يستند هذا السيناريو إلى قدرة نتنياهو على احتواء ملف “عائلات الأسرى والمفقودين”، وجعل حراكهم الشعبي في أضيق نطاق، وإخفاق هذا الحراك في التحول إلى قوة ضغط كبيرة، بسبب طبيعة التحولات التي طبعت المجتمع بخاتم الفاشية والتطرف الديني والقومي.
وسيواصل نتنياهو إصدار توجيهاته، مدعوماً بكل أسباب التكنولوجيا والاستخبارات الأميركية والعالمية، للبحث عن المفقودين، وخصوصاً عن قادة حماس في أنفاقهم، وسيظل الباب مشرعاً أمام عمليات جراحية، كبيرة وصغيرة، ومع كل أسير يجري استرجاعه، كما مع كايد الفرحان، سترتفع أسهم أصحاب نظرية “تحرير الرهائن بالقوة”. وفي مطلق الأحوال، فإن استمرار المفاوضات من شأنه المساهمة في تبديد وزن الكتلة المطالبة باسترجاع المحتجزين وتحريرهم.
ثالثاً؛ كيف سيتعامل نتنياهو مع معارضيه؟
الرد على هذا السؤال جاء على لسان نتنياهو نفسه، كما في التسريبات الصادرة من مكتبه: من لا يرغب من قادة الأجهزة الأمنية والدفاعية في المضي قدماً في ترجمة خطة نتنياهو والالتزام بها، فليغادر إلى بيته، “والباب بدخل جمل”، والمعلومات تتطاير عن نيات الرجل إقالة وزير دفاعه كذلك، وتبديل رئيس الأركان، الأضعف في تاريخ رؤساء الأركان الإسرائيليين، كما تقول المصادر الإسرائيلية… أما المعارضة، لبيد وغانتس، فقد ثبت بأنهما لا يمتلكان رؤية بديلة، وأنهما يكتفيان بالعزف على وتر الرهائن المشدود، وأسهم هؤلاء هبطت في بورصة الرأي العام على نحو متسارع، كما صعدت.
رابعاً؛ هل يتعارض هذا السيناريو مع استمرار المفاوضات؟
على العكس تماماً، فإن أحد متطلبات نجاح هذا السيناريو هو الاستمرار في إدارة مفاوضات عبثية، كلما انتهت فاشلة منها، تشرع الأطراف في التأسيس لجولة جديدة. للمفاوضات وظيفة في تخفيف الضغوط المحلية والخارجية وتبديدها، وهي تعطي المجتمع الدولي وأسر المحتجزين بارقة أمل بأن ثمة ضوءاً في نهاية النفق، وهو نفق طويل كما يبدو، وربما يكون أطول من أنفاق المقاومة في غزة.
خامساً؛ كيف ستتصرف واشنطن؛ حليفة “إسرائيل” وحاميتها؟
لا شك في أن واشنطن لا تريد هذا السيناريو، وزعيم إدارتها الديمقراطية وأركانها لطالما رددوا بأنهم يرفضون احتلالاً دائماً للقطاع أو بعيد المدى، لكن سياق هذه الحرب أظهر أن واشنطن تريد أشياء كثيرة، ولكن ليس كل ما تريده واشنطن تدركه، هذا هو القانون الناظم لعلاقاتها مع “إسرائيل”، إلى الحد الذي وصلنا فيه إلى المفارقة الأغرب في التاريخ:
حماس تتمسك بمبادرة بايدن وتحثّ واشنطن على الالتزام بها، فيما ربيبة بايدن وطفله المدلل يطلق النار على هذه المبادرة، لتعود واشنطن إلى لوم حماس على التعطيل، وتحميل السنوار وزر التعثر في الوصول إلى اتفاق، كما صرح بذلك ديفيد كوهين، نائب مدير السي آي إيه، قبل يومين.
ليس ثمة أفق منظور يمكن أن نتخيل معه موقفاً أميركياً ضاغطاً بشدة، أو بما يكفي لكبح جماح “إسرائيل”.
لدى واشنطن أوراق قوية للضغط على “إسرائيل”، ولكن ليس لديها إرادة ولا مصلحة أو رغبة في استخدامها، ونتنياهو أثبت أنه يجيد إمساك الثور الأميركي من قرنيه.
سادساً؛ ماذا عن الوسطاء العرب؟ هل يقبلون بلعبة تقطيع الوقت؟
ليس لدى أي من الوسيطين العربيين “دالّة” على “إسرائيل”. لا نفوذ لهما عليها ولا قدرة لهما على الضغط عليها. بمقدورهما بأقدار متفاوتة ممارسة ضغط على حماس، ولكن ليس على “إسرائيل”، وليس من مصلحة (وربما قدرة) أيٍ منهما الانسحاب من دور الوسيط، ولا أحد، بمن في ذلك حماس، يطلب إليهما الانسحاب من هذه المهمة، ولا قدرة للأطراف مجتمعه، في المدى المرئي على الأقل، على استدخال وسطاء جدد أو استبدال الوسطاء القدامى.
سابعاً؛ ما الذي يشجع نتنياهو على تفادي إنهاء الحرب رسمياً؟
موقف السلطة الفلسطينية الهزيل. هآرتس تقول إن التنسيق الأمني حافظ على مستويات مع قبل الحرب، برغم كل فظائعها.
موقف عربي عاجز ومقصر ومتخاذل، وأحياناً متآمر بالنسبة إلى بعض العواصم العربية… مجتمع دول عاجز ومنافق.
دعم أميركي غير مسبوق، برغم الخلافات الطافية على السطح بين الحكومة والإدارة. تراجع احتمالات توسع نطاق الحرب إلى مواجهة إقليمية واسعة، وحرب مفتوحة على جبهات متعددة، يمكن أن تعظم الضغوط الدولية وتستجلب حراكاً دبلوماسياً وسياسياً ضاغطاً كذاك الذي حصل عشية رد حزب الله على جريمة اغتيال الشهيد فؤاد شكر.
ثامناً؛ ما الذي سيحبط هذا السيناريو؟ وهل نجاحه أمر حتمي؟
الجواب لا بالطبع انقلاب المشهد في الضفة وما يمكن أن يترتب عليه من تغيير في السلطة وشخوصها أو تبديل في سياساتها ومقاربتها… ثبات المقاومة في غزة ونجاحها في رفع وتائر الاستنزاف. تحرك جبهات الإسناد بما يتخطى قواعد الاشتباك والردود المحسوبة، وتبديد الانطباع بأن سيناريو “الانفجار الكبير” لم يعد قائماً.
السيناريو الأكثر ترجيحاً هو توقف الحرب من دون إيقافها رسمياً، والانتهاء إلى احتلال مستدام أو طويل الأجل سيناريو ممكن، بيد أنه ليس قدراً لا رادّ له، فما زال في الوقت متسع لمراجعة المقاربات، وتغيير اتجاه تطور الأحداث، وإلا فالطامّة الكبرى.
المصدر: الميادين