مقالات

من استديوهات «الجزيرة» إلى الـ AI: لا مجرمين في سوريا!

لم يحتج السوريون وقتاً طويلاً لتفكيك المشهد الذي بثته قناة «الإخبارية السورية» قبل يومين من قاعة محكمة علنية في حلب.

في اللقطات، 14 متهماً يحاكمون على خلفية الانتهاكات التي شهدها الساحل السوري في آذار (مارس) الماضي.

وفي التعليقات، موجة سخرية جارفة تجاوزت مضمون المحاكمة إلى منطقها نفسه.

محاكمة أولى… وذريعة قديمة بوجه جديد

اختُتمت الجلسة العلنية الأولى، وقرّر القاضي رفعها إلى 25 كانون الأول (ديسمبر) المقبل. سبعة من المتهمين عسكريون سابقون مرتبطون بالحكم السابق، وسبعة ينتمون إلى وزارة الدفاع الحالية.

وبينما بدا المشهد الأول من نوعه منذ سقوط النظام، جاء ما تلاه ليفتح الباب على نكتة سياسية جاهزة. فقد استجوب القاضي المتهمين السبعة من «الدفاع» بتهمة القتل العمد.

بعضهم ظهر بوضوح في تسجيلات توثق عمليات قتل واعتداء. أحدهم أنكر ظهوره رغم اعتراف سابق له، مؤكداً على أن الفيديو «مفبرك بالذكاء الاصطناعي».

هكذا، بكبسة لسان، انتقلت سوريا من رواية «استديوهات الجزيرة» التي فبركها نظام بشار الاسد عن التظاهرات التي خرجت ضده، إلى رواية «خدع الـ AI» التي تبدو الحجة الجديدة لأي انتهاك من السلطة الجديدة أو الأفراد التابعين لها.

والمقارنة كانت جاهزة في التعليقات والمنشورات التي ظهرت بعد انتهاء المحاكمة «ليش على دور بشار الأسد ما كان في محاكم علنية؟».

السؤال تكرر مئات المرات، بين من اعتبر الخطوة «فتحاً للعدالة»، ومن رآها «إخراجاً إعلامياً» يشبه المسرحيات السياسية القديمة مع تحديث لغوي بسيط: استبدال «الإرهابيين» بـ«المجرمين»، واستبدال «فبركة الجزيرة» بـ«فبركة الذكاء الاصطناعي».

الدم السوري مبني على مجهول

خلال دقائق بدأ السوريون صياغة «نكت» ومحتوى ساخر مما حدث خلال المحكمة، فانتشر تعليق «خلص! كل شي صار بالحرب AI… وكل شي صار بالمعتقلات فوتوشوب.. وحدة بوحدة». تعليق آخر لخّص المشهد «منذ 2011، انتقلنا من فيديوهات مصوّرة في قطر، إلى جرائم مولّفها الذكاء الاصطناعي… وما زال الجاني مجهولاً».

الأطرف كان ما نقل عن حوار جرى بين القاضي وأحد المتهمين داخل الجلسة: اعترف أحد المتهمين بتنفيذ عمليات قتل «بأوامر قائده». وعندما سئل عن اسم القائد، أجاب «أبو كرمو الحمصي… ما بعرف اسمو الحقيقي».

وهذا الجواب ليس تفصيلاً عابراً في المشهد السوري الجديد. فمن أكبر مشكلات «سوريا ما بعد البعث» أن عشرات العاملين في المؤسسات الأمنية والشرطية لا يُعرف لهم اسم حقيقي.

فهم يقابلون ويتعاملون مع الناس ويوقعون أوراقاً رسمية بدون اسم أو بـ«أبو فلان» و«الشيخ فلان»، ويقودون مجموعات مسلحة تحت ألقاب مستعارة، ما يجعل تتبّع المسؤوليات الأمنية أو الجنائية شبه مستحيل.

تريند رسمي: كل شيء مفبرك

تزامنت المحاكمة مع حلقة من برنامج حواري على «الإخبارية السورية»، ظهر فيها أحد الضيوف ليؤكد على أنّ مشاركة مقاتلين أجانب في جرائم السويداء «مفبركة بالذكاء الاصطناعي».

المفارقة أن العبارة كرست لدى الجمهور شعوراً بأن الذريعة باتت «التريند الرسمي» للسلطة الجديدة، وأنها ستستخدم عند كل تهمة حساسة.

وبعيداً عن الجلبة، ثمّة حقيقة واضحة بأن الحرب السورية هي إحدى أكثر الحروب توثيقاً في التاريخ الإنساني حيث تزامنت مع تطور كبير شهدته عمليات التصوير بالهواتف الذكية والنشر في منصات مفتوحة.

هناك اليوم ملايين المواد التوثيقية الخام حول ما حدث في سوريا، مما يجعل مهمة المحاسبة أكثر تعقيداً، لكنها تجعل التلاعب أقل جدوى.

ويشير تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» إلى أنّ الذكاء الاصطناعي نفسه سيصبح أداة رئيسية في تقديم مجرمي الحرب إلى العدالة، عبر فرز الكم الضخم من الأدلة وتحليلها وربطها، وتقليل الوقت الذي يقضيه المحققون في مراجعة «تيرابايتات» من المواد المصورة.

بمعنى آخر، الذكاء الاصطناعي الذي يُستدعى اليوم كذريعة لتبرئة قتلة محتملين، سيكون غداً بين الأدوات الأقوى لتحديد المسؤوليات، وتثبيت الجرائم، وتفكيك الروايات.

الاخبار

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى