يا سيد، هل من كلمة أخيرة؟
أَلسْتَ من عاتبت رفيقك، الذكي اللمّاح، وقائد الاستخبارات «مرتضى»، لأنه وافق على البقاء في مُنشأة المريجة، بعد قصف مُنشأة «السيد»… وبقيت مذهولاً من ذلك؟

أَلَسْتَ من طلب شطب خرائط الأمكنة من جداول الأعمال، حتى ولو كان ذلك مُتعِباً للجميع، وليس فيه جزم بمنع العدو من الاقتراب؟
أَلَسْتَ من فرض على محيطه الشخصي، والحزبي، والعملي، تغيير قواعد الحياة اليومية، ما فرض جدول أعمال مُنهِكاً، فقط لكي لا تعطي العدو الفرصة؟

أَلَسْتَ من أحسن السير بين الحقول والألغام، ونجوت مرات كثيرة، وأنت المُلاحَق مُنذ عامين بصورة لصيقة، وأنت المُطارَد مُنذ عقد على الأقل في كل نواحي الأرض، وأنت العارِف بخبث العدو ودهائه؟

أَلَسْتَ من كان يعرف أن المعركة قاسية ولا رحمة فيها، وأن الخطأ يجلب الموت، وكنت تعاني الأمرَّيْن من حصول ذلك؟
أَلَسْتَ من قال للشيخ نعيم إنه يمكن للعدو قصفنا الآن، ونحن في الاجتماع، وليس عندنا جزم بأنه بات أعمى لا يرانا، وكنت تلحّ بالمزيد من الإجراءات حول الأمين العام؟

أَلَسْتَ من طاردك العدو سبعين يوماً كاملة، يسمع صوتك، ويلحق بك من بيت إلى بيت، وأنت تصيبه بالذعر كلّما نجوت، ثم تعطيه درساً في معركة أولي البأس؟
أَلَسْتَ من تلقّى، قبل أقل من شهر، تحذيراً مباشراً، بالاسم الثلاثي، من أنّك الهدف المركزي الأول للعدو في لبنان وخارجه؟
أَلَسْتَ من اختار الأمكنة الجديدة لحركتك، واجتماعاتك، وألغيت الكثير من العناوين منعاً للخطأ؟

أَلَسْتَ من واجه اختبارات تفوق قدرة دول، وعملت في ساحات بعيدة، تقطع الصحارى لأيام، ولا ينجح الأعداء في الوصول إليك؟
ألمْ تراوغ أكبر استخبارات العالم في مطارات وعواصم، وتركتها لا تلحظ لك أثراً في المدن الكبيرة… واختفيت عن الرادارات وأجهزة الاستخبارات الكبيرة؟

أَلَسْتَ من كنت تعطي الدروس لمقاومين من العرب الأَقحاح في كيفية التخفّي، وبناء الدفاع السلبي، وعدم التهاون مع قدرات العدو وإمكاناته، البشرية والتقنية، وكنت الناصح اللجوج؟
أَلَسْتَ أنت من تحايل على وصية السيد الكبير، وابتدعت مداخل ومخارج للكلام، وحوّلت المشورة للحلفاء إلى توصية مُلزِمة، فأصبت من دون إحراج القائد الحبيب؟

أَلَسْت أنت من قال إن السهو ممنوع مع هذا العدو، وكيف كنت تفكّر بعد عمليات اغتيال لأساتذة ورفاق درب؟
أَلَسْتَ من كان يقيس المسافة بين صخرة وصخرة، باحثاً بين الهضاب والأحراج عن زاوية تقيك حتى من ضوء القمر؟
أَلَسْتَ أنت من بقي في الخيام، خلال حرب تموز عام 2006، تُقاتِل وتُقاتِل، وتضرب وتنتقل من مكان إلى آخر، تحمل بين يديك غُرفة العمليات، وتُصيب من العدو مَقتلاً، وتبقى بعيداً عن الأعين والآذان…؟

أَلَسْتَ أنت كلّ ذلك وأكثر… فكيف لك أن تذهب إلى هذه الشقّة؟!
ما الذي جعلك تُقدِم على خطوة كهذه، وأنت من يعرف بالتفاصيل أن الأجهزة الأمنية العربية والعالمية تعمل ليلَ نهارَ على جمع كُل شيء عنك؟
تلك البناية، ومن ضمنها الشقّة، التي عملت فيها لسنوات، كانت معروفة بالكامل للعدو، وعندما تجنّب ضربها في الحرب السابقة، فهو فعل ذلك، لأنها كانت خارج برنامج أولوياته، ولأنه كان مُدرِكاً بالدليل أنها باتت مُعطّلة…

كيف لك أن تذهب بقدميك إلى حيث تقول التجارب إن العدو يُراهن كُلّ الوقت على هفوة بسيطة تُتيح له النفاذ إلى حيث يُريد؟ وكيف لك أن تفعل ذلك، وأنت العارف بأن بقاءك على قيد الحياة هو «تكليفك» كما كُنت تعرف، حتى ولو كنت تتوقّع الاستشهاد في وقت قريب؟
يحار المرء في فهم بعض الأمور.

فكيف مع رجال مثل «أبو علي»، رجل لم يكن مُتعَباً من الحرب، ولم يكن مُدبِراً هارباً من المُواجهة، ولم يكن خارج دائرة الفعل والعمل… ولذلك، تصبح الأسئلة، لائحة عتاب يطول.

لم يعد هناك مجال للبحث في قصص لا مكان فيها للعقل. ولم تعد هناك جدوى من السؤال عن أمور ليس فيها منطق ثابت!
ولأنّ الدرس كان قاسياً، وقاسياً جداً، وجب على من بيده الأمر، أن يُمسِك بالكتاب وأن يُمزّق كُل الصفحات المُتّصلة بما مضى، وأن يُعيد ترتيب المكان، ليس هرباً ولا خوفاً من القتل، ولا ضعفاً أمام عدو مارق لا ينفع معه شيء سوى الإزالة.

بات لِزاماً على كُل من بيده الأمر أن يعرف أن للعقل قدرة على التحمل، وأن المعركة باتت مُختلفة مع عدو، غيّر كثيراً من آليات تفكيره، وبدّل أدوات عمله، ورفع من مُستوى الخُبث والدهاء، ليصل إلى أعلى ما يُناسبه من سفك للدماء.

والدرس الأهم لكُل فرد يتصرف أنه معنيّ بهذه المعركة الكبيرة، هو العودة إلى الأصول، وإلى البحث مرة جديدة، في الانتقال إلى مرحلة المبادرة، ولنا حجّة في العبارة – المِفتاح: إن هبتَ شيئاً، فقع فيه!

ابراهيم الامين-الاخبار

     

الرابع والعشرون من تشرين الثاني، تاريخ لن ينساه الصهاينة كل ما تذكروا حربهم الأخيرة على لبنان، فبعد ضربات قاسية ومواجهات دامية استمرت لأكثر من شهر ونصف، تفاجأ جيش العدو بقدرة المقاومة على تصعيد عملياتها العسكرية كما ونوعا.

   

فلم يسلم أي شبر من الأراضي المحتلة من نيرانها، من الشمال المحتل حتى حيفا وكما كان يصف شهيدنا الأقدس: إلى حيفا، وما بعد حيفا، وما بعد بعد حيفا.

  

بلغ عدد العمليات العسكرية 51 عملية، 19 منها داخل الأراضي اللبنانية أي أثناء تصدي المقاومة لمحاولات، و 34 داخل الأراضي المحتلة، حيث استخدم فيها مختلف أنواع الأسلحة، من صواريخ أرض – أرض وصواريخ أرض – جو وصواريخ نوعية وموجهة، فضلا عن سلاح الجو أي المسيرات، أسفرت عن استهداف 6 آليات عسكرية وابعاد طائرة مسيرة، و 9 قواعد تابعة لجيش الاحتلال، فضلا عن اصابة 14 مستوطنة ومدينة، و5 مواقع وثكنات، اضافة الى 18 تجمعا لجنود العدو، ما أدى الى وقوع قتلى وجرحى.

  

وصل عمق الاستهداف في هذا اليوم الى أكثر من 150 كلم، حيث وثقت عدسات المستوطنين سقوط الصواريخ في تل أبيب وحيفا وصفد والمستوطنات الشمالية كافة، ما أحدث ثورة في الاعلام العبري حيث قال المراسل العسكري لموقع “والاه” : ألم يخبرونا بأنه تم تدمير 80% من الصواريخ والقذائف الموجودة لدى حزب الله؟

  

رأت الأوساط الصهيونية أن هذه الضربة الضخمة من حزب الله لم تكن فقط رد فعل، بل مرحلة جديدة من التصعيد يمكن أن يؤدي الى خسائر مادية واستراتيجية كثيرة، حتى أطلق الصهاينة على هذا اليوم اسم الأحد الأسود.

 

يوم ثقيل بل هو الأثقل على الكيان المحتل، أجبرت ملايين المستوطنين على الهروب الى الملاجئ، وأسقطت ادعاءات المسؤولين الصهاينة أمام جمهورهم فحزب الل لم يستعد عافيته فحسب بل قادر على زيادة رقعة الاستهداف، فأجمعت الآراء أن تصعيد المقاومة دفع قادة الاحتلال الى القبول بصفقة وقف اطلاق النار، فكانت الهزيمة يومها ليست هزيمة جيشٍ أمام آخر، بل هزيمة غطرسةٍ أمام تصميم وانكسار صمتٍ أمام صوتٍ يؤمن بحقه وهكذا كتبت الأرض سطورها: إن من يقاتل لأجل كرامته لا يُهزم.

 

إذاعة النور

سلسلة “أُولي البأس”… ليست مجرد عرضٍ للأحداث، بل هي وثيقة تاريخية، عبر حلقات يومية، تسطّر بطولات رجالٍ كتبوا بدمهم وصمودهم فصولًا ساطعة من تاريخ المقاومة.

“أُولي البأس”… حكاية الذين لم يُهزَموا، بل صنعوا بدمائهم ذاكرة المجد والخلود التي ستبقى حيّة.

اليوم السادس والخمسون / الأحد 17 تشرينَ الثَّاني 2024

الإعلام الحربي

سلسلة “أُولي البأس”… ليست مجرد عرضٍ للأحداث، بل هي وثيقة تاريخية، عبر حلقات يومية، تسطّر بطولات رجالٍ كتبوا بدمهم وصمودهم فصولًا ساطعة من تاريخ المقاومة.

 

“أُولي البأس”… حكاية الذين لم يُهزَموا، بل صنعوا بدمائهم ذاكرة المجد والخلود التي ستبقى حيّة.

 

اليوم الخامس والخمسون / السبت 16 تشرينَ الثَّاني 2024

 

العهد

سلسلة “أُولي البأس”… ليست مجرد عرضٍ للأحداث، بل هي وثيقة تاريخية، عبر حلقات يومية، تسطّر بطولات رجالٍ كتبوا بدمهم وصمودهم فصولًا ساطعة من تاريخ المقاومة.

“أُولي البأس”… حكاية الذين لم يُهزَموا، بل صنعوا بدمائهم ذاكرة المجد والخلود التي ستبقى حيّة.

اليوم الثالث والخمسون / الخميس 14 تشرينَ الثَّاني 2024

فِي إِطارِ الرَّدِّ عَلَى العُدوانِ الإِسرائيليِّ، وَدِفاعًا عَن لُبنانَ وَشَعبِهِ، نَفَّذَتِ المُقاوَمةُ الإِسلاميَّةُ يَومَ الخَميسِ، الواقِعَ فِيهِ الرّابِعَ عَشَرَ مِن تِشرينَ الثّانِي 2024، اثنَتَينِ وَثَلاثينَ عَمَلِيَّةً عَسكَرِيَّةً، استَهدَفَت فِي مُعظَمِها مُستَوطَناتٍ، مَواقِعَ، ثَكَناتٍ، وَتَجَمُّعاتٍ تَابِعَةً لِقُوّاتِ العَدوِّ الإِسرائيليِّ عِندَ الحُدودِ اللُّبنانيَّةِ – الفِلسطينيَّةِ، بِاستِخدامِ الصَّواريخِ وَالقَذائِفِ المَدفَعِيَّةِ.

وَعَلى صَعيدِ المُواجَهاتِ البَرِّيَّةِ، استَهدَفَ مُجاهِدو المُقاوَمةِ الإِسلاميَّةُ تَجَمُّعاتٍ وَتَحَرُّكاتٍ لِقُوّاتِ العَدوِّ الإِسرائيليِّ فِي مُحيطِ بَلداتِ طِير حَرفا، حُولا، مَركَبا، عَديثَةِ، الخِيامِ، وَمارونَ الرّاسِ، بِصَلِيّاتٍ صاروخِيَّةٍ وَقَذائِفَ مَدفَعِيَّةٍ، وَحَقَّقوا إِصابَاتٍ مُؤَكَّدَةً.

  

وَقَصَفَتِ القُوَّةُ الصَّاروخِيَّةُ فِي المُقاوَمةِ، بِصَلِيّاتٍ صاروخِيَّةٍ، عَدَدًا مِنَ القَواعِدِ العَسكَرِيَّةِ وَالمُستَوطَناتِ وَالمُدُنِ فِي شَمالِ فِلسطينَ المُحتلَّةِ، وَمِنها:

قاعِدَةٌ لُوجِستِيَّةٌ لِلفِرقَةِ 146 فِي جَيشِ العَدوِّ الإِسرائيليِّ شَرقيَّ مُستَوطَنَةِ نَهارِيَّا.

مُستَوطَناتُ نَهارِيَّا، وَيَسود هَمِعلاه.

وَفِي إِطارِ سِلسِلَةِ عَمَلِيّاتِ «خَيبر»، شَنَّتِ القُوَّةُ الصَّاروخِيَّةُ فِي المُقاوَمةِ هُجومًا بِصَلِيّاتٍ مِنَ الصَّواريخِ النَّوعِيَّةِ استَهدَفَ قَواعِدَ عَسكَرِيَّةً وَمُستَوطَناتٍ فِي فِلسطينَ المُحتلَّةِ، وَهِيَ:

قاعِدَةُ «سْتيلا ماريس» البَحرِيَّةُ شَمالِيَّ غَربِ حَيفا.

وَلِلمَرَّةِ الأُولَى، قاعِدَةُ «تَل حاييم» التّابِعَةُ لِشُعبَةِ الِاستِخفارَاتِ العَسكَرِيَّةِ، وَتَبعُدُ عَنِ الحُدودِ اللُّبنانيَّةِ – الفِلسطينيَّةِ مِئَةً وَعِشرينَ كيلومِترًا، فِي مَناطِقِ «تَل أَبيب».

وَفِي نَفسِ الإِطارِ، شَنَّتِ القُوَّةُ الجَوِّيَّةُ فِي المُقاوَمةِ هُجومًا جَوِّيًّا بِسَربٍ مِنَ المُسيَّراتِ الانقِضاضِيَّةِ عَلَى قاعِدَةِ «إِلياكيم» الَّتِي تَحتَوِي مَعسَكَراتِ تَدرِيبٍ تَتَبَعُ لِقِيادَةِ المَنطِقَةِ الشَّمالِيَّةِ فِي جَيشِ العَدوِّ الإِسرائيليِّ، وَتَبعُدُ عَنِ الحُدودِ اللُّبنانيَّةِ – الفِلسطينيَّةِ خَمسينَ كيلومِترًا، جَنُوبِيَّ مَدينَةِ حَيفا المُحتلَّةِ، وَأَصابَت أَهدافَها بِدِقَّةٍ.

وَاستَهدَفَتِ القُوَّةُ الجَوِّيَّةُ بِأَسرابٍ مِنَ المُسيَّراتِ الانقِضاضِيَّةِ مُستَوطَنَتَي يَرؤون وَعَين يَعقوب شَمالِيَّ فِلسطينَ المُحتلَّةِ.

أَسقَطَ مُجاهِدو المُقاوَمةِ الإِسلامِيَّةِ فِي وَحدَةِ الدِّفاعِ الجَوِّيِّ طائِرَةً مُسيَّرَةً إِسرائيليَّةً مِن نَوعِ «هَرمِز 450» فِي أَجواءِ القِطاعِ الشَّرقِيِّ، بِصاروخٍ أَرض – جَو.

وَفِي المُقابِلِ، أَعلَنَ جَيشُ العَدوِّ الإِسرائيليُّ عَن مَقتَلِ ضابِطٍ وَإِصابَةِ اثنَي عَشَرَ ضابِطًا وَجُنديًّا بَينَهُم إِصابَاتٌ خَطِيرَةٌ، خِلالَ الأَربَعِ وَالعِشرينَ ساعَةً الماضِيَةَ، نَتِيجَةَ المَعَارِكِ مَعَ حِزبِ الله.

وَأَفادَت وَسائِلُ إِعلامٍ إِسرائيليَّةٌ بِانفِجارِ طائِرَةٍ بِدونِ طَيّارٍ تابِعَةٍ لِحِزبِ الله فِي قاعِدَةٍ عَسكَرِيَّةٍ فِي مَنطِقَةِ «إِلياكيم» جَنُوبِيَّ حَيفا، حَيثُ تَسَبَّبَت بِوُقُوعِ إِصابَاتٍ فِي صُفُوفِ الجَيشِ الإِسرائيليِّ.

وَقَد سُجِّلَ فِي هَذا اليَومِ إِطلاقُ صَفّاراتِ الإِنذارِ ستًّا وَعِشرينَ مَرَّةً فِي مُختَلِفِ مَناطِقِ فِلسطينَ المُحتلَّةِ، وَتَرَكَّزَت فِي مُستَوطَناتِ الجَليلِ الأَعلَى وَالأَسفَلِ، وَعَلى الخَطِّ السّاحِلِيِّ مِن رَأسِ النّاقُورَةِ شَمالًا حَتّى مُستَوطَنَةِ نِتانيا جَنُوبًا.

المصدر: الإعلام الحربي

إنه التاسع والعشرون من تشرين الأول عام 2024. لم تكن تعرف الحاجة لينا حمامص أنه سيكون مختلفًا عن كل ما عرفته سابقًا.

حسبته يومًا عاديًا من أيام الحرب، وهي التي كانت قد قررت أن تصمد في بلدتها كفرتبنيت طيلة حرب الإسناد لغزة ومعركة أولي البأس، يرافقها ابنها علي قاطبي.

كان يومًا عاديًا -كما تخيلته- كانت تحضّر فيه ابنة الجنوب العشاء لولدها وأخيها.

الساعة كانت تشير إلى السادسة و17 دقيقة من بعد الظهر، عندما سمع من في المنزل صوت أول صاروخ، فشعروا كم كان قريبًا. سمعوا صوت الصاروخ الثاني.

همّ علي نحو الشرفة ليشاهد أين وقع، وما إن وقف، حتى رأى الجميع لونًا أحمر يتوهج في المكان وسمعوا صفيرًا عاليًا، وجاءهم الصاروخ الثالث في قلب البيت، مزق الجدران التي احتضنت دفء الأيام الجنوبية، وخَلع النوافذ، وذرّ الذكريات فوق الركام.

نادى الجميع “يا الله” “يا الله”. شاهدت أم علي بأمّ عينها كيف طار ابنها نحوها، وتهاوى السقف عليها، ورأت أخاها يسقط في حفرة أعمق إلى الأسفل نتيجة الانهيار، حتى باغتهم صاروخ رابع، فاختطلت أنفاسهم بالدخان.

لم يمهلهم الصوت وقتًا للهروب، كان أسبق من الصرخة. امتلأت الأرض بأشيائهم. هنا أغراضهم، ويد تبحث عن يد أخرى تحت الركام.

تحت الأنقاض كانت محاصرة بين كتل الإسمنت والسقف المتهاوي. أرادت أم علي أن تصرخ ولكن شيئًا في صدرها منعها. كان ابنها، ساكنًا في حضنها كما اعتاد، قدماه على خديها. لم يكن يستطيع الكلام. وكانت كلما سألته عن حاله أجابها بتحريك قدميه.

أتى المسعفون أول مرّة، يتسلل صوتهم من بين الأنقاض: “هل من أحد هنا؟”. لم يكن الصوت عاديًا، كان أشبه بيد تمتد وسط العتمة. صاحت أم علي بكل ما فيها من قوة: “أنا هنا تحت الأنقاض”.

بين صدى الركام لم يكن صوتها مسموعًا. وصوت مسيرّات العدو يطغى على المكان. غادر المسعفون وبقيت أم علي ترفض إعلان الرحيل، وهي تحتضن الدفء الأخير لجسد ابنها.

في لحظة؛ عمّ الظلام وغابت الأصوات. الهاتف بيد أم علي ولكن “لا إرسال أو إشارة” للتواصل. بات شاهدًا فقط على الدقائق التي تحولت إلى ساعات. كانت تسمع صوت نفس أخيها المتقطع، فتكافح ليبقى هادئًا، بينما هي محاصرة تحت جدار.

ساعتان وأم علي تحتضن جسد ولدها، بانتظار عودة المسعفين. شعرت أن أنفاسه تتباطأ، وبدأ جسمه يبرد تدريجيًا، كأن الروح انسحبت منه على استحياء. فجأة توقف عن الحركة. لا أنفاس ولا رجفة. حدثته، ونادته، ولكن هذه المرة كان الجواب ساكنًا. أدركت الحقيقة، وبدأ قلبها يقاوم الألم، تتمسك بالحياة، تحاول إخفاء الأمر عن أخيها كي يبقى متماسكًا. تحدث نفسها أنه نال ما تمنى.

الركام فوقها والحطام حولها، وجسد ابنها البارد في حضنها، فلا حضن مهما كان دافئًا يردُّ المغادر. لم تكن تدري أنها ستكون آخر وسادة يضع رأسه عليها وآخر حضن يعرفه.

عاد المسعفون عند الساعة الحادية عشرة، ولكن عبثًا، لم يكن صوت أم علي وأخيها مسموعًا. غادروا؛ وبقيت أم علي تصارع ظلمة الأنقاض.

وسط الغبار، كانت الأم تزحف ببطء وحذر، تحت الركام الثقيل، تحرك يديها، وتحاول أن تفتح فتحة صغيرة تسمح بدخول الهواء أو إخراج يديها منها.

أحست بالثقل، ولكنها لم تفقد الأمل رغم الوهن والتعب. أغلقت الفتحات التي تُطل على المطبخ بالوسادات، كي تمنع تسرب الغاز نحوهم.

ليل طويل وأنفاس ثقيلة، والساعة تمر ببطء شديد. لم تكن هناك أصوات سوى أصوات التنفس الخافتة. والذكريات تنهال على أم علي واحدة تلو الآخرى، وكأنها تخفف عنها وتمسح على قبلها بالسكينة. ابتسمت رغم الغبار، والحطام، والفقد.

وسط كل ذلك، لم تكن وحدها، كانت في حضرة اللطف، في كنف من لا يُغلق بابه. وها هو اللطف الإلهي كنسمة خفيفة يتسلل بين الخراب ليحييها من بين الصخور. فعندما شعرت كأنها تودع الحياة، نتيجة العطش الشديد، كان الماء قد بدأ يتسلل من الخزان، كأنه بارقة أمل وسط الدمار، وفي جانبها “كيس المحارم” الذي كانت تهم بفتحه قبل الغارة، وكأن الله رسم لها كل شيء.

بيدين متعبتين، كانت تمسك المحارم التي تبتل سريعًا، تجمع بها قطرات المياه المتساقطة ببطء من شق السقف المنهار، فتعصرها في فمها.

صوت المياه كان يهمس بألم المكان ولكن أم علي قوية كما عهدها الجميع دائمًا.

ظلت تحاول أن تشق طريقها وسط الأنقاض طوال الليل، حتى شعرت فجرًا، بالضوء الخافت الذي تسلل من الخراب، كأنه أمل صغير أصر أن يقاوم. نادت: “قليلًا يا أخي وسيصل المسعفون”، مردفًة: “الضو بلش يشقشق وشوي بيجو أكيد”.

دقائق معدودة، وسمعت صوتًا، كان صوت حفر وأقدام، فحاولت أن تضرب بيدها على الركام، ونجحت محاولات الليل الطويل، فخرج صوتها من بين الأنقاض. سمع المسعفون أصوات استغاثة. أوقفوا الحفر، وبدأوا بإزالة الإسمنت والحديد وبقايا الجدران. كل حجر كان يُرفع يزيح عمرًا من الذكريات.

اقترب المسعف، عيناه تتفادى عينيها، وقال بلطف “علينا أن نسحب جثمان الشهيد”. صرخت أم علي: “لا”.

طلبت منهم التمهل: “دعوني أودعه كما يليق بالأم”. تأملته، أحاطته بذراعيها، كما لو أنها تستطيع أن تقيه من كل شيء حتى الموت.

في كل ليلة عندما كانت أم علي تقبل جبين ابنها، كانت تشعر بدفء وجهه يتسلل إلى ناحية قلبها. كان قاسيًا عليها أن تضع يديها على خده فتشعر بالبرد. كانت تريد أن ترتشف من عينيه آخر نظرة، تكفيها لما تبقى من عمر، فما أصعب الصقيع الذي سرى من وجهه إلى قلبها.

عندما سحب المسعفون جثمان ابنها عنها، خرجت أم علي بمفردها، لم تحتج المساعدة، نظرت إلى الضوء وكأنه بداية جديدة من حياتها، واكتفت بقول: “الحمد الله”. ثماني عشرة ساعة تحت الركام كانت كفيلة أن تعيد ترتيب كل شيء داخلها. كم هي قوية، جميلة، صابرة، محتسبة، وصامدة.

ايمان مصطفى-العهد

بعد تحرير العام 2000 شرع العدو الاسرائيلي بالتحضير لعملية انتقامية ضخمة ضد بنية المقاومة في لبنان.

العملية هذه كانت مقررة في تشرين الأول من العام 2006، الا أن أسر الجنديين الإسرائيليين على يد المقاومة الإسلامية في لبنان سرّع الاقدام على هذه العملية التي كان حصيلتها 121 جنديًا صهيونيًا، ونتج عنها اعلان لقرار 1701 بالإضافة إلى تشكيل لجنة “فينوغراد” من الجانب الإسرائيلي، والتي بنى عليها نظرية المعركة بين الحروب في التعامل مع حزب الله، بنية تدمير القدرة عبر الاغتيالات واستهداف القدرة النوعية للمقاومة، إضافة إلى تفخيخ أجهزة النداء والتي جرى العمل عليها منذ العام 2018، كل ذلك تمهيدًا لحرب تنهي مشروع المقاومة في لبنان.

لقد أبدى العدو استعداده للتصعيد المباشر، بالتزامن مع بدء معركة اسناد غزة بعد عملية “طوفان الأقصى” التي قامت بها حركة حماس في غزة في 7 تشرين الاول 2024.

ارهاصات الحرب

رغم اعلان سيد شهداء الامة عن عدم نية لبنان الذهاب الى حرب، وتصرف حزب الله بحكمة على المستوى العملياتي في الرد على استهداف القادة كي لا تذهب الأمور الى حرب واسعة؛ الا ان مجلس الحرب الصهيوني المصغّر بدأ في شهري تموز واب من العام 2024 مداولات جدية للتصعيد العسكري في لبنان، وقد تأكدت هذه النية عند استهداف القائد الجهادي السيد “فؤاد شكر” في قلب الضاحية في 30 تموز من العام 2024.

بعد ذلك أتى تصرف العدو بإجرام منقطع النظير في 17 و18 أيلول عندما قام بتفجير أجهزة النداء- “بيجرز” والأجهزة اللاسلكية وذلك قبل الموعد المقرر للتفجير، لورود معلومات لدى العدو عن شكوك لدى المقاومة حول هذه الأجهزة.

لاحقًا في 19 أيلول عقد قادة الاحتلال جلسة لاستغلال حالة الصدمة لدى المقاومة والشروع بتنفيذ العمل العسكري المقرر ضد لبنان.

مع العلم ان العديد من الوثائق الإسرائيلية كانت تؤكد النية المبيّتة لدى العدو لشن هجوم واسع على لبنان، وقد عبر عن ذلك قادة الاحتلال العسكريين والسياسيين بعشرات التصريحات منذ العام 2006 وحتى العام 2023.

بدأ العدوان على لبنان في ال 20 من أيلول 2024 أي بعد يومين من عملية تفجير أجهزة الاتصال اللاسلكي، قام العدو باستهداف قادة من قوة الرضوان في المقاومة خلال اجتماع لهم في الضاحية الجنوبية لبيروت. في اليوم التالي للاغتيال اطلق حزب الله 90 صاروخًا على “صفد” و”كريات شمونة”، ليرد العدو ب 200 غارة مركّزة في الجنوب والبقاع. تلى ذلك في 23 أيلول قيام العدو بحملة جوية على الأراضي اللبنانية بحوالي 1600 غارة جوية بمشاركة 250 طائرة حربية، أدت الى نزوح الأهالي عن بيوتهم في الجنوب والبقاع، وقد اسمى العدو هذه العملية ب”سهام الشمال”.

في النهار ذاته جرى اتصال بين مستشار الامن القومي الأمريكي “جيك سوليفان” ووزير الشؤون الاستراتيجية الصهيوني “رون ديرمر” هدفت الى التوصل لاتفاق وقف اطلاق نار للذهاب الى مفاوضات أوسع في الجانبين اللبناني والفلسطيني (في غزة)، وقد وافق سيد شهداء الامة على هدنة مدتها 21 يومًا، الا ان مسار الاحداث تدحرج عندما اتخذ رئيس وزراء العدو “بنيامين نتنياهو” قرار اغتيال امين عام حزب الله السيد حسن نصرالله في 27 أيلول أي بعد أيام قليلة على التداول في موضوع الهدنة. بعد ذلك وتحديدًا في 30 أيلول أعلنت وزارة الخارجية الامريكية دعمها لانطلاق عملية برية إسرائيلية محدودة في جنوب لبنان.

العملية البرية

بعد منتصف ليل الأول من تشرين الأول 2024 اعلن المتحدث باسم الجيش الصهيوني بدء عملية ضد ما اسماها “اهدافًا نوعية” في عدد من القرى الحدودية اللبنانية. الا ان الحقيقة كانت ان العدو يسعى الى انشاء منطقة عازلة بعمق 15- 16 كلم داخل الأراضي اللبنانية بحسب ما صرح به مسؤول امريكي لقناة “ان- بي- سي” واكده الاعلام الإسرائيلي. لقد استفاد العدو من حروبه السابقة ولم يعد يعلن الأهداف الحقيقية لعملياته العسكرية كي لا يُحرج امام الجبهة الداخلية الاسرائيلية وامام الرأي العام الدولي الذي يمده بالسلاح والتمويل دون تحقيق أهدافه، وتحسبًا لقوة الدفاع التي قد تواجهه مع المقاومة، أي ان شكل المعركة وتدحرجها اثبت ان النية المبطّنة للعدو هي القضاء على المقاومة في لبنان.

تأخرت العملية البرية بفعل عملية “الوعد الصادق 2” التي نفذتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية ردًا على اغتيال سماحة السيد حسن نصر الله والشهيد إسماعيل هنية (اغتاله العدو الصهيوني في 31 تموز 2024 في طهران)، عبر استهداف قاعدتي سلاح الجو “نيفاتيم” و”تل نوف” في كشف واضح عن ضعف الدفاعات الجوية الصهيونية.

بدأت العملية الصهيونية في الجنوب اللبناني، مع خشية صهيونية واضحة من العملية، برزت هذه الخشية في أسلوب التقدّم الحذر الذي اتبعه العدو، وعلى الرغم من هذا الحذر قُتل 14 جنديًا صهيونيًا في الساعات الأولى في كل من العديسة ومارون الرأس الحدوديتين، بالتزامن مع اطلاق المقاومة 180 صاروخًا على صفد، نهاريا، حيفا وعكا، في تأكيد واضح على ان المقاومة تجاوزت حالة الصدمة التي سعى العدو الى خلقها بما فعله في سابق الأيام، واظهارًا للتعافي العملياتي السريع لدى المقاومة بكافة أركانها، رغم الاستمرارية للغارات الجوية والقصف دون توقف من قبل العدو إضافة الى الاطباق الجوي الاستخباري الذي اختلقه العدو بسلاح المسيرات على كافة الأراضي اللبنانية.

في منتصف ليل الثالث من تشرين الأول، نفذت طائرات العدو عملية اغتيال في الضاحية الجنوبية لبيروت، اسمى العدو العملية باسم “ضوء القمر” وقد اسفرت هذه العملية عن اغتيال الأمين العام المنتخب سماحة السيد هاشم صفي الدين، في محاولة يائسة من العدو لقطع سبل الإدارة والسيطرة والترميم لدى المقاومة، ثم قام العدو باستمرار قصفه على النقطة المستهدفة لكل من يحاول الاقتراب لرفع الأنقاض ومحاولة انقاذ السيد صفي الدين ومن معه في ترسيخ واضح للهمجية والإرهاب الذي يتعامل به العدو دون ادنى المعايير الإنسانية والأخلاقية، ليتم رفع جثمانه الطاهر في 23 تشرين الأول.

أدى هذا الاغتيال الى ترسيخ نمط القتال الاستشهادي لدى المقاومة عوضًا عن ارهابها؛ المقاومة التي تولى امانتها العامة سماحة الشيخ نعيم قاسم دون الإعلان عن ذلك قبل التأكد من استشهاد السيد هاشم صفي الدين. على ضوء الاستهداف الحاصل في الثالث من تشرين الأول، نقذ حزب الله بعد ساعات من الاغتيال عملية واسعة استهدفت القواعد العسكرية الجوية في الشمال الفلسطيني المحتل ومنطقة الكريوت في حيفا بمئات الصواريخ، بالتزامن مع مقتل جنود إسرائيليين في اشتباكات العديسة ومارون الراس ويارون. تلى ذلك 18 هجومًا بريًا وجويًا منفصلًا خلال يوم واحد في 5 تشرين الأول، من بينها استهداف قاعدة 7200 جنوب حيفا بواسطة مسيرتين.

أدت هذه العمليات الى تصاعد المخاوف داخل الكيان بشأن صعود قدرات حزب الله، على الرغم من تصريحات مسؤوليه التي زعمت ان قدرات الحزب تقلصت الى حد كبير. في العاشر من الشهر نفسه، شنت المقاومة هجومًا جويًا بواسطة مسيرات انتحارية استهدفت قاعدة الكارياه، التي تضم مقرات عسكرية رئيسية، بما في ذلك وزارة الحرب وقيادة الجيش الصهيوني. وبعد يومين أي في 12 من تشرين الأول انتقل العدو الى المرحلة الثانية عبر رفع الضغط الميداني، ليرد الحزب بسلسلة هجمات دقيقة كان أولها مصنعًا للمتفجرات في حيفا، تلاها في ليل 13 تشرين الأول، هجومًا مسيّرًا على قاعدة “بنيامينا”، اسفر عن مقتل 4 واصابة 67 كلهم من لواء غولاني، وقد وصف الاعلام العبري العملية بالقاسية والمؤلمة والأكثر دموية.

أدت العملية الى زوال النشوة المؤقتة التي أصيب بها العدو في دليل واضح لكل من حكومة العدو وجبهته الداخلية بان المقاومة حاضرة في كل ميادين العمل العسكري. في 19 تشرين الأول، استهدفت المقاومة منزل رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” في تحدي مذل للمنظومة الدفاعية للجيش الصهيوني. استمرت عمليات المقاومة بالتصاعد الى ان وصلت الى ذروتها في 25 تشرين الأول ليعلن حزب الله عن 48 بيانًا خلال يوم واحد، بالتزامن مع محاولات التقدم الصهيوني في قرى شمع والخيام، واشتداد المواجهات البرية في قرى الخيام، قوزح، طيرحرفا، الطيبة، وهي مواجهات اخذت فارقًا نوعيًا في الحرب، فمنعت العدو من التقدم الى مدينة صور في القطاع الغربي ووضعت حدًا لهجومه جنوب الليطاني في القطاع الشرقي.

في 30 تشرين الأول أعلن حزب الله عن تعيين الشيخ نعيم قاسم، امينًا عامًا لحزب الله، بعد ان كان يتولى القيادة منذ اغتيال السيد هاشم صفي الدين. ساهم هذا الإعلان في رفع معنويات الجمهور والمقاومة، خصوصًا عبر اطلالاته الإعلامية، التي اعلن من خلالها تسمية الحرب التي تخوضها المقاومة الإسلامية ب”اولي البأس”، في تحد واضح للعدو عن استمرار حزب الله في ترميم قدرته والتعافي الشامل. تزامن هذا الإعلان مع استهداف قاعدة “تل نوف” قرب “تل ابيب” بصواريخ دقيقة أدخلت الى المعركة مثل صاروخ “قادر” و”عماد” الاستراتيجيين لتعزيز فعالية عمليات المقاومة. أدت هذه العمليات الى تكثيف العدو لقصفه اليومي على بيروت وضاحيتها الجنوبية في محاولة يائسة أخرى لكسر المقاومة وإرهاب المدنيين ولكن دون جدوى بفعل استمرار المقاومة بالعمليات والتصعيد الميداني.

بعد ما اثبتته المقاومة من تصاعد مستمر في عملياتها، بدأ كيان العدو اتصالاته بواشنطن بهدف لقاء المبعوث الأمريكي “عاموس هوكشتاين”، الذي زار لبنان مرتين بهدف تفعيل التفاوض والمضي باتجاه حراك دبلوماسي عاجل لوقف اطلاق النار، تفاديًا لحرب استنزاف سعى حزب الله الى تطبيقها على العدو، إضافة الى سعي العدو لاستثمار إنجازاته بسرعة قبل ان تؤدي عمليات المقاومة الى تغيّر قد يحصل في الجبهة الداخلية والاعلام الصهيوني المعارض لحكومة نتنياهو.

مع استمرار عمليات المقاومة التي بلغت ذروتها في 24 تشرين الثاني، وهو اليوم الذي اطلق عليه الإسرائيليون اسم “الاحد الأسود”. ففي هذا اليوم نفذ حزب الله اكبر عدد من عملياته منذ بدء الحرب، بواقع 51 عملية شملت اطلاق 350 صاروخًا، من بينها استهداف قاعدة حيفا التقنية، إضافة الى اطلاق صاروخ “فاتح 110” الذي احدث دمارًا واسعًا في عمق “تل ابيب”. وقد اعلن الإسعاف الصهيوني عن إصابة 11 شخصًا في نهاريا، حيفا، بيتاح تكفا شرق تل ابيب، وكفار بلوم في الجليل الأعلى.

كما وأكدت القناة 13 العبرية اندلاع حرائق في مواقع متعددة نتيجة إصابات مباشرة بالصواريخ، مشيرة الى ان مدينة حيفا بدت مشتعلة ومهجورة وكادت تغلق بالكامل. اكدت هذه التقارير عدم قدرة العدو على لجم المقاومة عن الاستمرار بعملياتها والتصاعد اليومي، رغم التفوق التكنولوجي والاطباق الجوي شبه التام الذي عوّل عليه العدو في إنجاح حربه الفاقدة لكافة المعايير، وبالتالي رسخت المقاومة فكرة ان لا مأمن في العمق الصهيوني في ظل الحرب الشعواء.

وبذلك، يمكن اعتبار أداء مسيّرات المقاومة بين تشرين الأول وتشرين الثاني 2024 ناجحًا على المستويين الميداني والسياسي، إذ ساهم بفعالية في خلق بيئة ضغط دفعت الاحتلال إلى التفكير جديًا بإنهاء القتال عبر مسار تفاوضي. وخلال هذه الفترة، نفّذت المقاومة سلسلة من العمليات النوعية؛ من بعض ما شملته:

40 اشتباكًا مباشًرا مع العدو / استهداف قاعدة عسكرية في “ناشر” / استهداف تجهيزات فنية والفوج اللوجستي الإقليمي / ضرب 8 مقرات قيادية مستحدثة / استهداف 38 تحرّكًا لجنود العدو / تدمير 3 قواعد دفاع جوي / ضرب 16 نقطة تموضع / استهداف 4 مقرات احتياط في الفيلق الشمالي – قاعدة عميعاد / استهداف 45 ثكنة عسكرية / إسقاط عدد من الطائرات المسيرة من طراز “هرمز 450″ و”هرمز 900” / استهداف 6 منشآت للصناعات العسكرية الإسرائيلية.

في مقابل ذلك، فشلت الغارات الجوية وعمليات التوغّل البري في تحقيق أهدافها المضمرة، وعلى رأسها تدمير البنية التسليحية للمقاومة. فقد واصلت المقاومة إطلاق الصواريخ والمسيّرات باتجاه العمق الإسرائيلي، بالتوازي مع تصدٍ شرس لمحاولات التوغّل، فيما أكدت المعطيات الميدانية استمرار التنسيق الفعّال بين القيادة والميدان، وصمود منظومة الاتصالات بعد التعديلات الطارئة عليها، على الرغم من الخرق الصهيوني لها.

ميزان الردع

على الرغم من الشراسة غير المسبوقة التي اتّسم بها عدوان الاحتلال، إلا أن سلوكه أظهر التزامًا بسقوف واضحة في استهداف البنية التحتية والمدنيين، وهو ما يعكس الأثر المتراكم للردع الذي رسّخته المقاومة الإسلامية خلال السنوات الماضية. وفي الوقت الذي لجأ فيه العدو إلى تنفيذ عمليات أمنية وعسكرية، امتنع بدرجة كبيرة عن اعتماد نمط القصف العشوائي الواسع (باستثناء نهار بداية العدوان في 23 أيلول وبعض الضربات المتفرقة خلال العدوان)، هذا الانضباط لم يكن وليد اعتبارات إنسانية، بل جاء نتيجة توازن ردعي مدروس وقواعد اشتباك عسكرية صارمة، وتهديد المقاومة لمستوطناته المدنية وعدم قدرتهم على حمايتها بالأنظمة الصاروخية، كما وتأثّر بعوامل متداخلة من بينها هواجس التصعيد ومخاوف الانزلاق نحو مواجهة شاملة خارجة عن السيطرة.

اتّسم السلوك الصهيوني بمفارقة واضحة: تصعيد متدرّج ومدمّر ضد البنية القيادية والعسكرية للمقاومة، يقابله امتناع محسوب عن توسيع دائرة الاستهداف ضد المدنيين. وقد تجلّى ذلك في إنذارات القصف المسبقة واستهداف مراكز مدنية محددة ذات صلة بالمقاومة، كالمؤسسات الصحية والمالية والإعلامية، من دون التوسّع في ذلك، ما يدلّ على إدراك العدو للردع القائم وحساسية جبهته الداخلية، التي لم تكن لتتحمّل تصعيدًا مضادًا على المستوى المدني، خصوصًا في ظل قدرات المقاومة التي أثبتت فاعليتها في استهداف “تل أبيب” والبنى التحتية الحيوية للكيان في لحظات حاسمة من الحرب.

اتفاق وقف اطلاق النار

أخفق العدو ميدانيًا في تحقيق تغيير جوهري على الجبهة اللبنانية خلال العملية البرية، لكنه مهد لاستحداث منطقة عازلة عبر تدمير المنازل وحرق الأراضي في الجنوب والذي كان عاملًا مهمًا في خطته لليوم التالي للحرب، وعجز ايضًا عن فرض سيطرة مستقرة على الأرض رغم مشاركة خمس فرق قتالية. مقابل ذلك، نجحت المقاومة في تعزيز مواقعها والحفاظ على قدراتها القتالية والصاروخية، والتكيّف المرن مع متغيرات الميدان. كما تهاوت رهانات العدو على سياسة الاغتيالات، التي لم تحقق تحولًا جذريًا في الميدان، ما دفعه إلى التراجع خطابيًا والإيحاء بأن العملية البرية كانت “محدودة”.

مع تراكم التكاليف البشرية والنفسية والاقتصادية، تصاعدت الدعوات داخل الكيان لوقف الحرب، وأظهرت استطلاعات الرأي تشكيكًا متزايدًا بجدوى التصعيد على جبهتي الشمال والجنوب، فيما عادت المعارضة السياسية إلى الواجهة مطالبة بإسقاط حكومة “نتنياهو”. وترافق هذا التراجع مع مشاكل في الجبهة الداخلية وإدراك القيادة الصهيونية، وعلى رأسها “نتنياهو”، استحالة تحقيق النصر العسكري الموعود، ما دفعه إلى إنهاء العملية بعد نحو شهرين والانتقال إلى الدور الأمريكي المساند للاحتلال في إدارة وقف إطلاق النار. وفي هذا السياق، زار الوسيط الأميركي بيروت بتاريخ 19 تشرين الثاني حاملًا ورقة تدعو لبنان للقبول بالشروط الأميركية- “الإسرائيلية”، وتقترح تعديلات على القرار 1701، في محاولة لفرض “الاستسلام” تحت ضغط المعركة، بعد إخفاق الاحتلال في تحقيق أهدافه المضمرة ميدانيًا.

عملت واشنطن من موقعها كطرف منحاز للكيان على إدارة مسار وقف إطلاق النار عبر أدوات ضغط متعددة على الطرفين، من أجل إنجاز الاتفاق في ظل ضيق الوقت أمام إدارة الرئيس الأمريكي “جو بايدن”، وتقدير الاخيرة بعدم جدوى حرب الاستنزاف على الكيان الصهيوني، مع تحديد مهلة أسبوع لتوقيع الاتفاق، وبخاصة بعد الضربات النوعية التي نفّذتها المقاومة، مما اضطر العدو إلى القبول بوقف إطلاق النار الذي بدأ سريانه فجر الأربعاء 27 تشرين الثاني.

ما بعد الحرب

في فجر وقف اطلاق النار-الحدود الشرقية للبنان، بدأت تحركات جماعة “هيئة تحرير الشام” وسقط النظام السوري بعد 12 يومًا في 2024-12-8، ضمن مخطط إقليمي ودولي يهدف إلى قطع شريان الدعم الأساسي عن حزب الله ومنعه من إعادة ترميم قدراته العسكرية واللوجستية بعد الحرب، إذ رأت “إسرائيل” وحلفاؤها أن أي استقرار أو قوة متجددة في سوريا يشكل بيئة حاضنة لاستمرار فاعلية المقاومة وتطوير تسليحها. لذلك جرى العمل على ضرب سوريا سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا لحرمان محور المقاومة من العمق الاستراتيجي الذي وفرته له سوريا طوال العقود الماضية.

وضمن سلسلة استثمار العدوان، لجأ الاحتلال إلى إجراءات ميدانية واستخباراتية تمثّلت بتمديد فترة الانسحاب المقرّرة لـ 60 يومًا مخترقًا اتفاق وقف إطلاق النار، ومستفيدًا من ضعف الحالة الوطنية لدى السلطة اللبنانية المستجدة، كما نفّذ الاحتلال توغلات إضافية واغتيالات وتدمير البنى التحتية في المناطق الحدودية، مع عمليات تضليل للمجتمع الدولي ومحاولة شرعنة برنامجه العدواني الجديد، من خلال خرق تفاهمات القرار 1701 واحتلال بعض النقاط الحدودية في الجنوب اللبناني. كما أراد العدو ومعه الولايات المتحدة فرض واقعٍ ميداني جديد، فرغم وضوح الاتفاق وآلية تطبيقه، أبرما اتفاقًا جانبيًا منح الأمريكي حرية الحركة في لبنان لصالح الكيان الصهيوني.

وفي العودة الى فجر يوم الأربعاء 2024/11/27، وعلى عكس التوقعات الصهيونية، عادت العائلات اللبنانية إلى قراها في جنوب لبنان مرفوعة الرأس، متحدية الالة العسكرية الإسرائيلية، في مشهد يبرز التناقض بين حالة المدنيين في الجنوب اللبناني ووضع المستوطنين في شمال فلسطين المحتلة.

تتجسّد عناصر ثبات مجتمع المقاومة وقوّته بصموده وصبره في معركة “أولي البأس”، وشجاعته وإقدامه بعد انقضاء مهلة الستّين يومًا من وقف إطلاق النار، لتحرير قراه الأماميّة باللحم الحيّ والصرخة العاتية، وصبره وعنفوانه عند استعادة جثامين أبنائه التي ذابت كالشموع العاشقة في أحضان تراب الأرض.

ولقد أظهر مجتمع المقاومة، رغم الخسائر والضغوط السياسية والإعلامية الداخلية، مواقف العزّ والإباء والثبات، والصبر والوفاء والعشق والولاء، بمعنويات عالية وثقة راسخة بوعد الله ونصره، ليبهر العالم بأسره. فبيئة المقاومة، كما خاطبها سيّد شهداء الأمّة، كانت ولا تزال أشرف الناس وأطهرهم، ولائقة بحمل الأمانة الإلهيّة، وبتحقّق النصر الموعود على يديها، مواجهةً أهداف العدو المتسلّح بكل قدرات العالم المستكبِر، ورافعين الرأس في كل المحطات. كما حصل في تشييع الامينين العامين رغم ترهيب الطائرات الصهيونية، وكما اثبتت في الانتخابات البلدية رغم عمليات التضليل والتحريض، وكذلك في منع مخطط الفتنة الذي عمل عليه مبعوث الرئيس الأمريكي “توم براك” ومساعدته “مورغان اورتيغوس”، عبر المحاولة لاحداث صدام بين الجيش اللبناني والمقاومة.

واجه حزب الله وحيدًا الكيان الصهيوني المدعوم بشكل مباشر من الولايات المتحدة عسكريًا واستخباراتيًا وسياسيًا وناريًا، إلى جانب دعم غربي واسع، ما جعل الحرب أقرب إلى حرب كونية ضد المقاومة في لبنان. وعلى الرغم من ذلك، استطاعت المقاومة الصمود والتكيف وتحقيق الإنجازات الميدانية. وأحد أبرز إنجازاتها كان استعادة القيادة والسيطرة وأداء القوة الصاروخية وسلاح الجو المسيّر، اللذين كسرا احتكار العدو للتفوق الجوي وغيّرا معادلات الاشتباك وصمود المجاهدين على الحافة الأمامية. كذلك تمكنت المقاومة من تجاوز مرحلة الانكشاف وحماية ما تبقى من قياداتها، وتوقيف الاغتيالات، واستعادة القدرة على التواصل والتحكم والسيطرة والتشغيل.

أخيًرا، فإن صمود جمهور المقاومة وإيمانهم بخيارها واحتضانهم لها، إلى جانب التزامهم بوصية سيد شهداء الامة بالثبات على طريق المقاومة، إلى تماسكهم قيادة ومجاهدين وشعبًا، كانت عناصر حاسمة في تحقيق الإنجاز التاريخي. كما أن المجاهدين المخلصين، العابدين، العاشقين، الثابتين، المتولّين لأوليائهم، والمتبرئين من أعدائهم، الأقوياء، الأشدّاء، المجهّزين، الموحّدين، المنظَّمين، المطيعين، الفدائيين، المؤثرين، الداعين بالشهادة، الحسينيين، هم الذين رسموا معالم الرواية ونتائجها التي وعدهم الله بها، “وما النصر الا من عند الله العزيز الحكيم”.

المصدر: الاعلام الحربي + مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير + موقع المنار

رحل لكنه لم يغادر. ما زال بيننا بالصوت والصورة. يمر ببسمته ويمسح ألم الوطن. كأن الموت أخطأ التقدير، وكأن الغياب لم يقنع الذاكرة. فالزمن لم يستطع أن يغيّب وجهه ويطفئ صوته، وكل شيء حولنا ما زال يقول: “هو هنا”. وبعد عام من الغياب، يعود سيد المقاومة إلى الشاشة، فتنتظره القلوب كما كانت. غاب سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله الذي كان أبًا لشعبه، وضميرًا لأمته، وبوصلةً للحق في زمنٍ كثرت فيه الاتجاهات، جسدًا، لكنه بقي حيًا في القلوب، خالدًا في الذاكرة، ومضيئًا في صفحات التاريخ.

  

اليوم، إذ نحيي ذكراه وذكرى صفيه الهاشمي، فإننا لا نرثي الغائب، بل نحتفي بالإرث، ونجدّد العهد، ونعود بالذاكرة إلى خطابات السيد نصر الله، وعباراته، فكل كلمة كانت تولد بدقة، وتُردد طويلًا بعد انتهائها. كانت الأعين تشخص نحوه، والقلوب تنصت قبل الآذان. لم تكن خطاباته مجرد كلمات تُلقى، بل كانت مواقف تصاغ، وخارطة طريق تُرسم في لحظات مفصلية، وسط هتافات الولاء والتلبية.

  

واليوم نستحضر حضورهما لا بدموع الفقد، بل بقوة الاستمرار. ونُعيد فتح النوافذ لصورتهما وصوتهما، وننصت من جديد، لا لنسمعهما مجددًا، بل لنستشعر أنهما ما زالا بيننا.

 

 

اليوم التلفزيوني والإذاعي الطويل

 

ومن هنا، تنطلق فعاليات الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله والصفي الهاشمي السيد هاشم صفي الدين بنشاطات إعلامية وفنية وكشفية وشعبية، ابتداءً من 25 أيلول، بيوم تلفزيوني وإذاعي طويل لاتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية.

 

منسّق فعاليات اليوم الإذاعي التلفزيوني المشترك، لاتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية في لبنان والعالم الإسلامي، الحاج علي ارسلان يؤكد أن فعاليات إحياء ذكرى معركة أولي البأس ضد العدو الصهيوني وإسنادًا ونصرة للمستضعفين في فلسطين، ستنطلق في 25 أيلول 2025، بيوم تلفزيوني طويل للاتحاد، مشيرًا إلى أن الاتحاد سينظم بثًا مباشرًا مشتركًا بين القنوات، سواء من خلال استديوهات مشتركة، يخرج فيها المقدمون من مختلف القنوات من استديو واحد، أو من خلال بث الحلقات المباشرة من القنوات خارج لبنان، إلى الاستديو المشترك.

 

وستتضمّن الفعاليات حلقات حوارية مع محللين سياسيين، ومتفاعلين مع المقاومة، من نخب، وطلاب، وهيئات نسائية، وغيرهم، بحسب ارسلان، الذي يلفت في حديثه لموقع “العهد” إلى أن القنوات ستبث على مدار اليوم وثائقيات لها علاقة بالشهيد الأسمى السيد حسن نصر الله، والسيد هاشم صفي الدين، وعن مجزرة البيجر، وذكرى استشهاد القادة، ومجريات المعركة، وصولًا إلى قضايا إنسانية متعلقة بهذه الذكرى، وإبراز انتصار المقاومة، وإجبارها العدو على طلب وقف اطلاق النار.

 

وستكون هناك وثائقيات بأيدي القنوات الخارجية في موريتانيا، وتونس، وفلسطين، والعراق، وإيران، وبريطاينا، وبلغات مختلفة.

 

كما ستعرض التلفزيونات باقة من الأناشيد، بالإضافة إلى الفواصل، والتنويهات، والترويجات المختلفة. وستقوم التلفزيونات باستصراحات من الطرقات، ورصد التفاعل الشعبي، في مختلف البلدان، وفقًا لارسلان.

 

 

القطاع الإذاعي

 

وللقطاع الإذاعي نصيب، وفق ارسلان، حيث سيكون هناك يوم كامل من البث المباشر، تقوده مختلف الإذاعات من لبنان والخارج، يتضمن برامج حوارية، وثقافية، وفواصل، وأناشيد، وكلمات مختارة لقيادات المقاومة في لبنان والمحور.

 

 

محطة بالغة الأهمية

 

وفي السياق، يشدد ارسلان لـ “العهد” على أن تنظيم يوم إذاعي وتلفزيوني مشترك في ذكرى الحرب على لبنان، وسط استمرار العدوان على فلسطين، وسورية، واليمن، وإيران، والعراق، يمثّل محطة بالغة الأهمية على مستويات عدّة، أولها توحيد الصوت والرسالة، إذ يُبرز تماسك الإعلام المقاوم وتكامل روايته في مواجهة خطاب الأعداء، وثانيًا كسر الاحتكار الإعلامي، فهو يشكل منبرًا جامعًا يفرض السردية الحقيقية للأحداث ويواجه محاولات التزييف والتشويه، إلى جانب إبراز البعد الإنساني والمعنوي، عبر تسليط الضوء على صمود الشعب وتضحيات الشهداء ومعاناة المدنيين، بما يعكس شمولية معركة الوعي.

 

كما يساهم بتعزيز التضامن بين الشعوب، حيث يجعل الجمهور في مختلف البلدان شريكًا مباشرًا في القضية، فيتجاوز البعد المحلي إلى بُعدٍ أممي جامع، ويعمل على ترسيخ الذاكرة الجماعية، إذ يحوّل الذكرى إلى مناسبة متجدّدة تُجدّد الوعي وتمنع العدو من طمس معالمها أو تهميشها.

 

وعليه، فإن هذا اليوم الإعلامي ليس مجرد إحياء لذكرى مضت، بحسب ارسلان، بل هو معركة وعي متجدّدة، تؤكد أن الانتصار لم يكن حدثًا عابرًا، بل خيارًا ثابتًا ومستقبلًا واعدًا.

  

إيمان مصطفى – العهد

منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم يعد المشهد في المنطقة كما كان، فـ “طوفان الأقصى” لم يكن مجرّد عملية عسكرية فلسطينية باغتت “إسرائيل”، بل كان الشرارة التي أعادت رسم قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط، وأدخلت حزب الله سريعاً على خط المواجهة، حيث تحوّلت جبهة الجنوب اللبناني إلى ساحة إسناد أساسية، بل مناورة مدروسة أعادت تثبيت معادلة الردع، ووضعت “إسرائيل” أمام تحدّيات عسكرية واستراتيجية غير مسبوقة.

حينذاك، اعتمد حزب الله سياسة “الضغط المحسوب”، فاستهدف مواقع حدودية بعمليات مركّزة من دون اندفاعة شاملة، مانحاً المقاومة الفلسطينية فرصة الحفاظ على المبادرة، ومع كلّ اغتيال إسرائيلي، كان الحزب يوسّع من عملياته ونوعية أسلحته.

قلب الموازين، ومحاولة كسر قوة الردع

“إسرائيل” سعت إلى قلب الموازين عبر مسارين متوازيين: الحرب السيبرانية وعمليات الاغتيال؛ ففي أيلول/سبتمبر، شنّت عملية “البيجر” الإلكترونية التي وُصفت بأنها “جريمة حرب”، تلتها موجة قصف غير مسبوقة تجاوزت 1500 غارة في يوم واحد، رافقتها اغتيالات طالت قادة بارزين في “قوة الرضوان”.

والهدف كان دفع حزب الله إلى مواجهة شاملة، لكنّ الردّ جاء محسوباً بصواريخ دقيقة ومسيّرات على مواقع عسكرية حسّاسة، ما أثبت أنّ المقاومة لم تفقد قدرتها على المناورة، بل عزّزت مرونتها وقدرتها على استيعاب الصدمات.

الصدمة الكبرى حلّت باغتيال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله؛ فللحظة، بدا المشهد وكأنّ “إسرائيل” نجحت في ضرب قلب القيادة السياسية والعسكرية للمقاومة، إذ عمّت أجواء القلق والارتباك صفوف المقاتلين وبيئتهم الحاضنة.

وزادت حدّة الصدمة باغتيال رئيس المجلس التنفيذي في الحزب، السيد هاشم صفي الدين، بعد أيام، حيث كان قد تولّى منصب الأمانة العامة خلفاً للسيد نصرالله.

· توضّح المحجوب، فمن “إعادة لبنان إلى العصر الحجري” كما عبّر وزير “الأمن” الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، حتى الوصول إلى ما اعتبره رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو أنّ حزب الله بات “أضعف من أيّ وقت مضى”، داعياً الشعب اللبناني إلى “التحرّر من سيطرة الحزب والسعي نحو السلام والازدهار”. هنا تأكّدت النيات والأهداف الإسرائيلية المعدّة مسبقاً تجاه لبنان…

لكن واقعاً، ومن البديهيات، كان صمت الحزب ليس انكساراً، والهدف ترتيب الصفوف سريعاً، وهو ما بدأت ملامحه مع بيان نعي السيد نصر الله “قيادة حزب الله تعاهد أن تواصل جهادها في مواجهة العدو وإسناداً لغزة وفلسطين ودفاعاً عن لبنان وشعبه الصامد والشريف”.

موقف يعكس قراراً قيادياً، وليس تعبيراً وجدانياً، وهو كان أولى الإشارات على أنّ المقاومة باشرت في ترميم آثار الضربات سريعاً، مثبتة أنّ اغتيال القادة لا يعني سقوط المقاومة.

المقاومة وإعادة تثبيت المعادلات

في ظلّ القصف الإسرائيلي الكثيف وسياسة الأرض المحروقة، نفّذت المقاومة عمليات نوعية، وفعّلت معادلة “بيروت مقابل تل أبيب”، لتؤكّد أنّ العاصمة لن تُستهدف من دون رد قوي.

وكانت أبرز الاستهدافات:

·  معسكر تدريب للواء غولاني في بنيامينا.

·  منزل رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو في قيساريا

·  مقار قيادية مثل قيادة المنطقة الشمالية، مقر الفيلق الشمالي، مقارّ فرق وألوية.

· قواعد الموساد والوحدات الخاصة: الوحدة 8200، ميشار، رامات ديفيد، حتسور، تل نوف، بلماخيم، إلياكيم، الناعورة، رغفيم، عين شيمر.

·  القواعد البحرية: كستيال ماريس، قاعدة حيفا البحرية، قاعدة أشدود.

· المصانع العسكرية: “رافائيل، تاع، يكنعام عيليت، مصنع المواد المتفجّرة في الخضيرة”.

· مقر قيادة الموساد في ضواحي “تل أبيب”، وهو المقر المسؤول عن اغتيال ‏القادة وعن تفجير البايجرز وأجهزة اللاسلكي.

· الكمائن والعبوات الناسفة: تفجير “عبوات في مسارات جنود العدو وحتى داخل المنازل”

إلى جانب ذلك، برزت قدرات دفاع جوي متقدّمة، وأسقطت مسيّرات استراتيجية، ما أضاف بُعداً جديداً إلى معادلة الردع.

لكنّ الحرب لم تُختصر بالجبهات العسكرية وحدها، بل كانت معركة صمود شعبي، فأبناء الجنوب والضاحية والبقاع دفعوا ثمناً قاسياً من المجازر والنزوح، ومع ذلك ظلّوا يشكّلون الحاضنة اللوجستية والسياسية للمقاومة، مثبتين أنّ مشروعيتها الشعبية لم تتزعزع، واستمرت في توفير الغطاء، في وقت كانت “إسرائيل” تراهن فيه على انهيارها لفرض معادلة جديدة.

في المقابل، بقي عشرات الآلاف عاجزين عن العودة إلى شمال فلسطين المحتلة، ما شكّل ضغطاً داخلياً متزايداً على حكومة نتنياهو.

بعد أشهر من المواجهة، “إسرائيل” لم تحقّق أهدافها الرئيسية: “إعادة سكان الشمال إلى منازلهم بأمان”، وفقاً لما شدّد عليه نتنياهو في تصريحاته، و”تدمير قدرات حزب الله العسكرية عبر تكثيف العمليات العسكرية”، ولا حتى انتزاع ثقة وتمسّك الحاضنة الشعبية للمقاومة ومحاولة صنع فتنة داخلية عبر التحريض: “لقد استخدمكم حزب الله لفترة طويلة كدروع بشرية” مضيفاً “يا شعب لبنان، القرار لكم. قاوموا واستعيدوا وطنكم، حرّروا بلادكم من حزب الله حتى تنتهي هذه الحرب”.

عندها وجدت “إسرائيل” حلاً يلملم شظايا صورتها التي كُسِرت، فلوّحت بالغزو البري لفرض “منطقة أمنية” بعمق 4 كيلومترات على الأقلّ داخل لبنان، بما يزيد عن 60 ألف جندي من مختلف الفرق والألوية، فكان القرار في 30 أيلول/سبتمبر..

الإرباك ما زال يسيطر على الجنود والقيادة، فذاكرة تموز لا تزال محفورة في أذهانهم، لكن لا خيار أمامهم سوى التقدّم، وبعد نحو 3 أيام بدأ التوغّل التدريجي.. والمقاومة؟؟ كانت جاهزة.

حين تكلّم الميدان..

جسّدت المقاومة معادلة أساسية أرساها السيد نصر الله: “إذا جاءت دباباتكم إلى لبنان، فلن تعانوا نقصاً فيها، لأنها لن تبقى لكم دبابات”. والمقاومة بالفعل “أعدّت عدّتها”.

تصدّت المقاومة مدمّرةً عشرات الدبابات والآليات، وكانت النتيجة نفسها: “حدث أمني صعب في جنوبي لبنان”، كما كان يصفه الإعلام الإسرائيلي.

لاحقأً، أجبر العدو على إعادة تقييم خياراته وقراراته والعودة إلى القرار 1701.

لكن ذلك لم يدم طويلاً، فسرعان ما خرقه العدو مدعوماً بالضغط السياسي الدولي على لبنان، والداخلي على المقاومة، في حين أنّ لبنان والحزب التزما ببنوده كافة، وواصل الاحتلال خرقه بما يزيد على 5000 انتهاك، أسفرت عن استشهاد أكثر من 260 مواطناً وجرح الآلاف، وسط صمت الدول الضامنة التي اكتفت بالإدانة.

من جهته فإنّ الحزب ليس في موقع المتفرّج، فقد رمى الكرة في ملعب الدولة والدول الضامنة، لكسر أيّ ادعاءات تشير إلى تحميله مسؤولية أيّ تصعيد جديد.

“ساعة واحدة سينهار الأمن”، كلمة فصل، أرساها الشيخ نعيم قاسم، مع تفاقم الاعتداءات والاستباحة الإسرائيلية، وقال سابقاً: “قيادة المقاومة هي من تقرّر متى تقاوم وكيف وأسلوب المقاومة والسلاح المستخدم”.

المعركة لم تُحسم…

المعركة إذاً لم تُحسم.. صحيح أنّ المقاومة لم تحقّق “نصراً كلاسيكياً”، وأن “إسرائيل” حققت إنجازات استخبارية وأمنية، ولكنها فشلت في هزيمة المقاومة وكسرها.

ويبقى السؤال مفتوحاً: بعد فشلها في الميدان، هل تحاول “إسرائيل” نقل المعركة إلى الداخل عبر الضغوط السياسية والاعتداءات المستمرة؟

رغم التزام لبنان بالاتفاق، وتنازل الحزب الله عن وجوده العسكري جنوب الليطاني، برزت ضغوط أميركية-إسرائيلية-عربية ودولية لنزع “سلاح حزب الله”، وفرض القرار على الدولة اللبنانية، وهذا القرار كان ممهّداً في خطاب القسم لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ومقررات الحكومة التي جسّدها الرئيس نواف سلام: “حصر السلاح بيد الدولة”، على الرغم من أنّ الولايات المتحدة قالتها بكلّ وضوح على لسان مبعوثها، توم برّاك، “لا يمكننا أن نضمن التزام إسرائيل”..

وعلى الرغم من شرعيّته وفق اتفاق الطائف، أعلن الحزب أنّ السلاح هو “الروح” التي لا يمكن لأحد أن يسلبها، بالتوازي، لم يمانع التوصّل إلى اتفاق داخلي لبناني، بقواعد وشروط عقلانية – سيادية تضمن حقوق لبنان وتحفظ سيادته: الانسحاب الإسرائيلي الكامل، تسليم الأسرى، ضمانات دولية لمنع الاعتداء، والأهم يكمن في التوصل إلى اتفاق على استراتيجية دفاعية.

وبهذا يكون حزب الله قد جسّد أنّ الانتصار “بالنقاط” ليس ضعفاً، بل هو تحدٍ أكبر ونصر موجع تزيد آثاره عن “الضربة القاضية”، وتبقى “الأيام والليالي والميدان” هي المعادلة…

الميادين

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24
يوتيوب
Loading video...