية.
لا خطط طوارئ، لا لجان إغاثة، لا خريطة طريق لاحتوائهم أو إعادة توطينهم، أو على الأقلّ مساءلة التاريخ والجغرافيا عن حقوقهم المسلوبة.
وإلى جانب هذا المشهد المأسوي، تقف أزمة لا تقلّ فداحة، تطال نخبة من الشباب اللبناني الجامعي، أكثر من 250 طالباً وطالبة من مختلف المناطق اللبنانيه، قرّروا، بسبب ضيق الحال، متابعة تعليمهم العالي في الجامعات السورية.
معظمهم من أبناء الطبقات المتوسطة والفقيرة، الذين وجدوا في الجامعات السورية ملاذاً تعليمياً بتكاليف أقل، لكنهم اليوم يواجهون واقعاً مُظلِماً.
العديد منهم كان في السنة الرابعة أو الخامسة من الدراسة، وعلى بعد أشهر من التخرّج.
حلموا بأن يعودوا إلى وطنهم بشهادات جامعية تفتح لهم أبواب سوق العمل.
لكن اندلاع الأزمة السورية، وانهيار البنية الإدارية هناك، جعلهم عالقين بين وطنين، بلا أوراق ولا مستقبل واضح.
الجامعات اللبنانية لا تعترف بشهاداتهم غير المعادلة، فيما معاملاتهم الأكاديمية لا تزال رهينة مكاتب إدارية في سورية لم يعودوا قادرين على الوصول إليها.
بعض هؤلاء الطلاب لم يتمكنوا من استرجاع ملفاتهم من جامعاتهم السورية، وهناك من ترك حلمه بالتخرّج على مقاعد الدراسه.
واليوم هم أمام واقع معقّد لا الدولة تساعدهم، ولا وزارة التربية تبادر، ولا المؤسسات الجامعية اللبنانية تقدّم حلاً عادلاً ومنصفاً.
هؤلاء لا يطلبون أكثر من التنسيق القانوني والإنساني، ما بين وزارة الخارجية اللبنانية ونظيرتها السورية، وبين وزارتي التربية في البلدين، لتسهيل استعادة ملفاتهم، أو على الأقلّ إيجاد مسار خاص، يراعي ظروفهم الاستثنائية، بما يسمح لهم باستكمال دراستهم أو إجراء معادلات جزئية عادلة، بدل أن يرموا في المجهول.
إنّ استمرار الصمت الرسمي حيال هاتين الأزمتين تهجير العائلات اللبنانية من أراضيها، وضياع مستقبل الطلاب الجامعيين يشكّل فضيحة أخلاقية وإنسانية ووطنية. فكيف لدولة أن تصمت عن أبناء يحملون هوياتها، ويخسرون أرضهم ومستقبلهم دفعة واحدة، ولا تجد ما تقوله سوى: “ننظر في الأمر”؟!
إنّ لبنان، الخارج من جراح الحرب، والمنهك من أزماته الاقتصادية والسياسية، لا يمكنه أن يتحمّل خسارة المزيد من أبنائه، ولا يجوز له أن يعامل ضحايا الظرف التاريخي وكأنهم غرباء أو طارئون على هويته.
هؤلاء المهجّرون، وهؤلاء الطلاب، ليسوا أرقاماً في تقارير المنظمات، بل هم مرآة لقيم الدولة في لحظة الامتحان الحقيقي.
فهل من مجيب؟
هل من دولة تسمع قبل أن يفوت الأوان؟
هل من وزارة تُدرك أنّ التعليم ليس ترفاً بل هو حقّ مكرّس؟
وهل من صوتٍ سياسيّ يرى في الإنسان اللبناني أولويّة قبل التوازنات والبيانات الجوفاء؟
الكرة في ملعب الحكومة، وضميرها على المحكّ…
هادي حسين شكر
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



