مقالات
الرجل الملثّم بالنبوءة… والمعمَّم بالنهار

كيف عرفوا «السيد» وسمعوا اسمه أول مرة؟ كيف لمحوا وجهه وعينيه ليألفوا قسماته التي سترافقهم وترافق أولادهم وأحفادهم حتى «تخوم صاحب الزمان»، يستذكرون حكاياتهم معه، وما سمعوه من الناس البسطاء والفلاحين ونساء القرى والشعراء عن زرعه فيهم، يثبت الجبال في مكانها، ويصل البيوت العالية في القرى العاملية بالحمام الزاجل، وتسقط صوره فوق الخواتم في مسجد بسيط في الضاحية، فيرى الناس وجهه مثل أولئك الأولياء في الحكاية، وتختلط دماء ابنه هادي بورق الشجر المتساقط فوق القرية، كما الزهور الصفراء التي تسقط فوق ماكوندو في رواية ماركيز.
أحبّهم وأحبوه، كبروا معه، علّمهم الحلم، بل علّمهم السحر، علّمهم ما يفعله ماركيز نفسه في كائناته التي ترتفع فوق الأرض وتطير، أنهم هم أيضاً صواعق تنزل على الغزاة، وأنهم سيحوّلون دبابات الميركافا إلى خردة تزرع فيها نساء الجنوب بخوراً لمريم، وأنّها «أوهن من بيت العنكبوت»، وأن ينتزعوا أرضهم بالقوة من بين أسنانها مرة أولى، ومرة أخرى في يوم الثأر القادم لا محالة، لدمهم ودمه، لأبنائهم المقتولين وابنه، لبيوتهم المهدومة وبيته.
حكايات ثلاث عن الرجل الذي أخذنا إلى الضوء، الملثم بالنبوءة والمعمّم بالنهار
بيّاع الخواتم
(الشياح، 1990، جواد يروي)
(يا بياع الخواتم بالموسم اللي جايي/جبلي معك شي خاتم)
كنا صغاراً نلهو بشقاوتنا في الواحة الواسعة لجامع «الإمام الحسين» في الشياح أكثر ممّا نصلّي في محرابه. كان كلّ شيء يبدو مخمليّاً في ذلك الزمان: إمام المسجد الذي يقول المؤمنون إنه صائم الدهر يخطب في المؤمنين في عداوة السيجارة (شاربها حمار) والطبيب (لا شافي إلا الله)، والحاج «أبو محسن» خادم المسجد يطاردنا حين نشطح بخطواتنا فوق القبور أثناء لعبة المطاردة التي كنّا نقسم أنفسنا فيها بين أصحاب الجنة وأصحاب النّار، ورجلان اثنان يريد كلاهما أن يؤذن هو بالإقامة قبل الصلاة: يبدأ «علي نعيم» بترخيم صوته ليدخل «أبو خليل» عليه بنشازه. يبتسم الإمام ويشعر أنه حقّاً على منهج الرافضة قد جمع بين الصلاتين.
عندها ظهر «بياع الخواتم» كأنه نزل من السماء في ليلة القدر، رجُلٌ بلحية غزا الشيب نصفها، يعرض بضاعته وأكياسه التي تخشخش عند خروج المصلّين، على درج المصطبة المحاذي لخزانة الأحذية. يشير إليّ «باسم» وأنا أراقبه عن كثب: «لا تلهينّك حجارة خواتمه الكريمة التي سلبت الألباب بين العقيق الأحمر القادم من وديان حضرموت والفيروز الممسح بمآذن شيراز الزرق عن ذلك الكيس الورقي تحت إبطه». كان البائع بالفعل يخفي سرّاً في الكيس لا يريد أن يكشفه أمام أعين الناس جميعاً، على طريقة أهل الباطن الضاربة في التاريخ. أعددنا خطّتنا بمهارة: أساومه على سعر الخاتم الأحمر وأغيظه، فيسحبُ «باسم» الكيس من تحت إبطه.
عندها حدث ما لم يكن في الحسبان: لم تكن ليد الولد خفّة النشالين، فتمزّق ورق الكيس وسقط كل ما فيه فوق الخواتم: صوَر فوتوغرافية كثيرة لرجل واحدٍ كانت في وجهه مهابة الأنبياء، في صورة يبسط يديه بالقنوت، وفي الثانية يمسك بالمايكروفون في موكب مهيب، وفي واحدة أخرى يمشي في سهل والبارودة فوق كتفه، والبارودة واثقة كأنّ حمامة تحطّ عليها. وقف بائع الخواتم مذهولاً أمام انكشاف سرّه، كان لا يريد لهوية صاحب الوجه أن تنكشف قبل أوانها. تردّد في مطاردتنا بين قبور الجبانة، والتقط الصور المبعثرة فوق خواتمه واختفى تحت أزيز الرصاص في أزقة الشياح التي كانت تشهد معارك طاحنة بين «الإخوة» في حينها.
وجه الرجل في الفيلم الفوتوغرافي بدا كأن ساحراً قد نقشه إلى الأبد في قلب كل من رآه يتساقط من الكيس، بنظارته السميكة وعينيه وما فيهما من سحر الثوار والشهداء. قال العجوز الأعمى عند باب المسجد بحكمته السماوية: طوبى لمن رأى وجهه «الحسن»، ستشربون من كأسه الأوفى فتفرحون بطعنته في فيروز البحر وتبكون لعقيق الدم فوق نحر ابنه ونحره.
ورق أيلول الأصفر
(عربصاليم، 1997- سوسن تروي)
(ورقو الأصفر شهر أيلول.. تحت الشبابيك ذكّرني وورقو دهب مشغول.. ذكّرني فيك).
أجلس على مصطبة الدار في بيتنا القائم على تلّة أشبه بالصومعة في طرف عربصاليم الجنوبي، وأرقب بيت «عزيزة» المطليّ بالأخضر على التلّة الشمالية المقابلة. كنت أحياناً ألمحها كنقطة بعيدة في آخر الأفق المفتوح، ولا بد من أنّها كانت تراني. أبتسم وأظن أنها تبادلني الابتسامة هي الأخرى، كأنّ في قلبينا حمامة زاجلة تعبر ذهاباً وإياباً من أول القرية لآخرها. أنتظر «مصطفى» ليعود من محلّ الحلوى الذي افتتحه بميراثه البسيط من أبويه اللذين قضيا نحبهما حين «تدهورت» فيهما البوسطة التي تقلّ الزوّار اللبنانيين إلى كربلاء المقدسة.
تأخذني غفوة صغيرة، فأرى وجه أمي التي أرداها قناص «الكتائب» في ذلك النهار البعيد والمغبّش في ذاكرتي في نيسان 1975. كنا نقطع المسافة عند ساحة البريد بين بيتنا في عين الرمانة وبيت جدي في الشياح في اليوم الأول من الحرب. أبي يمسكني من يدي وأمي تمسك بأيدي إخوتي الاثنين، ثم تفلتهما لتسوي منديلها الأبيض الذي حرّكه هواء الربيع قليلاً إلى الخلف. حين سمعنا الطلقة الأولى تلاها رشق كثيف: احتميت وأبي بالجدار وأشرنا للصغيرين أن يلحقا بنا، كانت نقطة حمراء تتمدد فوق المنديل الأبيض وتركنا أمي مضرّجةً بدمائها وعبرنا إلى الجانب الآخر. سحب المقاتلون جثتها ونقلوها إلى الجبانة في اليوم التالي. قال الناس إن جدتي في المساء أتت تحفر القبر بأظافرها لتخرجها منه، لولا أن نهرها جدي قائلاً: «استهدي بالله يا حجّة».
تدوّي طلقة ثانية أسمعها الآن بعد أكثر من عشرين عاماً فوق المصطبة، فيشتبه الأمر عليّ بين المنام والصحو: أنظر إلى «الجبل الرفيع» قبالتي فأرى أشباحاً ثلاثة بأم العين تطاردهم طيارة الهيليكوبتر، ثم يتصاعد الهدير، فتختلط أصوات الرصاص بالقذائف النازلة من الحوامة، وأرى في ما أرى ورق السنديان اليابس ينزل من السماء فوق وجهي. كانت الشظايا المتطايرة من صخور الجبل تغمر القرية بيتاً بيتاً كما غمر رصاص القنّاص طفولتي كلها. نظرت إلى بيت «عزيزة» المقابل فرأيت شهباً أرجوانياً طارت من بعده حمامة في الأفق وتناثر ريشها. دخل مصطفى الدار في تلك اللحظة وأخبرني أن الضابط «جواد عازار» قد استشهد بالقصف الإسرائيلي عند حاجز الجيش في الطرف الشمالي للقرية، إضافة إلى امرأة مجهولة الهوية.
عرفت أنها «عزيزة» على الفور قبل أن يعلن الراديو عن اسمها في المساء، إضافة إلى أسماء الشهداء الثلاثة وقد صرعتهم الهليكوبتر: هيثم مغنية، علي كوثراني، وهادي نصر الله. قصة السيد وابنه تعرفونها أكثر منّي، لكني صرت أرى أمي في عينيه تقوم من دمها كلما أطلّ على الشاشة ليخطب بالناس، وأرى «عزيزة» تلوّح لي من بعيد، وفي صوته هديل الحمام الزاجل وخشخشة ورق أيلول المنهمر.
جبل الريحان يغادر موقعه
(عربصاليم 2014، «شمس» يروي)
(من ذا هو الرجل الملثم بالنبوءة/ والمعمّم بالنهار؟)
أضع طاولتي وأوراقي على الشرفة المقابلة لجبل الريحان، ونهر الزهراني يسري في الأسفل: أبدأ أولى قصائدي في ذلك الزمن السحيق بطفل أكتب له: «عارياً كان يعدو على سترة الأرض/ والأرض تعلو على غارب الماء/ والماء يطفو على صهوة الدم/ والدم يطفو على بقعة في الشتاء*». وأكتب القصيدة الأخيرة قبل موتي بقليل، قبل الحرب الأخيرة بقليل، أخاطب فيها طفلاً يقف هو الآخَر بين أترابه: «لعلّ للريح شغفاً/ لعلّ فيها روح من تباعدوا/ وأوغلوا/ رأيتها تدور حول منزلي/ كقطة سوداء/ تقول للأشجار عانقيني/ أنام ليلة واحدةً وأرحلُ/ تقول للصغار هيئوا أريكة ومقعداً/ تقول هيئوا قبراً صغيراً لي/ فإنني أبيتُ ليلة وأرحلُ*».
كنتُ أصدق الأطفال والمجانين فقط، هم وحدهم مسافرو هذا العالم المكبّل. أكتبُ قصيدتي في عصر ذلك النهار الهادئ ولا حرب تلوح في الأفق: أعوام ستة مضت على الحرب الأخيرة، وها أنا الآن أفكّر في أحوال قيس و«ما حيّر العقل حتى عرّاه الجنون/ أن ليلى التي متّ في حبها ألف عام/تخون»، حين أطل الطفل «حسن» من بوابة الدار لابساً بدلة عسكرية مرقّطة وحاملاً بندقية كلاشينكوف بلاستيكية، وواضعاً صورة «السيد» على جيب البدلة. أردت أن أختبر فطرة الطفل، وأن ألمس بحيلة بسيطة ما زرعه صاحب الصورة في قلوب محبّيه، أترى يكون هذا الزرع من الأيديولوجيا البحتة كما يقول المغرضون، أو شيئاً أصيلاً مثل رمّان الجبل وغيمه والقمر المطل من فوق صخوره في القصائد.
أشرت إلى الولد أن يقترب، ثم همست في أذُنه: «هل تعلم يا حسن أنّ الجيش الإسرائيلي سيأتي غداً ويفكّ الجبل بصخوره وأحجاره ثم ينقله إلى مكان آخَر خلف الحدود؟ جبل الريحان سيغادر موقعه». نظر الولد إليّ مشدوهاً بعينيه الذكيتين ثم اختفى خلف سياج الحديقة المجاورة. غرقت بعدها في أوراقي بين ليلى وقيس لأسمع نشيجاً يتصاعد شيئاً فشيئاً ويختلط بصوت النهر الطالع من وادي الزهراني: كان الصوت لا يشبه بكاء الصغار في شيء، كان الصوت حديقة تبكي. نحّيت أوراقي جانباً واقتربت من السياج: كان يضع رأسه بين كتفيه قرب وردة «المستحية» التي زرعتها جدته ويسقيها بدمعه، «كيف بيفكوا الجبل ونحنا منرضى؟».
ها أنا الآن أقف أمامه مشدوهاً: ناديته واحتضنته كأني أحضن الجبل والنهر معاً: «يا حسن، يا أبو علي يا حبيبي، كانت مزحة فقط، لن يفكّ الجبل أحد، انظر إليه ها هو في مكانه». انفرجت أساريره قليلاً ثم ردّ لي الصاع صاعين: «اسمع. إن لم تكن تمزح رح قوّص عليهم ببارودتي ودمرهم متل ما دمّر السيد البارجة». كان ذلك زماناً مخمليّاً لا يشبه اليوم في شيء، ثم نزلت من بعدها أطنان القنابل الثمانين على بطله.
صار «حسن» رجلاً فيه الكثير من بأس أبيه، زارني عند قبري. أردت أن أعيد اللعبة معه ثانية، فقلتُ:
«كُنّا ننتظر المهديَّ طويلاً /حتّى جاءْ/ لكنَّ الأسماءْ/ خَدَعتنا في بعض معانيها/قالَ الناسْ: المهديُّ هو العبّاسْ/ ونَظَرْنا:/ كانَ العبّاسْ/ كنبيّ رسَمَتْهُ الصورهْ/ جذّاباً كالأسطورة/ وطويلاً/ أطولَ من خطّ الأحلامْ/ وجميلاً/ أجملَ من نهدينِ على صدرِ الإسلامْ/ ومشى/ فمشينا/ خلفَ خطاهُ/ كما يَتْبَعُ نهرٌ مجراهُ كنّا فقراءَ وتَوّابينَ/ وأخلاطاً من زنجٍ وشعوبٍ مغلوبة/ لكنَّ الشعراءَ/ وكانوا أوّل من آمَنَ بالأعجوبة/ وَجَدوا في/ منتصف الصحراءْ/ أمراً ما/ ملتبساً بين النارِ/ وبين الماءْ/ بين المُعجزة الكُبرى والأكذوبة
فتواروا خلفَ مدامعهِمْ/ وانتظروا/ أن يخرج من سردابٍ آخر مَهْدِيٌّ آخرْ*».
وضع «حسن» خدّه فوق الرخامة، كأنما ينصت إلى كلماتي ثم همس لي: «اسمع. ربما كما تقول أيها الشاعر مات مهدي هذا الزمان، لكني أعدك والبارودة في يدي، جبل الريحان لن يغادر موقعه».
القصائد للشاعر الجنوبي الراحل محمد علي شمس الدين.
محمد ناصر الدين _ الأخبار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



