شيع “حزب الله” وأهالي بلدة تعلبايا والبقاع الأوسط، الشهيد علي الهادي وائل أبو حمدان (عابس)، حيث انطلق موكب التشييع من أمام حسينية البلدة، بمشاركة حشود علمائية وحزبية وبلدية وشعبية.

وألقى عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب رامي أبو حمدان كلمة أشار فيها الى أن “موقف المقاومة ضد ممارسات السلطة اللبنانية”، لافتا الى “رضوخ القائمين على السلطة للإملاءات الأميركية والشروط الإسرائيلية”، متسائلا عما “تروّجه السلطة بأنها تسعى لحفظ حقوق لبنان وتأمين انسحاب العدو”، مستفهما عن سبب “خروج الموفد الأميركي ليعلن صراحة أن الكيان الصهيوني لن يكتفي بالقرارات والتعهدات الشفهية بل سيطلب تقارير دورية وموثقة لما ينفذه الجيش اللبناني ميدانيا”.

واعتبر أبو حمدان أن “القبول بتلقي تقارير دورية من الجيش اللبناني حول تنفيذ المراحل القادمة يمثل إهانة كبرى وموقفا مذلا لا يليق بالجيش الوطني الشريف، الذي أثبت بحكمة قيادته وضباطه وأفراده رفضه المطلق للمواجهة أو الصدام مع المقاومة الشريفة وشعبها”.

واستغرب “صمت رأس السلطة تجاه اشتراط العدو الإسرائيلي القيام بعمليات تدقيق أمني مباشر في هوية وانتماء العسكريين اللبنانيين الذين سيتم نشرهم وتوزيعهم في منطقة الجنوب”، مطالبا “مسؤولي السلطة بالتجرؤ على الحديث عن مفاهيم السيادة والكرامة والسيطرة الفعلية وحرية القرار أمام الشعب اللبناني، بعدما ثبت عجزهم عن تقديم أي شيء للبلد سوى التنازلات المستمرة للعدو الإسرائيلي”.

ورأى أن “اللقاءات الحالية مع الاحتلال الإسرائيلي لا تصب إلا في مصلحة تأمين الوقت له ليستكمل مخططاته”، لافتا إلى ما “أعلنه وزير طاقة العدو الصهيوني عقب اجتماع روما بأن الانسحاب من لبنان مشروط بنزع سلاح المقاومة، وهو ما يعني دفعا مباشرا نحو الاقتتال الداخلي والاشتباك بين الفئات اللبنانية”، متسائلا عن “كيفية موافقة السلطة على مثل هذه التنازلات الخطيرة”.

وحذر من “المخططات الميدانية والوقائع التي يفرضها الاحتلال، لا سيما بعد وقاحة وزير حرب الكيان الذي صرّح بالعزم على البقاء في مناطق أمنية ثابتة تشمل غزة وسوريا ولبنان”، كاشفا أن “جيش الاحتلال الإسرائيلي يقوم حاليا ببناء وتثبيت سلسلة من القواعد والمواقع العسكرية الدائمة في أراضي جنوب الطهر والشهادة والصمود ليرسخ احتلاله هناك بتواطؤ وغطاء من السلطة اللبنانية التي تخلت بقراراتها عن الأرض والسيادة”، معتبرا أن “هذه السلطة ترتعد أركانها من الكلمة الحرة وأصوات الحق الصادقة، في الوقت الذي لا تحرك فيه ساكنا أمام المجازر وتدمير البلدات واستباحة كل شبر من كرامة الوطن”، مؤكدا أن “دماء الشهيد عابس وكل الشهداء الأبرار ستبقى الصخرة التي تتحطم عليها كل المؤامرات والتنازلات”.

المصدر: الوكالة الوطنية للإعلام

تقرّ أوساط أمنية “إسرائيلية” بصعوبة ترجمة أي تفاهمات سياسية، مثل “اتفاق الإطار”، إلى واقع ميداني، في وقت تبقى فيه معادلات القوة داخل لبنان والمنطقة عاملًا حاسمًا، لأن اتفاقيات واشنطن تصطدم بحسابات الميدان.

في هذا الصدد؛ قال ستيف بلحاسن، وهو المقدم في الاحتياط في جيش الاحتلال والمتخصص في تحليل القضايا الجيوسياسية والأمنية، إن أي اتفاق يُوقّع في واشنطن لن يؤدي بحد ذاته إلى نزع سلاح حزب الله على الأرض. برأيه أن الجيش اللبناني، والذي وصفه بالضعيف، لن يتمكن من سد الفجوة بين التفاهمات السياسية والواقع الميداني، كما أن أي “حل” عبر الساحة السورية لن يكون كفيلًا بمعالجة هذه الفجوة، وفقًا لتعبيره.

وبحسب بلحاسن، فقد وُقّع في واشنطن، في نهاية شهر حزيران المنصرم، “اتفاق إطار” بين “إسرائيل” ولبنان، ورأى أنه: “بين إعلان النوايا وبين الواقع على الأرض توجد فجوة كبيرة، ولا يجوز لنا، أن نُضلّل أنفسنا بأن هذه الورقة ستجعل الجيش اللبناني غدًا قوة تقوم بنزع سلاح حزب الله”. كما لفت إلى أن: “الحديث يدور عن جيش عمل لسنوات طويلة إلى جانب حزب الله، في حين أن بعض أفراد الجيش اللبناني لا يدينون بالولاء لحكومة لبنان، ويتعاونون مع حزب الله”.

وتابع المقدّم: “مطالبة هذا الجيش بتفكيك الحزب بالقوة، وهو الذي يملك نحو 15- 20 بالمئة من المقاعد في البرلمان، ويحظى بدعم عميق داخل الطائفة الشيعية وقدرة عسكرية مستقلة، ليست طلبًا تقنيًا، هو طلب قد يؤدي إلى حرب أهلية، وحزب الله سبق أن ألمح إلى ذلك علنًا”.

كما أشار إلى أن رد النائب حسن فضل الله على توقيع الاتفاق كان واضحًا: “حزب الله لن يسلّم سلاحه”، بينما ذهب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم أبعد من ذلك، فوصف الاتفاق بأنه “خطأ تاريخي”، وطالب بالفصل الكامل بين انسحاب “إسرائيل” وبين مسألة السلاح في لبنان كله. وقال: “هناك جهات إسرائيلية رفيعة المستوى تعترف علنًا بأنه إذا فشل المشروع التجريبي، في أول منطقتيْن ميدانيتين، فلن يكون هناك انتقال إلى المرحلة التالية”.

كذلك أشار بلحاسن إلى أن معاهد أبحاث “إسرائيلية”، أيضًا، تحذّر “من أنه من دون طريق موثوق للتغلب على المعارضة السياسية والعسكرية لحزب الله، قد يبقى الاتفاق وثيقة طموحة على الورق، وليس واقعًا عملياتيًا”، وفقًا لتعبيره.

وأكد أن الحل السوري ليس حلًا، هو مقامرة خطيرة. مع ذلك، ومن داخل هذا الإحباط، فقد ظهرت في الأسابيع الأخيرة فكرة أخرى، هذه المرة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والذي أعرب عن خيبة أمله من الطريقة التي “لا تنجح فيها “إسرائيل” في تحريك” حزب الله، وادعى أنه قريب من “إعطاء ذلك لسورية”، أي السماح للرئيس السوري أحمد الشرع- سابقًا محمد الجولاني- بالدخول إلى جنوب لبنان ومحاربة حزب الله.

كما لفت إلى أن: “المشكلة هي أن أحدًا لم يطلب من الشرع توفير هذا الحل، وهو نفسه رفض الاقتراح علنًا، أكثر من مرة. لقد أوضح أن أقوال ترامب “فُسّرت بشكل خاطئ”، وسورية لا تنوي “غزو لبنان في صباح الغد”، ودورها سيكون، في أفضل الأحوال، تقديم مساعدة سياسية واقتصادية واجتماعية، عبر المؤسسات اللبنانية وليس بدخول عسكري”.

وقال بلحاسن: “حتى لو كان الشرع يريد ذلك، السؤال عمّا إذا كان يستطيع أن يبقى مفتوحًا تمامًا. إذ إن الجيش السوري الجديد ما يزال في مرحلة البناء، ويواجه انقسامات داخلية وطائفية عميقة، وليس مستعدًا لعملية عسكرية معقدة خارج حدوده، ودخوله إلى لبنان قد يجرّ دمشق إلى مستنقع، ويفاقم التوترات الطائفية، حتى قد يوفّر لإيران وحزب الله رواية جديدة عن “احتلال سنّي”، تعزّز قوتهما بدلًا من إضعافهما. بعبارات بسيطة: سورية ليست حلًا، بل مقامرة بدولة بدأت للتو بالوقوف على قدميها، وقد تنفجر في وجه الأطراف جميعهم، ومنهم “إسرائيل””.

العهد

شيّع حزب الله وأهالي بلدة تعلبايا والبقاع الأوسط الشهيد السعيد المجاهد علي الهادي وائل أبو حمدان (عابس)، الذي ارتقى مدافعاً عن لبنان وشعبه في مواجهة العدوان الإسرائيلي، في مراسم حاشدة سادتها أجواء الوفاء والاعتزاز.

وانطلق موكب التشييع من أمام حسينية البلدة، بمشاركة حشود شعبية وعلمائية وممثلين عن الأحزاب والقوى الوطنية والبلدية، حيث حمل المشيعون نعش الشهيد المكلل براية المقاومة على الأكف، وسط نثر الورود والأرز والهتافات المؤكدة على مواصلة طريق الشهداء.

وخلال مراسم التأبين، ألقى عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب رامي أبو حمدان كلمة تناول فيها موقف المقاومة من التطورات السياسية والاتفاقات المطروحة مع الاحتلال الإسرائيلي، منتقداً ما وصفه بالرضوخ للإملاءات الأميركية والشروط الإسرائيلية.

وتطرق أبو حمدان إلى مسألة التقارير الدورية التي يُطلب تقديمها حول تنفيذ الجيش اللبناني للمراحل المقبلة، معتبراً أن ذلك يشكل مساساً بالسيادة، كما أثار مسألة التدقيق في هوية وانتماء العسكريين اللبنانيين المنتشرين في الجنوب، داعياً إلى توضيح هذه البنود أمام اللبنانيين.

كما حذّر من استمرار الاحتلال في تثبيت وجوده العسكري في المناطق الجنوبية، معتبراً أن دماء الشهداء ستبقى حاضرة في مواجهة ما وصفه بالمخططات التي تستهدف لبنان وسيادته.

المنار

تنطبق بنود “الاتفاق الإطاري” الذي وقّعته السلطة في لبنان على مواصفات وثيقة الاستسلام أكثر مما تنطبق على اتفاق بين طرفين متكافئين. فالدول المستسلمة وحدها تقبل ببقاء الاحتلال، وتسمح بتكريس وجوده، وتمتنع عن المطالبة الصريحة بإنهائه في نص تضع توقيعها عليه.

ويضاف إلى ذلك أمر يكاد يكون خاصاً بالحالة اللبنانية، وهو التعهد بوقف كل أشكال الملاحقة القضائية الهادفة إلى محاسبة العدو على جرائم حرب ارتقت إلى مستوى الإبادة الجماعية، وانطبقت عليها معايير الإبادة العمرانية والثقافية والبيئية.

خطاب متناقض لتبرير الاتفاق

ومع ذلك، يعتمد المدافعون عن الاتفاق خطاباً متناقضاً. فمن جهة، يصرّون على أن ما قاموا به هو قرار كبير وتاريخي اتخذته “الدولة”، انطلاقاً من مقتضيات الحفاظ على السيادة، واستعادة حضورها، وممارسة حقها الحصري في إعلان الحرب والسلم، وفق ما يردده أنصار خيار التفاوض المباشر.

ومن جهة أخرى، يواجهون الانتقادات الواسعة للاتفاق بالقول إنه جاء نتيجة موازين القوى التي أفرزتها الحرب الإسرائيلية الأخيرة، والتي لا تسمح بتحصيل أفضل مما ورد فيه. وهم، بذلك، يقرّون، ولو بصورة ضمنية، بأن الاتفاق يشوبه كثير من الثغرات والاختلالات، وصولاً إلى التفريط بمقومات السيادة.

وفي الحالتين، لا تخلو هذه المقاربة من المغالطات والتضليل. فليس كل تفاوض تجريه “الدولة” دليلاً على قوتها أو تماسكها، بل قد يكون العكس هو الصحيح.

فالدول قد تسيء استخدام صلاحياتها، أو تدير ملفاتها السيادية بطريقة تفضي إلى نتائج كارثية على البلاد، وتفاقم ضعفها وهشاشتها.

والتفاوض، بوصفه امتداداً للحرب بوسائل أخرى، يشكّل معركة لا تقل خطورة عن المواجهة العسكرية، وقد يؤدي سوء إدارته إلى خسارة البلاد جانباً من سيادتها ومنعتها.

الدولة ليست مجرد شعار

والدولة ليست مجرد عنوان يُرفع أو شعار يُتداول، بل هي منظومة أدوار ووظائف ومؤسسات.

فإذا أخلّت بهذه الوظائف، فقدت مضمونها، أو تحولت إلى هيكل فارغ. والدولة في لبنان، كما يعلم الجميع، تعاني ضعفاً وهشاشة وعجزاً عن أداء كثير من وظائفها الأساسية.

أما محاولة التعويض عن هذا الواقع عبر الإصرار على تصويرها بخلاف حقيقتها، فلا تصنع دولة، بل تمنحها بعداً كاريكاتورياً، وتُضعف ثقة المواطنين بها وبالخطاب الذي يروّج لهذه الصورة، كما تؤدي إلى تآكل هيبتها بدلاً من تعزيزها.

وكان الأولى أن يعترف رئيسا الجمهورية والحكومة، اللذان يشكلان رأس حربة في مواجهة المقاومة، بحقيقة الواقع، وأن يحددا مكامن الضعف، وينطلقا نحو حوار وطني جاد لمعالجتها، والعمل على التوافق بشأن استراتيجية دفاعية تستفيد من عناصر القوة التي يمتلكها لبنان، بدلاً من الإصرار على خطاب لا يغني ولا يسمن، ولا يبني دولة بطبيعة الحال.

موازين القوى لم تفرض الاستسلام

أما تسويق الاتفاق على أنه نتيجة حتمية لتداعيات الحرب، فهو أيضاً ينطوي على كثير من المغالطات. فصمود المقاومة في الميدان، وإلحاقها خسائر بالعدو واستنزافه على مدى أربعة أشهر، إلى جانب التطور الإقليمي المتمثل في إخفاق الولايات المتحدة و”إسرائيل” في تحقيق أهدافهما من الحرب على إيران، كلها عوامل أسهمت في إعادة رسم المشهد.

كما أن إعلان إيران تمسكها بأن يشمل أي اتفاق إيراني – أميركي الملف اللبناني، من خلال اعتبار وقف الحرب على لبنان، والحفاظ على وحدة أراضيه وسيادته، بما يُترجم بانسحاب الاحتلال، شرطاً أساسياً يسبق بدء المفاوضات وتوقيع أي اتفاق، هو عنصر لا يمكن تجاهله عند قراءة السياق الذي أُنجز فيه هذا الاتفاق.

وكل هذه العوامل تجعل المفاوض في موقع يتيح له رفض التوقيع على اتفاق يبدو أقرب إلى صك استسلام منه إلى تسوية سياسية متوازنة. فالاستسلام، كما هو معلوم، ليس مجرد نتيجة ميدانية، بل هو قرار سياسي واستراتيجي وقانوني تتداخل في صنعه عوامل متعددة، ويأتي استجابةً لوقائع محددة، من أبرزها:

أولاً: أن تكون الهزيمة العسكرية حاسمة إلى درجة تجعل القوات المسلحة عاجزة عن مواصلة القتال. وهذا لا ينطبق على الحالة اللبنانية، إذ واصلت المقاومة القتال والتصدي، وألحقت بالعدو الإسرائيلي خسائر جسيمة، وفق ما أقرّ به مسؤولون إسرائيليون أنفسهم. وقد صدرت عن مسؤولين إسرائيليين تصريحات أشارت إلى أن “إسرائيل” لم تحقق أهدافها المعلنة، سواء بالقضاء على حزب الله أو بإعادة الأمن إلى المستوطنات الشمالية.

ثانياً: احتلال عاصمة الدولة. وهذا أيضاً لم يتحقق، بل كان بعيد المنال. فقد تمكنت “إسرائيل” من احتلال العاصمة بيروت خلال أقل من أسبوع عام 1982، بينما صمدت المقاومة أربعة أشهر في الجنوب، وظلت قادرة على استنزاف العدو وإيلامه، ومنعته من تحقيق التقدم البري الذي كان يخطط له. ولم يكن احتلال بيروت خياراً واقعياً مطروحاً خلال الحرب، إدراكاً من الاحتلال لصعوبة تحقيق هذا الهدف، أو لعدم قدرته على تحمل كلفته العسكرية.

ثالثاً: فقدان الحلفاء أو انقطاع الدعم الخارجي. ويُعد هذا من أبرز العوامل التي تدفع الدول إلى إعلان الاستسلام، وهو ما لم يكن متوافراً في الحالة اللبنانية. فقد شكّلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية سنداً سياسياً مهماً، من خلال إصرارها على تضمين التفاهمات التي جرت في إسلام آباد وجنيف الملف اللبناني، بما يفتح نافذة يمكن للبنان أن يستفيد منها. ولو أحسن الفريق المفاوض توظيف هذه الورقة، لكان قادراً على تحقيق مكاسب إضافية تصبّ في المصلحة اللبنانية.

أداء تفاوضي ضعيف

إلا أن الأداء اللبناني، للأسف، اتسم بضعف الكفاءة السياسية والتفاوضية. كما أن سلوك المسؤولين الذين أصروا على خيار التفاوض المباشر، وقبولهم المتكرر بالأوراق التي تطرحها واشنطن في ختام كل جولة تفاوضية، بدا أقرب إلى تنفيذ التزامات سبق أن تعهدوا بها منه إلى إدارة تفاوضية تستند إلى المصالح الوطنية أو موازين القوى الفعلية.

ويبدو أن هذا المسار يقوم على محاولة إدراج لبنان ضمن المحور الأميركي – الإسرائيلي، وهو هدف تجعله التجربة التاريخية اللبنانية بعيد المنال. فقد أثبتت هذه التجربة مراراً صعوبة فرض خيارات استراتيجية من هذا النوع على مجتمع محكوم بتوازنات دقيقة وحساسة.

والأخطر من ذلك أن الإصرار على هذا النهج قد يدفع نحو انفجار داخلي جديد، على غرار ما شهدته البلاد عامي 1958 و1975، بما يؤدي إلى مزيد من إضعاف الدولة ومؤسساتها، بدلاً من تعزيزها وترسيخ استقرارها.

بثينة عليق-الميادين

كتب المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى (وهو مركز دراسات أميركي صهيوني معروف) روبرت ساتلوف مقالة نشرت على موقع المعهد المذكور حول زيارة الرئيس اللبناني جوزيف عون المرتقبة إلى واشنطن في الحادي والعشرين من تموز يوليو الجاري.

وقال الكاتب إنه، ومن الناحية العملانية، يحتاج عون إلى التزامات أميركية عملية بتقديم الدعم، والتي قال إنها قد تشمل تقديم عرض بتسليح وتدريب وحدة في الجيش اللبناني على غرار قوة دلتا (وحدة نخبوية عسكرية أميركية سرية) وذلك من أجل تنفيذ عمليات خاصة ضد حزب الله.

كما تحدث في نفس السياق عن توفير المسيرات وأجهزة الاستشعار وأدوات أخرى من أجل تعزيز أمن لبنان الحدودي بوجه ما يقوم به حزب الله من تهريب السلاح والمخدرات والبشر، وفق توصيف الكاتب.

ومن الاقتراحات الأخرى التي قدمها الكاتب، تنظيم مسعى دولي لجمع التمويل، وذلك من أجل البدء بإعادة إعمار المناطق المدمرة وزيادة رواتب الجنود اللبنانيين كي تكون أكثر إنصافًا بالمقارنة برواتب مقاتلي حزب الله.

كذلك تحدث عن البدء في إعداد مبادرات في القطاع التجاري من أجل إعادة بناء اقتصاد لبنان، واغتنام الفرص التي يوفرها “السلام المحتمل مع “إسرائيل””، دائمًا وفق توصيف الكاتب.

وتابع الكاتب أنه مقابل رزمة المحفزات هذه، يجب أن يعطي عون ترامب المزيد من الأدلة التي تؤكد جدية عون، والتي قد تشمل تفاصيل إضافية حول خطة عون لنزع سلاح حزب الله وتفكيكه، والتعهد بفصل ضباط في الجيش اللبناني الذين يكتشف أنهم متواطئون مع الحزب، وخاصة في الاستخبارات العسكرية.

كذلك تحدث الكاتب عن تقديم التزامات بتعليق القوانين التي تحظر التواصل بين المدنيين اللبنانيين و”الإسرائيليين”.

وقال الكاتب إن الأهم في هذا السياق هو ضرورة أن يجدد عون التأكيد على أن هدفه الاستراتيجي هو السلام مع “إسرائيل”، وأنه كلما أكد عون على التزامه بترسيخ السلام، كلما كان من المرجح أن يعطيه ترامب المزيد من الوقت والمساحة والدعم.

ورأى الكاتب أن لقاء ترامب مع عون سيعطي الأخير فرصة لثني ترامب عن فكرة تمكين سورية من إرسال القوات إلى لبنان لمواجهة حزب الله. وقال: “بالرغم من أن الرئيس السوري أحمد الشرع نفسه استبعد هذه الفكرة، إلا أن ترامب دائمًا ما يعود إليها”.

العهد

لم يعد المشهد الذي أعقبَ اجتماع روما التفاوضي مجرّد محطة عابرة في سلسلة الاتصالات الجارية حول الوضع في جنوب لبنان، بل بات يمثّل لحظة سياسية دقيقة تكشف حجم الاختلال في موازين التفاوض، وطبيعة الضغوط التي تحاول إسرائيل والولايات المتحدة فرضها على لبنان. فالمسألة لا تتعلّق فقط بترتيبات أمنية مُحدّدة أو بإجراءات ميدانية مرتبطة بالانسحاب والانتشار، بل تتصل بصورة أوسع بمحاولة إعادة رسم قواعد التعامل مع الواقع اللبناني من خلال تحويل الضغط العسكري إلى أداة تفاوضية، بحيث يصبح القصف والدمار المستمران جزءاً من مسار سياسي يراد للبنان أن يتكيّف معه تدريجياً، ويبدو أن السلطة فعلت ذلك.

آخر الكلام المُتداول في الكواليس السياسية، يؤكد أن إسرائيل لا تتعامل مع المفاوضات باعتبارها مساحة متكافئة للوصول إلى تفاهمات متبادلة، بل باعتبارها امتداداً للميدان العسكري ولكن بأدوات مختلفة. فهي تدخل إلى طاولة التفاوض وهي تستند إلى واقع تصنعه بالقوة، وتحاول تثبيت وقائع جديدة تجعل أيّ نقاش لاحق منطلقاً من الشروط التي فرضتها خلال المواجهة. ولذلك فإن أي تقديم متسرّع لما جرى في روما على أنه نجاح أو اختراق قد يكون مُضلّلاً، لأن قيمة أي اتفاق لا تُقاس فقط بما يتضمّنه من عبارات عامة، بل بما يحمله من ضمانات فعلية تحفظ حقوق لبنان بوقف إطلاق النار والانسحاب وتحرير الأسرى.

وهذه الهواجس المنتشرة، لا تنبع من تفاصيل تقنية مرتبطة بالمناطق التجريبية فقط التي نوقشت في الجولة الثالثة من المفاوضات، بل من طبيعة العلاقة التي يحاول هذا المسار تكريسها بين لبنان وإسرائيل. فاختيار مناطق مُحدّدة لتكون ساحة اختبار لقدرة الجيش اللبناني لا يحمل بعداً أمنياً فحسب، وإنما يضع الدولة أمام امتحان سياسي وسيادي خصوصاً أن المطلوب تحويل الجيش الى وحدات شرطة تحت إشراف إسرائيلي – أميركي!

وأكثر من ذلك، فإسرائيل هي التي حدّدت سبع بلدات جنوبية لتكون مناطق تجريبية أولى، وهي الزوطران الشرقية والغربية، وفرون، والغندورية، وقلاوية، وبرج قلاوية، وصريفا. غير أن هذا الاختيار يثير إشكالات جوهرية، لأن هذه البلدات لا تنتمي جميعها إلى واقع ميداني واحد، ولا تخضع كلها للاحتلال المباشر أو للظروف الأمنية نفسها. فبعضها يقع على تماس مباشر مع مواقع إسرائيلية، وبعضها الآخر يخضع للتهديد بالنار أو للقصف، فيما لا يمكن تصنيفه بالضرورة ضمن المناطق المُحتلة وفق المعايير التقليدية، علماً أن الانتقال من مرحلة التفاهم السياسي إلى التطبيق العملي يبقى مُعلّقاً على نتائج الاجتماع العسكري الثلاثي الافتراضي الذي يُفترض أن يحسم التفاصيل التنفيذية اليوم، بدءاً من آلية الانسحاب الإسرائيلي، مروراً بطريقة انتشار الجيش اللبناني، وصولاً إلى طبيعة المهام التي ستُناط به.

نجحت إسرائيل في إدخال شروطها الأمنية إلى قلب المسار التفاوضي

وهنا تظهر إحدى أكثر النقاط حساسية، بحسب مصادر سياسية بارزة، شرحتها لـ«الأخبار» وهي أن «المطلوب من الجيش اللبناني لا يقتصر على الانتشار الجغرافي، بل يتصل بمهمة لا علاقة لها بتنفيذ خطة وطنية بل بتطبيق معايير أمنية تضعها إسرائيل وتحدّد من خلالها ما تعتبره تهديداً». وتشير المصادر إلى عقبات سبقت الاجتماع وهي رفض الجيش عقد الاجتماع الثلاثي في الناقورة باعتبارها مُحتلة، كما تحفّظ على بعض البلدات المُختارة مناطق تجريبية، لأنها لا تقع كلها ضمن نطاق الاحتلال المباشر. وكذلك البلدات المختارة لا تمثّل مجرّد نقاط جغرافية مُحدّدة، بل تتحوّل إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة اللبنانية على تثبيت حضورها فيها، فهي موزّعة بين جنوب الليطاني وشماله.

وضمن هذه الرقعة تقع صريفا التي تعرّضت لدمار واسع جراء العمليات الإسرائيلية، وكذلك قلاوية وبرج قلاوية الواقعتان ضمن نطاق عمل قوات اليونيفل. وهذه المناطق الواقعة جنوب الليطاني سبق أن شهدت مراحل من التنسيق بين الجيش اللبناني وحزب الله، حيث جرى إخلاؤها وانتشر الجيش فيها. أمّا الزوطران، فتقعان شمال الليطاني، حيث تختلف الظروف بين منطقة خضعت للاحتلال المباشر وأخرى بقيت تحت التهديد المستمر بالنار، كما هو الحال في مناطق أخرى مثل كفررمان والنبطية الفوقا، بحسب ما تشرح المصادر.

وبذلك لا يبدو أن اجتماع روما أنتج تحوّلاً استراتيجياً كما يحاول البعض تصويره، بل إن إسرائيل نجحت في إدخال شروطها الأمنية إلى قلب المسار التفاوضي. فهي لم تكتفِ فحسب بتحديد المناطق التجريبية، بل ربطت التقدّم في المراحل المقبلة بمدى اقتناعها بأداء الجيش اللبناني وقدرته على تنفيذ المهام المطلوبة وفق معاييرها. كما اشترطت معرفة تفاصيل خطة الانتشار وآليات التعامل مع حزب الله، ما يجعل إسرائيل عملياً طرفاً يراقب ويقيّم ويقرّر مدى نجاح المسار.

ووفق هذا المنطق، فإن التوسّع في تنفيذ المناطق التجريبية سيبقى مرتبطاً بنتائج المرحلة الأولى. فإذا رأت إسرائيل أن الجيش لم يحقّق ما تريده، فقد تعرقل الانتقال إلى مراحل جديدة. وقد تمتد العملية لأشهر طويلة، وربما لسنوات قبل الوصول إلى انسحاب كامل، إذا تحقّق أصلاً، خصوصاً أن مسألة المنطقة الأمنية التي ترغب إسرائيل في الحفاظ عليها أو إعادة فرضها لم تدخل بعد في صلب النقاش. وهناك يبقى السؤال عالقاً «من يملك القدرة على وقف أي استهداف إسرائيلي جديد تحت عنوان منع الخطر الأمني؟ وماذا يحدث إذا قرّرت إسرائيل أن الجيش اللبناني لم يقم بما يكفي لتكون راضية؟».

ميسم رزق-الاخبار

شدد عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب الدكتور علي فياض على أنه “مع انقضاء جولة التفاوض في روما بين الوفد اللبناني والعدو الإسرائيلي، يزداد الموقف الرسمي اللبناني إنكشافاً، وتزداد الهوَّة إتساعاً بين السلطة اللبنانية والمجتمع اللبناني، وبخاصة المجتمع الجنوبي الذي كثَّف العدو من عمليات التجريف والتدمير والحرق في القرى المحتلة، في وقت تمضي السلطة اللبنانية في مفاوضاتها وكأن شيئاً لم يكن، وتأخذ في الحديث عن تقدم ما وإيجابيات في ظل تفاقم العدوانية الإسرائيلية”.

وقال خلال احتفال تكريمي أقامه “حزب الله” للشهيد محمد مهدي علي صولي، في مجمع الإمام المجتبى في السان تيريز:” يبدو واضحاً ان هذه السلطة تخلَّت عن شعبها، وهي غير مكترثة بمعاناته ومقدار الجرائم التي ترتكب من قبل الإسرائيلي بحقه، ويبدو ان هذه السلطة، قد تَمْسَحتْ، وهي ماضية في خياراتها، رغم كل الإخفاقات، ورغم كل النصائح والإنتقادات التي توجّه لها من الخارج والداخل، بمن فيهم أصدقاؤها، ولم تعُد معنيَّة سوى بإرضاء الأميركي وتبرير الرضوخ للإسرائيلي، بهدف القضاء على المقاومة والتخلّص من سلاحها، أما تحرير الأرض وحماية الشعب وعودة السكان إلى قراهم وصون السيادة اللبنانية والإستقرار الداخلي، فهي في حسابات السلطة ومواقفها مجرد شعارات فارغة لا محل لها ولا قيمة فعلية”.

وأكد أن “السلطة اللبنانية مُصرَّة على ما يبدو، على أخذ البلد الى مكان شديد الخطورة، لن تستعيد معه الأرض ولن تسترد السيادة، وفي الوقت ذاته تخسر الإستقرار الداخلي ووحدة اللبنانيين، وهذا ما خطط له الإسرائيلي جيداً، ووقعت فيه السلطة اللبنانية بملئ إرادتها وبكامل المسؤولية، ولكل هذا، فإن المشكلة مع هذه السلطة باتت كبيرة وكبيرة جداً، وباتت الجسور معها مقطوعة وإمكانية التفاهم متعذرة، والنتيجة لا تُحمد عقباها”.

وشدد على أن “المقاومة كما كانت دائماً، هي جاهزة لكل الإحتمالات والخيارات، على قاعدة ثوابتها المعروفة في حقها في الدفاع عن الوطن وتحرير الأرض وعودة السكان إلى قراهم دون قيد أو شرط والتمسك بوحدة المجتمع اللبناني”.

ختم:” نقف اليوم في مناسبة أربعين لشهيد هو الابن الشهيد الثالث الذي قدمته عائلة مجاهدة، ومهما قللنا من حجم ووطأة التضحية وقساوتها، فهي تضحية تحتاج إلى إرادة كإرادة الجبال، وصبر كصبر أيوب وإيمان راسخ لا يتزحزح. ان عائلة أبو حسين صولي، هي نموذج مضيء عن مجتمعنا وعوائل شهدائنا، الذين خسروا منارلهم وأرزاقهم وقدموا خيرة أبنائهم، وكل ذلك وبالمجمل، يُعطي لمسيرتنا قيمتها الإنسانية ويفسِّر جوانب كثيرة من قدرتها على الثبات والصمود والنجاح، ولهذا على الرغم من كل الضربات القاسية التي تعرَّض لها حزب الله على مستوى أمينه العام وقياداته وكوادره، إلا انه استمر وتماسك وتعافى وخاض معارك كبرى في وجه الإسرائيلي، وهو الآن بقيادة أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، يخوض واحدة من أصعب وأعقد المراحل التي واجهته في مسيرته، في مواجهة التهديدات والمخاطر الإسرائيلية والداخلية، فهذا هو مجتمعنا، رغم كل الظروف الصعبة التي مرّ بها، لا يزال متماسكاً وصلباً في التمسك بخيار المقاومة”.

المصدر: الوكالة الوطنية للاعلام 

كتبت صحيفة “الديار”: كان لافتا غياب الملفات السياسية وفي مقدمها ملف التفاوض المباشر مع «اسرائيل» عن جلسات التشريع في مجلس النواب… في هذا الوقت بات من المسلم به ان كل الاطراف تلعب في «الوقت الضائع» بانتظار تبلور الصورة النهائية للحرب الاميركية- الاسرائيلية على ايران، والمرتبطة عضويا باستحقاق الانتخابات النصفية الاميركية في الخريف المقبل، والانتخابات التشريعية الاسرائيلية في ايلول، وقبل اتمام هذين الاستحقاقين لا يبدو ان ايا من الملفات الساخنة ستجد طريقها الى الحسم، ومنها الساحة اللبنانية التي تشهد المزيد من الانقسامات حول خيارات مصيرية ستكون لها تداعيات قصيرة وبعيدة المدى.

«اسرائيل» تفرض الوقائع؟!

وفي الانتظار، وبعد اقل من 24 ساعة على جولة التفاوض اللبنانية- الاسرائيلية في روما عملت «اسرائيل» على تفريغ المحادثات من مضمونها، وفيما وصفت مصادر بعبدا النتائج بانها لم تكن مثالية لكنها افضل الممكن في الوقت الراهن، اعلن وزير الحرب الاسرائيلي يسرائيل كاتس انه ابلغ نظيره الاميركي بيت هيغست ان الجيش الاسرائيلي لن ينسحب من المنطقة الامنية في الجنوب اللبناني بحجة حماية امن الاسرائيليين..في المقابل نقلت صحيفة «معاريف» الاسرائيلية عن مصادر امنية تاكيدها البدء بانشاء مواقع دائمة وثابتة في «المنطقة الصفراء». وهو اعلان صدر بعد سماح الرقابة العسكرية بنشره، وهو «رسالة» واضحة وفق مصادر دبلوماسية للاميركيين قبل اللبنانيين، بان ثمة وقائع على الاراض لا يمكن تجاوزها، وتعمل «اسرائيل» على فرضها لتجنب اي ضغوط مستقبلية تجبرها على الانسحاب.

ماذا عن الاجتماع العسكري الثلاثي؟

وفي هذا السياق، تتجه الانظار اليوم الى الاتصال العسكري الثلاثي الافتراضي، بين ضباط من الجيش اللبناني والاميركي والاسرائيلي، ووفق مصادر مطلعة على الاجواء في «اليرزة» سيمثل الجانب اللبناني رئيس الوفد الى مفاوضات واشنطن العميد جورج رزق الله ، وعدد من الضباط، وسيكون الاجتماع المؤشر الاكثر جدية لكيفية انعكاس المفاوضات السياسية على ارض الواقع، لان المباحثات ستتطرق الى البحث في آليات التنفيذ في المناطق «التجريبية»، وهي المرحلة الأكثر تعقيداً، حيث ستم البحث في الجدول الزمني للانسحاب الإسرائيلي، ولا ضمانات حتى الان حول ذلك، كما سيتم التطرق الى آليات انتشار الجيش اللبناني، وآليات المراقبة والتحقق، إضافة إلى إنشاء قنوات اتصال بإشراف أميركي لمعالجة أي خروقات محتملة أثناء التنفيذ.

«رسالة» ميدانية من الجيش

وفيما يتمسك حزب الله برفض اي ترتيبات امنية شمال الليطاني تتعلق بسلاحه، تشير مصادر مطلعة انه لا يوجد اي خلل في التنسيق بين الجيش والمقاومة في تلك المناطق، فالجيش موجود اصلا في كل الاراضي المحررة، والتعزيزات والدوريات خلال الساعات الماضية في القرى والبلدات المدرجة تحت عنوان «المناطق التجريبية» رسالة مباشرة من قيادة الجيش الى الاسرائيليين والاميركيين، بان ما يتم اقتراحه من انسحابات على «الورق» هو على ارض الواقع مغاير وقد تجاوزته الوقائع حيث ينتشر الجيش عمليا في كل تلك المناطق دون اي عوائق سياسية او ميدانية، ولا يمكن تسويقها كتنازلات اسرائيلية، وما يريده الجيش هو محادثات جدية حول مناطق محتلة فعليا لا «فقاعات اعلامية» دعائية يحاول الاسرائيليون تقديمها كخطوات ميدانية ويطالبون خطوات مقابلها غير منطقية وتتناقض مع تصميم قيادة الجيش على عدم وضع المؤسسة تحت اي اختبار مهما كان شكله.

اين المناطق الحساسة؟

تجدر الاشارة الى ان ما بات يعرف بـ»المنطقة التجريبية»، تضم أجزاءً محتلة وأخرى تقع ضمن نطاق السيطرة النارية الإسرائيلية أو على تخومها، ووفق مصادر مطلعة، قد تكون المناطق غير المحتلة الاكثر حساسية لانها ستكون منطقة اختبار أولى للعلاقة بين الجيش اللبناني وحزب الله غير المعني بتقديم اي تنازلات للاسرائيليين في تلك المناطق شمال الليطاني، وهو امر تدركه جيدا قيادة الجيش وتتعامل معه بحكمة ومسؤولية..اما في قرى ومدن جنوب الليطاني فان تفاهمات 2024 لا تزال سارية وتطبق على ارض الواقع، ودوريات الجيش وحواجزه الثابتة والمتنقلة في بلدات صريفا، وبرج قلاوية، والغندورية وفرون، تشكل تجسيدا لهذا التعاون الذي لم يختل الا بعد بدء العدوان الاسرائيلي.

آلية المراقبة مبهمة

وتسعى قيادة الجيش الى الحصول على اجوبة حول آلية المراقبة الأميركية، وهو الاختبار الأكثر حساسية في الاتفاق، حيث لا يزال الدور الاسرائيلي مبهما في هذا السياق، ووفق مصادر مطلعة، يفترض ان تشمل تلك المنطقة بلدة زوطر الغربية الواقعة شمال نهر الليطاني التي ينتشر الجيش الاسرائيلي في محيطها، ومنطقة اخرى جنوب الليطاني تشمل بلدتي فرون والغندورية حيث سيتولى الجيش اللبناني مهمة الانتشار وتحقيق السيطرة عليها. لكن يبقى السؤال كيف يمكن اعتبار السيطرة النارية احتلالا؟ بينما تسيطر «اسرائيل» على كل لبنان ناريا؟

لقاء عون – ترامب!

وامام هذه المعطيات، برزت بالامس اجواء سياسية من بعبدا بأن ما تحقق في روما غير مثالي ولكن افضل الممكن في المرحلة الحالية. اما الجهد السياسي والدبلوماسي، فهو منصب الان على ترتيبات زيارة الرئيس جوزاف عون الى واشنطن حيث يجري الاعداد للاجتماع مع الرئيس دونالد ترامب بهدف الحصول على افضل النتائج المتاحة عبر استغلال اهتمام الرئيس الاميركي بالملف اللبناني الذي بات حاضرا للمرة الاولى بهذا الوزن على «الطاولة» في البيت الابيض، والرهان يبقى على حجم الضغط الاميركي على «اسرائيل» لتنفيذ التزاماتها وخصوصا الانسحاب من القرى والمدن المحتلة وهو امر تحدث عنه ترامب علنا قبل يومين، وان كان قد استخدم عبارة انسحابات جزئية، لكن هذا الموقف متقدم ويمكن البناء عليه.

ما هي رهانات «الثنائي»؟

وفي توقيت لافت، رفع حزب الله من حدة انتقاداته للرئيس عون، واستعرض عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب حسن فضل الله، في بيان مكتوب، سياق تدهور العلاقة مع الرئاسة الاولى التي افضت الى القطيعة الراهنة معتبرا ان بعبدا تراجعت عن تعهداتها… وفي هذا الاطار، تلفت اوساط «الثنائي» الى ان الرهان على الضغوط الاميركية لاجبار «اسرائيل» على الانسحاب غير واقعي، بل العكس هو الصحيح، وثمة خشية من استغلال الرئيس الاميركي زيارة الرئيس عون لرفع سقف الضغوط على الدولة اللبنانية، ما قد يعقد اكثر المشهد الداخلي. وكشفت تلك الاوساط ان الاتصالات مع طهران لم تنقطع، وشددت على ان لبنان لا يزال جزءا من المادة التفاوضية مع واشنطن على الرغم من تبادل الرسائل النارية الحالية التي ستنتهي حتما بالعودة الى طاولة الحوار لان ما يحصل الان محاولات اميركية، لن تنجح، لتعديل شروط الاتفاق النهائي.

قناعات «السراي»!

من جهتها، تشير مصادر مطلعة على اجواء السراي الحكومي، بان عودة التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، يعزز القناعة لدى الدولة اللبنانية، بصوابية عدم ربط مستقبل لبنان بالتفاهمات الإقليمية لما يحمله ذلك من مخاطر تتجاوز محاولة الوصول الى تفاهمات مباشرة مع «إسرائيل»، على الرغم من التكلفة السياسية المفترضة على الصعيد الداخلي في ظل رفض حزب الله لأي صيغة تنبثق عن المفاوضات المباشرة مع «تل ابيب».. وتقر تلك المصادر بوجود معادلة داخلية معقدة، في ظل هشاشة الوضع على الحدود الجنوبية، وما يهم الان ابعاد لبنان عن التصعيد الامني والعسكري بانتظار تبلور التفاهمات في المنطقة.

تطيير نصاب الجلسة التشريعية

في غضون ذلك، وبعد نهار طويل من التشريع والسجالات، رفع رئيس مجلس النواب نبيه بري الجلسة التشريعية المسائية بعد انسحاب كتلة «الجمهورية القوية»و بعض النواب من القاعة، ما أدى إلى فقدان النصاب القانوني، وذلك بالتزامن مع بدء مناقشة البند الـ40 من جدول الأعمال المتعلق باقتراح قانون إلغاء عقوبة الإعدام، الذي قاطعه عدد من النواب السنة، ووفق مصادر نيابية، الأمر مرتبط بقانون العفو العام الذي يحتاج الى المزيد من الدرس، وسبق للرئيس بري ان اكد انه لن يقره اذا لم يحصل اجماع عليه من الكتل النيابية.

 

المصدر: الوكالة الوطنية للاعلام

لا يمكن التعامل مع ما سُمي اتفاق الإطار الثلاثي في واشنطن، بين السلطة اللبنانية و”إسرائيل” والولايات المتحدة كطرف ومرجعٍ وراعٍ، باعتباره نصًا قانونيًا أو سياسيًا معتادًا، أو أنّه مجرد اتفاقٍ بين أطرافٍ مكتملة الأركان نافذة السيادة مسَلّمَة الاستقلال، بل هو بمثابة اتفاق منشئ لدولة تُسمى لبنان، وهذا الإنشاء ليس بديهيًا أو مستقرًا، بل هو إنشاءٌ مشروط.

حين النظر إلى البند السادس مثلًا، نجد نصّه كالتالي: “تؤكد حكومة لبنان، وفقًا لميثاق الأمم المتحدة وفي إطار ممارسة سلطتها السيادية، أن قواتها الأمنية تتحمل المسؤولية الحصرية عن أمن لبنان ودفاعه، وأن حكومة لبنان هي صاحبة السلطة السيادية الحصرية في إعلان الحرب والسلام. ترفض الحكومة اللبنانية ادعاءات أي دولة أو جهة من غير الدول باستخدام القوة نيابة عنها دون تفويض صريح منها، وتؤكد مجددًا أن أي ادعاء من جانب أي دولة أو جهة من غير الدول بممارسة دور عسكري أو أمني يُعد غير قانوني بموجب قرارات الحكومة اللبنانية ومخالفًا للمصالح الوطنية اللبنانية”، وهذا يُعتبر تعريفًا منشِئًا للسيادة، ودون تحققه لن يُعتبر لبنان دولة سيدة.

 كذلك فإنّ هذا الاتفاق يشكّل سابقة لا مثيل لها، حيث تُعتبر الاتفاقيات وسيلة لوقف الحروب، لا لمنح أحد أطرافها امتيازات الأمن والسلام، مع حرية القتل والتدمير والاحتلال والتوسع، على حساب الطرف الآخر، الذي لا يحقّ له سوى السعي الدموي لتطبيق شروط ذاك الطرف، وهذا بطبيعته سيؤدي لاهتزاز  أمن واستقرار الطرف الآخر، كذلك ستتحوّل حالة العداء بين الطرفين، إلى حالة عداءٍ داخلية لدى أحد هذين الطرفين، وهو في هذه الحالة لبنان.

إنّ السيادة اللبنانية منذ اتفاق الطائف، تمّ الاستقرار قانونيًا وسياسيًا ووجدانيًا على ربطها بانسحاب الاحتلال من الأراضي اللبنانية، بينما في اتفاق الإطار هذا، تمّ نسف هذا الاستقرار التاريخي، ليتمّ ربطها بنزع سلاح حزب الله، بكل ما يشكّل ذلك من أخطارٍ على الجغرافيا اللبنانية والأمن اللبناني والسيادة اللبنانية، لأنّ انقلاب المفاهيم هذا، ينقل أزمة “إسرائيل” الاستراتيجية، المتمثلة بسلاح حزب الله، إلى أزمةٍ لبنانية وجودية في حال تطبيقها.

ولا يمكن حين التدقيق في بنود الاتفاق، إغفال الفكرة الرئيسية التي بُني عليها، وهي الاستفراد بلبنان، وهو ما يأتي في سياق شعار “لبنان أولًا”، حيث يتمّ التعامل مع لبنان باعتباره طرفًا مهزومًا منكسرًا أولًا، واعتباره كيانًا منقطعًا منفصلًا منعزلًا عن محيطه ثانيًا، وباعتباره مجردًا من كل عوامل قوته ومنعته ثالثًا، وفكرة الاستفراد نلحظها في البيان الأميركي الخليجي، الذي سبق الإعلان عن اتفاق الإطار بيومِ واحد.

فذاك البيان أكَّد الالتزام الكامل بسيادة لبنان وأمنه واستقراره ووحدة أراضيه، وهذه هي التيمة السحرية لمعنى التبعية والاستسلام الكامل للمصالح الأميركية والرغبات التوسعية “الإسرائيلية”، ولتحقيق غاية استقلال لبنان وسيادته ووحدة أراضيه، رحّب البيان بالمفاوضات المباشرة في واشنطن، للتوصل لاتفاق سلام دائم، دون ربطها بأيّ نزاعات أخرى، وأكّد الوزراء في بيانهم أنّ السيادة اللبنانية لا يمكن تحقيقها بوجود جماعات مسلحة غير حكومية خارج سلطة الدولة.

 وهكذا يتمّ اعتبار السيادة والاستقلال مرادفًا للاستسلام والخضوع الكامل للإرادة “الإسرائيلية”، كما يصبح لبنان شعبًا وجيشًا وجغرافيا، رهينًا للرغبات التوسعية “الإسرائيلية”، ورهينًا لعدوانية الكيان، ورهينًا للابتزاز الأميركي، ويتم إعادة تعريف العدوان على لبنان باعتباره حقًا “إسرائيليًا” مشروعًا، فقد تمّ إعادة تكييفه القانوني والسياسي حسب نصوص الاتفاق، بأنّ وجود حزب الله كتنظيمٍ معادٍ للكيان هو المسبب لذلك، أيّ إنّ نتيجة وجود الاحتلال، وهي المقاومة، أصبحت هي سبب وجود الاحتلال، في عملية إخلالٍ بأبسط قواعد المنطق، وفي اختلالٍ بصريّ بصيريّ في النظر للوقائع.

وكذلك فإنّ السلطة اللبنانية ارتكبت سابقةً خطرة في البند 13 من اتفاق الإطار، الذي لا يكتفي بإعفاء الاحتلال من جرائمه السابقة في لبنان على مرّ العقود، بل ويعفيه من جرائمه اللاحقة، وهذا صكّ براءةٍ مسبق، حتى من مجرد شكوى -حبر على ورق- في مجلس الأمن أو الأمم المتحدة، وكذلك جرائم الحرب الحالية والحروب السابقة، مثل مجزرة قانا الأولى والثانية، أو مجزرة صبرا وشاتيلا وغيرهما الكثير، كلها سقطت حسب نص الاتفاق.

إنّ هذا الاتفاق لو كان البحر مدادًا لما كفى لتغطية كل ما به من عوار قانوني وخضوع سياسي، ولكنّه يظلّ محاولةً أميركية للتنصل من الاتفاق الأميركي الإيراني، وللتغطية على الخضوع الأميركي البيّن للإرادة الإيرانية، في البند الأول من الاتفاق الذي اشترط وقف الحرب في لبنان، وليس من السهل نجاح هذه المحاولة الأميركية، لأنّ دونها العودة لإقفال مضيق هرمز واستعداد إيران للعودة للحرب، كما دونها استعداد حزب الله للإثخان في العدو وجنوده، وهذا ما سيجعل هذه المحاولات طلقةً في فلاة.

ايهاب زكي-العهد

ليست كل الاتفاقات تُختزل بما تكتبه في مقدماتها، بل بما تُخفيه في تفاصيلها. فكثيراً ما تُستخدم العبارات الدبلوماسية الرخوة لإحداث تحولات إستراتيجية عميقة، يكون أثرها أكبر بكثير من أي بند عسكري أو أمني مباشر.

ومن هذا المنطلق، لا يبدو البند الثالث عشر من اتفاق الإطار مجرد صياغة قانونية لتنظيم مرحلة تفاوضية، بل يمثل تحولاً في فلسفة التعامل مع إسرائيل، ويؤسس لمعادلة سياسية وقانونية جديدة تضع العدالة في مرتبة أدنى من “استقرار العلاقات”، وتحوّل حقوق الضحايا إلى ملف قابل للتأجيل والمساومة.

لقد أثار الاتفاق بمجمله نقاشاً واسعاً، إلا أن البند الثالث عشر تحديداً شكّل نقطة التحول الأساسية في الجدل؛ لأنه لا يتعلق بترتيبات أمنية أو تقنية، بل يعيد تعريف العلاقة بين لبنان و”إسرائيل” من زاوية قانونية وسياسية وأخلاقية، ويطرح أسئلة تتجاوز حدود التفاوض إلى طبيعة المشروع الذي يراد فرضه على المنطقة بأسرها.

ينص البند على التزام لبنان و”إسرائيل”، “انسجاماً مع هدفهما المشترك المتمثل في إقامة علاقات مستقرة وسلمية”، باتخاذ إجراءات بحسن نية، تشمل وقف كل الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية والقانونية الدولية.

قد تبدو العبارة للوهلة الأولى جزءاً من لغة دبلوماسية مألوفة، لكنها في حقيقتها تحمل أبعاداً تتجاوز ظاهرها بكثير.

وقبل التوسّع في تحليل هذا البند، يجدر بنا التذكير بعدم جواز فصله عن التطوّرات التي شهدتها المحافل والمحاكم الدولية بشأن الجرائم “الإسرائيلية” في فلسطين، وخصوصاً في غزة، والتي توجّت بإصدار مذكرة اعتقال بحقّ رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو نفسه.

كما لا يمكن فصله عن الجهود والموارد الهائلة التي استثمرتها إسرائيل وحلفاؤها لنقض هذه التطوّرات أو وقفها، وصولاً إلى تقويض مرجعية القانون الدولي ومؤسساته.

ومن أبرز هذه التدابير، فرض عقوبات أميركية على قضاة المحكمة الجنائية الدولية والمقرّرة الخاصة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلّة، فرانشيسكا ألبانيزي، والمنظمات الحقوقية الفلسطينية، فضلاً عن الإجراءات المتخذة ضدّ عدد من الأكاديميين والناشطين بسبب مواقفهم المناهضة للانتهاكات “الإسرائيلية”، بما في ذلك الإبادة الجماعية في غزة.

كما لا يمكن فصل هذا البند عن سلسلة المواقف اللبنانية الرسمية وغير الرسمية التي سعت، بدرجات متفاوتة، إلى تبرير الجريمة “الإسرائيلية” وتصغير شأن الخطاب الحقوقي بخصوصها، في سياق تحميل حزب الله وإيران المسؤولية الكاملة عن الحرب ومآسيها، وتزيين التقارب أو السلام مع “إسرائيل” كمدخل لاستعادة السيادة والازدهار.

وهذه المواقف تجد أصداءها واضحة في بنود أخرى من الاتفاق، خاصة ما يتعلّق بتصوير مسبّبات الحرب وسبل معالجتها لمنع توسّعها أو تكرارها.

كما ينبغي التنبيه إلى أن هذا الاتفاق تمّ التوقيع عليه بموافقة رئيسَي الجمهورية والحكومة، دون أن يُعرض على المجلس النيابي أي على المؤسسة الدستورية الوحيدة المنتخبة من الشعب، بحجّة أنه مجرّد قواعد أولية للتفاوض، رغم خطورة مضامينه. وهذا يطرح أسئلة جادّة حول مدى إلزاميّته ونفاذه.

منطق المساواة بين الضحية والجلاد

إنّ ما يثير الانتباه أولاً هو إدراج بند من هذا القبيل في اتفاق إطاري، إذ يُستدلّ من ذلك أن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي، والعدالة بشكل عام، تُعتبر في نظر هذين الجانبين مادةً قابلة للمساومة في السوق الدولية.

بل إن المساومة بشأنها تُصبح، وفق رؤيتهما، ضرورية لتحقيق “هدفهما المشترك” المتمثّل في “إقامة علاقات مستقرّة وسلميّة”، بحيث إن أيّ عمل مساءلة أو عدالة يبادر به طرف ضدّ الآخر في المحافل الدولية يُعدّ تهديداً لهذه العلاقات ونقضاً لهدف الاتفاق.

وبمعزل عن القيمة القانونية لهذا البند، فإن أيّ طرف، ولا سيما الطرف الأقوى “إسرائيل”، يمكنه التذرّع بخرقه للإخلال بالاتفاق، والتنصّل من المسؤوليات المترتّبة عليه.

وما يزيد من خطورة هذا البند هو صياغته المرنة القابلة للتوسيع، خاصة في ما يتعلّق بعبارتَي “اتّخاذ إجراءات بحسن نيّة تعكس نيّاتهما الإيجابية” و”وقف الأعمال العدائية أو الضارّة”، دون الإشارة إلى وجوب تفسيره وتطبيقه وفقاً لأحكام القانون الدولي.

ولقد جاء دفاع رئيس الحكومة نواف سلام في هذا الخصوص ليؤكّد هذا المنطق المساوماتي.

فمع اعترافه بأن القانون الدولي الإنساني لا يجيز التنازل عن ملاحقة الانتهاكات الجسيمة، اعتبر أن البند مبرّر لأنه يقيّد الدولة بصورة مؤقّتة نظراً لحاجات التفاوض، دون المسّ بحقوق الضحايا.

وأكّد أن الدولة تحتفظ بحقّ استخدام الملاحقة القضائية كسلاح في حال فشل المفاوضات، وأن الالتزامات المترتّبة على هذا البند هي التزامات سياسية بحتة، دون أيّ مفعول قانوني.

ولكن هذا الدفاع يشكّل في واقع الأمر حجّةً على الاتفاق، لا له، ناهيك عن كونه يموّه حقيقة ما يهدف إليه البند.

فكيف يمكن “تجميد” ملاحقة جرائم “إسرائيل” دون أن يُشكّل ذلك شكلاً من أشكال التنازل المحظور دولياً، خصوصاً وأن المفاوضات لا سقف زمنياً لها؟ وهل يُفهم من تصريحاته أن التنازل المؤقّت سيظلّ مؤقّتاً، أم أنه مرجّح للاستمرار والتحوّل إلى تنازل دائم إذا سارت المفاوضات على نحو جيد، خاصة أن البند صوّر هذا الالتزام كحاجة لبناء علاقات مستقرّة، وليس فقط لحاجات المفاوضات، وذلك في إطار اتفاق لا يعترف بالمرجعية الدولية؟ وكيف يمكن للفريق المفاوض أن يسمح لنفسه بالالتزام، ولو سياسياً، بما يعتبره القانون الدولي غير قانوني، علماً أن هذا القانون وُضع أصلاً لمنع إخضاع هذه الانتهاكات للمساومة؟ فضلاً عن ذلك، فإن دفاع سلام يضيق نطاق الالتزامات الناتجة عن هذا البند، فيقتصر على الشكاوى ضدّ الانتهاكات، متجاهلاً أنها تشمل نطاقاً أوسع بكثير، أبرزها الامتناع عن إعلان اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

وما يفاقم الأمر، أن هذا البند يلزم بالامتناع عن أيّ عمل عدائيّ أو ضارّ ضدّ “إسرائيل”، في وقت خلا الاتفاق من أيّ التزام “إسرائيلي” مماثل بالامتناع عن تكرار الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها على نطاق واسع، كنسف القرى، والتهجير الطائفي، والإخفاء القسري للمعتقلين اللبنانيين واستخدامهم كرهائن. وهذا يمهد الطريق لمزيد من الضحايا، هذه المرّة بتغطية من السلطة اللبنانية، وفي ظل الصمت الذي وعدت والتزمت به.

وتلك مشهدية سريالية لا يمكن فهمها إلا كنتيجة لهيمنة منطق التفوق العرقي الصهيوني على الاتفاق، حيث يكون الهدف بإقامة “علاقات مستقرة وسلمية” مهدّداً ليس بما قد ترتكبه “إسرائيل”، بل بما قد يقوم به لبنان من تمسّك بملاحقة هذه الجرائم. وهذا يقودنا إلى الملاحظة الثانية حول هذا البند.

العدالة تصبح ورقة تفاوض 

إن ما يلفت النظر أيضاً، هو انعكاس هذه المساومة على حقوق الضحايا الذين خذلتهم الدولة اللبنانية، رغم استثنائية الجريمة وحجمها. ولقد تجلّى ذلك بوضوح في الخطاب العام الرافض للاتفاق، وفي العنوان الذي اختارته المنظمات الحقوقية لبيانها.

ويشمل مفهوم الضحايا هنا ليس فقط الأفراد، بل الشعب برمّته، بما فقده من تراث ثقافي وثروات طبيعية، ومن بنى تحتية ومرافق عامة، دُمّرت كلها بشكل ممنهج في إطار مخطط واضح للتطهير العرقي ومحو القرى التي تعود لقرون، على غرار ما حدث في غزة والجليل.

وفي مواجهة هذا الاعتراض الواسع، سعى رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام إلى التقليل من تأثير هذا البند في الضحايا، مشدّدَين على أن الالتزام يقيّد الحكومة فقط لحاجات المفاوضات، فيما تبقى للضحايا كامل الحقّ في التقاضي ضدّ “إسرائيل”، وهو حقّ لا يمكن لأحد التنازل عنه أو تقييده وفقاً للقانون الدولي.

بل ذهب رئيس الجمهورية إلى دعوة نقابات المحامين لوضع خبراتهم في خدمة قضايا الضحايا.

لكن هذه التبريرات تتجاهل مسؤوليتها في اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة للتعويض عن الأضرار الشاملة التي لحقت بالشعب، والتي تعكس درجة عالية من الهمجية، على غرار ما يحدث في غزة.

والدولة وحدها تملك صفة الشكاية لدى مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة، أو السعي لمقاضاة “إسرائيل” أمام محكمة العدل الدولية، أو فتح باب المحكمة الجنائية الدولية من خلال إعلان الاختصاص.

ومن اللافت أن يحدث هذا التخلي عن حقوق الدولة بإرادة رئيسَي الجمهورية والحكومة، دون أيّ حاجة لموافقة المؤسسة الدستورية المنتخبة شعبيًا أي مجلس النواب.

كما تتجاهل هذه التبريرات مسؤولية الدولة في ضمان حق الضحايا في الولوج إلى العدالة الدولية، وتأمين الدعم اللازم لهم لإثبات الانتهاكات.

التطبيع مع الكيان “الإسرائيلي”

أما الملاحظة الأخيرة، فهي انعكاس هذا البند على علاقة لبنان بـ”إسرائيل” وموقفه من الصهيونية.

ففي حين يُفهم من البند الأول من الاتفاق أن لبنان اعترف بـ”إسرائيل” وحقها في الوجود، وطمح إلى بناء علاقة مستقرة وسلمية، يضيف هذا البند التزاماً لبنانياً بالامتناع عن أيّ موقف مناوئ لـ”إسرائيل”، وبالتالي عن أيّ موقف داعم للقضية الفلسطينية، وعن العقيدة العنصرية التي تقوم عليها الصهيونية.

وهذا ما يترتّب عليه التزام لبنان بإنهاء القوانين التمييزية ضدّ “إسرائيل”، أو الداعية إلى مقاطعتها، واعتماد الحياد السياسي والقانوني والأخلاقي تجاهها، بما يرمي إلى إلحاق لبنان بصفوف الدول التي تعيش على هامش الخير والشر.

واللافت أن هذا الالتزام بالحياد الشامل جاء شرطًا لمواصلة التفاوض، في وقت كانت “إسرائيل” لا تزال تعتدي على لبنان وتحتلّ مساحات واسعة من أراضيه. كأن “إسرائيل” أرادت بذلك إمعاناً في إضعاف لبنان، بتجريده من أسلحته القانونية والقضائية والدبلوماسية، بما يضمن استمرار هيمنتها عليه.

والواقع أن هذا البند يتعارض مع مجموعة من القواعد الدولية ذات القوة الدستورية، ومع عدد من القوانين الداخلية، كقانون مقاطعة “إسرائيل”.

ومن أبرز ما ينبغي التذكير به هنا، الميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي تم إقراره في جامعة الدول العربية عام 2004، وصادق عليه مجلس النواب اللبناني عام 2008، والذي نصّ بوضوح على رفض الصهيونية كما أيّ نظام عنصري، معتبراً إياها “انتهاكاً لحقوق الإنسان وتهديداً للسلم والأمن العالمييْن” (في الديباجة)، و”تحديّاً للكرامة الإنسانية وعائقاً أساسياً يحول دون الحقوق الأساسية للشعوب، ومن الواجب إدانة جميع ممارساتها والعمل على إزالتها” (الفقرة الثالثة من المادة 2).

وتكتسي هذه النصوص قوة دستورية، عملاً بالفقرة (ب) من مقدمة الدستور، التي توجب الالتزام بمواثيق جامعة الدول العربية ومواثيق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهو ما أكّده المجلس الدستوري اللبناني في قرارَيه رقم 1/2019 و6/2023.

ومن ثم، فإن تعارض اتفاق الإطار، وخاصة البندين 1 و13 منه، مع أحكام الميثاق العربي ذي القيمة الدستورية، إنما يُعدّ بمنزلة انقلاب دستوري بكلّ ما للكلمة من معنى، جرى بتوقيع سفيرة وموافقة رئيسَي الجمهورية والحكومة، دون أن يُعرض على مجلس النواب صاحب الصلاحية الوحيد بتعديل الدستور.

في النهاية؛ فإن ما يبعث على القلق، أن يكون لبنان في صدد ارتكاب الخطأ التاريخي نفسه الذي ارتكبته الدول العربية عام 1991، حين أسقطت قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي كان يدين الصهيونية كشكل من أشكال العنصرية، استجابةً للشرط الأميركي لمفاوضات مدريد.

ورغم أن تلك المفاوضات انتهت بالفشل، خرجت “إسرائيل” ببراءة ذمّة غير مستحقة، اتّسخت منذ ذلك الحين بوصمة الإبادة الجماعية، وهي بحاجة إلى من يبيّضها من جديد، وهذا هو ما يُخشى أن يتطوّع لبنان لفعله.

وهنا تتحول المعادلة من حماية الإنسان إلى حماية الجلاد، ومن الدفاع عن القانون الدولي إلى تعطيل آلياته، ومن دعم الضحايا إلى مطالبتهم بالصمت انتظاراً لسلام مزعوم لن يأتي أبدًا.

محمد الايوبي-العهد

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24