أكّد مساعد قائد حرس الثورة الإسلامية في إيران للشؤون السياسية العميد يد الله جواني، الخميس، أنّ الولايات المتحدة لن تستطيع فتح مضيق هرمز بالقوة، مشيراً إلى وجود إجماع في البلاد على الحفاظ على الممر المائي.
وقال جواني، في تصريح له، إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب “سيأخذ حلم إعادة فتح مضيق هرمز عبر العمل العسكري معه إلى القبر”.
وأضاف العميد جواني: “هناك إجماع تام في إيران بين مسؤولي البلاد على حفظ هذا الممر المائي الاستراتيجي وفرض الترتيبات الإيرانية عليه”.
كما أشار إلى أنّ “القدرة العسكرية للقوات المسلحة الإيرانية على حفظ هذا الممر المائي والسيطرة عليه متوفرة بالنظر إلى الموقع الجيوسياسي للخليج ومضيق هرمز وبحر عمان”.
ولفت مساعد قائد حرس الثورة، في الوقت نفسه، إلى أنّ وجود “دعم كامل من قبل كافة الإيرانيين لهذه السياسة وهذا القرار السيادي بحيث إن الشعب لا يكتفي بدعم السيطرة على المضيق فحسب بل يطالب بها أيضاً كأولوية قصوى”.
وتابع: “الشعب الإيراني والعالم لن ينسوا أبداً كيف هدد هذا ترامب الشرير والخبيث وصاحب الملف المخزي والفاضح لإبستين إيران بتدمير حضارتها التي تمتد لآلاف السنين بين عشية وضحاها”.
“الطاقة للجميع أو لا أحد”
كذلك، علقّ العميد جواني على تهديدات ترامب بتدمير البنية التحتية في إيران، وقال: “ترامب يتصور أن بمقدوره بسهولة عبر تدمير البنية التحتية لإيران وحرمان شعبنا من الطاقة الانتقام من شعب مقاوم وصامد في وجه الأطماع الأميركية”.
وأردف متوعداً: “يجب على العالم أجمع بما في ذلك القادة في أميركا وأوروبا والمناطق الأخرى ومنهم الحكام في دول المنطقة، الانتباه إلى هذه النقطة المهمة والمصيرية: إذا ارتكب الجيش الأميركي الإرهابي مثل هذا الخطأ الاستراتيجي فعلى الجميع توديع الطاقة في المنطقة”.
وأضاف جواني: “إيران اتخذت سياسة حاسمة في هذا الشأن وهي: ‘الطاقة للجميع أو لا أحد'”.
وأعلنت إيران، قبل أيام، إغلاق هرمز بالكامل مجدداً، بعد أن كانت سمحت للسفن التجارية بسلوك ممرات يحددها حرس الثورة داخله، وذلك على إثر خرق واشنطن لمذكرة التفاهم بين الطرفين.
على الجهة المقابلة، تقوم الولايات المتحدة بشن اعتداءات على المناطق الساحلية الإيرانية، فضلاً عن إعادة فرض الحصار البحري.
الميادين
أكّد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محمد باقر ذو القدر، اليوم الجمعة، أنّ الهجمات العسكرية والاعتداءات التي تطال البنية التحتية للجمهورية الإسلامية الإيرانية لن تمرّ من دون عقاب، جازماً بأنّها “ستُقابل بالثأر” الحتمي من قبل القوات المسلحة.
وشدّد ذو القدر على معادلات الردع والمواجهة المباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي وحلفائه في المنطقة، قاطعاً بالقول: “لن يكون الكيان الإسرائيلي المجرم في مأمن من ردّ القوات المسلحة الإيرانية”.
وفي سياق متصل، وجّه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني انتقاداً حاداً للإدارة الأميركية ورئيسها، معقّباً بالقول إنّ “الشخصية الأكثر كراهية في العالم غاضبة من عظمة الملحمة التاريخية للشعبين الإيراني والعراقي”.
برلماني إيراني: واشنطن ستتراجع إذا رددنا بحزم
ومساء أمس الخميس، أكد النائب الإيراني علي أصغر نخعي راد، في حديث للميادين، أنّ الولايات المتحدة لا تمتلك القدرة على العودة إلى الحرب، معتبراً أنّ واشنطن ستتراجع إذا ردّت إيران بحزم على الاعتداءات.
وشدّد نخعي راد على أنّه إذا ارتكبت “إسرائيل” حماقة هذه المرة، فإنّ الردّ الإيراني سيكون أقوى، وستتركّز الضربات على الكيان الصهيوني. وختم بالقول إنّه في حال اندلاع الحرب، فإنّها ستشهد اندحاراً تاريخياً للأعداء.
ونفّذت إيران استهدافات واسعة للقواعد الأميركية في الخليج خلال اليومين الماضيين، ردّاً على انتهاك الولايات المتحدة لاتفاق وقف إطلاق النار، حيث تعرّضت مناطق مختلفة في إيران لعدوان أميركي وُصف بأنّه الأكبر منذ توقيع “مذكّرة التفاهم” بين الطرفين، حيث كانت إيران قد حذّرت في وقتٍ سابق من أنّ أيّ هجوم على أراضيها سيُواجه بردّ فوري وبنطاق أوسع، وهو ما تُرجم في اليومين الماضيين بسلسلة ضربات هزّت القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة.
في كل مرة يدخل فيها لبنان مرحلة دقيقة، يعود الحديث عن الفتنة وكأن شبح الحرب الأهلية ما زال حاضراً في الذاكرة الجماعية للبنانيين. لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل الخطر فعلاً قريب، أم أن الخوف من الفتنة أصبح جزءاً من الخطاب السياسي المستخدم في لحظات التوتر؟
ما تغيّر اليوم أن لبنان لم يعد يعيش الظروف نفسها التي سبقت حروب الماضي. فالمشهد الداخلي مختلف، والتوازنات الإقليمية والدولية تجعل أي انفجار أمني واسع أكثر تعقيداً وكلفة على الجميع.
لكن ذلك لا يعني أن الاستقرار مضمون بشكل كامل، بل إن حماية السلم الأهلي تحتاج إلى قرارات واضحة، وإلى تعزيز دور مؤسسات الدولة، وفتح باب المعالجة السياسية بعيداً عن لغة التخوين والتهويل.
فالمرحلة المقبلة لا تبدو معركة شوارع، بل مواجهة سياسية حول شكل الدولة ودورها وقدرتها على إدارة الملفات الحساسة. وبين من يرفعون شعار الخوف من الفوضى، ومن يطالبون بالتغيير، يبقى التحدي الأساسي هو كيف يحافظ لبنان على استقراره من دون أن يتحول الاستقرار إلى ذريعة لتأجيل الحلول
بقلم #زينب_وهبي
بعد ألف يوم من الحرب، لم تعد “إسرائيل” أمام حدث عسكري عابر يمكن قياسه بعدد الجبهات أو حجم النيران أو اتساع العمليات. فالحرب التي بدأت من لحظة صدمة كبرى، ثم امتدت في الزمن والجغرافيا، تحوّلت إلى اختبار مفتوح لـ”الدولة” والمجتمع والعقيدة الأمنية والقيادة السياسية.
لكنَّ السؤال الأهم لا يتعلق فقط بما فعلته “إسرائيل” في ساحات القتال، بل بما فعلته الحرب داخل “إسرائيل” نفسها. هل منحت هذه الحرب “إسرائيل” فرصة لترميم صورتها وقوتها وردعها، أم أنها فتحت أسئلة أعمق حول حدود القوة، وكلفة الأمن، وقدرة المجتمع على الاحتمال؟ وهل كانت الجبهات المتعددة دليلًا على اتساع القدرة الإسرائيلية، أم على اتساع المأزق الذي وجدت نفسها داخله؟
من هنا، لا يبدو مرور ألف يوم مجرد رقم زمني في حرب طويلة، بل محطة كاشفة تستدعي قراءة أبعد من بيانات “الجيش” وتصريحات السياسيين. فهي تطرح سؤالًا مركزيًا: أي “إسرائيل” كشفتها الحرب بعد ألف يوم؟ “إسرائيل” القادرة على الصمود والقتال طويلًا، أم “إسرائيل” التي وجدت نفسها مضطرة إلى إعادة تعريف معنى الأمن والقوة والشرعية في بيئة لم تعد تشبه ما قبل السابع من أكتوبر؟
أولًا: العقيدة الأمنية بين الإخفاق وإعادة التشكيل
لم يكن السابع من أكتوبر مجرد إخفاق أمني عابر في منظومة الإنذار أو الاستخبارات، بل لحظة أعادت فتح السؤال حول صلاحية العقيدة الأمنية الإسرائيلية نفسها. فاستقالة رئيس الأركان هرتسي هاليفي في يناير/كانون الثاني 2025، مع إقراره بمسؤوليته عن فشل “الجيش” في ذلك اليوم، منحت هذا النقاش بعدًا رسميًا داخل المؤسسة العسكرية، لأنها لم تتعامل مع ما جرى باعتباره خللًا ميدانيًا محدودًا، بل فشلًا في المهمة الأساسية لـ”الجيش”: حماية المواطنين.
وفي دراسة «الأمن القومي لدولة إسرائيل: العقيدة والتوجيهات السياسية للأعوام 2025–2026»، الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، يظهر بوضوح أن الحرب لم تفرض فقط مراجعة للأداء العسكري، بل مراجعة أوسع لمفهوم الأمن القومي ذاته. وتذهب دراسة «عقيدة أمنية جديدة لإسرائيل»، الصادرة عن معهد ميسغاف للأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية، إلى اتجاه أكثر صراحة، حين تطرح الحاجة إلى عقيدة جديدة تنطلق من إعادة فحص الافتراضات الأساسية، لا من مجرد ترميم العقيدة التاريخية.
غير أن المعضلة لا تكمن فقط في الاعتراف بالحاجة إلى عقيدة جديدة، بل في شروط إنتاجها. فالعقيدة الأمنية ليست وثيقة عسكرية تصدر عن هيئة الأركان، بل هي تعبير عن توافق سياسي ومجتمعي حول طبيعة التهديد، وحدود استخدام القوة، وحجم الأثمان التي يقبل المجتمع دفعها. وبعد ألف يوم من الحرب، لا يبدو أن هذا التوافق قد تبلور داخل “إسرائيل”، في ظل استمرار الخلاف حول أهداف الحرب، وحدود استخدام القوة، وموقع “الجيش” في المجتمع.
لذلك تبدو “إسرائيل” وكأنها تجاوزت كثيرًا من يقينيات العقيدة القديمة، لكنها لم تستقر بعد على عقيدة جديدة قادرة على جمع المؤسسة السياسية والعسكرية والمجتمع حول رؤية أمنية واحدة.
ثانيًا: حدود القوة العسكرية في إنتاج أمن قومي مستقر
كشفت ألف يوم من الحرب أن القوة العسكرية الإسرائيلية، على اتساعها، لا تكفي وحدها لإنتاج أمن قومي مستقر. فالمشكلة لم تكن في قدرة “إسرائيل” على استخدام القوة، بل في قدرتها على تحويل هذه القوة إلى نتيجة استراتيجية قابلة للاستمرار.
وقد بدا ذلك واضحًا في انتقال مركز الثقل من غزة إلى لبنان ثم إلى إيران، ثم العودة إلى لبنان، حيث اتسع نطاق العمليات العسكرية من دون أن يعني ذلك إغلاق مصادر التهديد أو تثبيت معادلة أمنية نهائية.
وفي دراسة الأمن القومي “لدولة إسرائيل” نفسها، يرد تحذير لافت من الاعتقاد بأن مزيدًا من القوة العسكرية وحدها يمكن أن يكون الحل، إذ تؤكد أن التاريخ يعلّم أن الأمن الدائم يتطلب الجمع بين القوة العسكرية والجهد السياسي.
ويعزز هذا المعنى ما خلصت إليه دراسة أخرى للمعهد بعنوان «تفكيك المحور: إضعاف وتعطيل شبكة وكلاء إيران»، التي ترى أن إيران ومحورها تراجعا، لكنهما لم يُهزما، وأن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل النجاحات التكتيكية إلى إنجازات استراتيجية طويلة المدى.
وتأتي الحرب الإسرائيلية–الأميركية ضد إيران في نهاية فبراير/شباط 2026 بوصفها المثال الأقصى على هذه المفارقة. فحتى عندما دخلت الولايات المتحدة الحرب إلى جانب “إسرائيل” منذ اللحظة الأولى، بقي السؤال مفتوحًا حول قدرة القوة القصوى على إنتاج استقرار أمني دائم.
وهذا ما تؤكده أيضًا دراسة «حرب إسرائيل–إيران: الانفتاح الاستراتيجي الجديد لإسرائيل» الصادرة عن مركز بيغن–السادات للدراسات الاستراتيجية، والتي ترى أن الحرب أظهرت حدود قدرة “إسرائيل” على تشكيل النظام الإقليمي منفردة، رغم ما حققته من نجاحات عملياتية.
بهذا المعنى، لا تقول ألف يوم من الحرب إن “إسرائيل” ضعيفة عسكريًا، بل تكشف فجوة أعمق بين القدرة على الضرب والقدرة على تثبيت الأمن.
فالقوة قد تُضعف الخصوم، وتؤخر قدراتهم، وتعيد ترميم الردع مؤقتًا، لكنها لا تكفي وحدها لإغلاق الجبهات أو بناء ترتيبات سياسية وإقليمية مستقرة.
بل إن الإفراط في الاعتماد عليها قد يدفع “إسرائيل” إلى حرب استنزاف ممتدة على أكثر من جبهة. وهذه الفجوة بين التفوق العسكري والحصيلة الاستراتيجية تمثل أحد أهم الدروس التي كشفتها الحرب في بنية الأمن القومي الإسرائيلي.
ثالثًا: المجتمع الإسرائيلي… صمود استثنائي أم صمود بشروط؟
كان أحد أبرز الأسئلة التي فرضتها الحرب الطويلة يتعلق بقدرة المجتمع الإسرائيلي على الاستمرار في تحمل كلفتها البشرية والاقتصادية والنفسية. فبعد ألف يوم من القتال، لم يعد الحديث يدور حول الأسابيع الأولى التي اتسمت بحالة تعبئة وطنية واسعة، وإنما حول مدى قدرة هذا المجتمع على الحفاظ على مستوى الصمود نفسه في ظل حرب مفتوحة زمنيًا وجغرافيًا، واتساع دائرة الخسائر، واستمرار حالة عدم اليقين.
وتشير استطلاعات معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في مايو/أيار 2026 وأكتوبر/تشرين الأول 2025 إلى أن صورة التماسك المجتمعي لم تعد كما كانت في بداية الحرب؛ إذ ظهر تباين واضح في تقييم الإسرائيليين لقدرة مجتمعهم على الصمود، بين من رأى أن الحرب زادته قوة، ومن اعتبر أنها أضعفت تماسكه، إلى جانب قلق متزايد تجاه الأوضاع الاجتماعية والأمن الشخصي.
ويعزز هذا الاتجاه ما خلص إليه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في استطلاعاته حول المجتمع الإسرائيلي أثناء الحرب، إذ بدأ قطاع مهم من الإسرائيليين يتساءل عن قدرة المجتمع على تحمل حرب طويلة، خاصة إذا استمرت الكلفة البشرية والاقتصادية من دون وضوح في الأهداف أو في أفق إنهاء القتال.
كما خلصت دراسة أخرى لمعهد دراسات الأمن القومي حول الصمود المجتمعي والوطني إلى أن صمود المجتمع لا يعتمد على القدرة النفسية وحدها، وإنما يرتبط أيضًا بمستوى الثقة بالقيادة، ووضوح الرؤية الاستراتيجية، وشعور الجمهور بأن التضحيات التي يقدمها تُترجم إلى إنجازات ذات معنى.
ومن هنا، لا يبدو أن الحرب كشفت عجز المجتمع الإسرائيلي عن الصمود، كما لا يمكن القول إنها أثبتت أن هذا الصمود بلا حدود.
فالوقائع تشير إلى أن المجتمع الإسرائيلي ما زال يمتلك قدرة عالية على التعبئة وتحمل الضغوط، إلا أن استمرار هذه القدرة أصبح أكثر ارتباطًا بثلاثة عوامل رئيسية: الثقة في القيادة السياسية والعسكرية، والاقتناع بجدوى استمرار الحرب، والإحساس بأن التضحيات تقود إلى نتائج استراتيجية واضحة.
وكلما تراجعت هذه العناصر، ازداد خطر انتقال المجتمع من مرحلة الصمود إلى مرحلة الاستنزاف، وهو تحوّل لا يظهر فجأة، بل يتراكم تدريجيًا مع امتداد الحرب.
رابعًا: اقتصاد الحرب… بين القدرة على التمويل وحدود الاستنزاف
لم تكشف ألف يوم من الحرب انهيار الاقتصاد الإسرائيلي، لكنها كشفت أن قدرة هذا الاقتصاد على تمويل الحرب ليست بلا كلفة. فقد استطاعت “إسرائيل” الحفاظ على مؤسساتها المالية وسوقها الإنتاجي وقدرتها على الاقتراض، إلا أن استمرار الحرب نقل الاقتصاد من مرحلة امتصاص الصدمة إلى مرحلة إدارة الاستنزاف: إنفاق دفاعي متزايد، تعويضات واسعة، تضرر قطاعات إنتاجية، وضغط متصاعد على المالية العامة.
وفي توقعاته الصادرة في مارس/آذار 2026، قدّر بنك “إسرائيل” عجز الموازنة بنحو 5.3% من الناتج المحلي، والدين العام بنحو 70.5% من الناتج، وهي مؤشرات تعكس انتقال كلفة الحرب من بند طارئ إلى عبء مالي ممتد.
كما أشار المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، في قراءته لموازنة عام 2026، إلى استمرار الضغوط على المالية العامة وارتفاع الدين مقارنة بما قبل الحرب.
ولم يقتصر الأمر على المؤشرات المحلية، إذ خفّض صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) توقعاتهما لنمو الاقتصاد الإسرائيلي، مع التحذير من أن استمرار التوترات الإقليمية واتساع الإنفاق العسكري قد يضغطان على مسار التعافي الاقتصادي.
بهذا المعنى، لا يقول الاقتصاد إن “إسرائيل” عاجزة عن تمويل الحرب، بل يقول إن استمرار التمويل يغيّر أولويات الدولة ويضغط على مستقبلها المالي. فكلما طال أمد الحرب، تحوّلت الكلفة من إنفاق عسكري مباشر إلى شبكة أوسع من الأعباء تشمل إعادة الإعمار، والتعويضات، ودعم القطاعات المتضررة، وارتفاع خدمة الدين، وتراجع اليقين الاستثماري.
وهنا تظهر المفارقة: الاقتصاد الإسرائيلي صمد، لكنه صمد عبر ترحيل جزء من كلفة الحرب إلى السنوات المقبلة. ولذلك، فإن الدرس الاقتصادي لألف يوم من الحرب لا يتمثل في سؤال الانهيار، بل في سؤال الاستدامة: إلى متى تستطيع “إسرائيل” تمويل حرب مفتوحة من دون أن تعيد هذه الحرب تشكيل اقتصادها وأولوياتها الاجتماعية؟
إذا كانت هذه المحاور قد رسمت جانبًا من صورة “إسرائيل” بعد ألف يوم من الحرب، فإن بقية الصورة لا تزال تنتظر. وفي الجزأين التاليين، نستكمل قراءة القضايا الأخرى التي كشفتها الحرب، من الداخل السياسي الإسرائيلي إلى موقع “إسرائيل” في علاقتها بحلفائها والعالم.
حسني لافي – الميادين
قيل ويُقال بين الحين و الآخر الكثير عن الخلافات السياسية بين ترامب ونتنياهو ولكن من دون أن يتخذ الأول أي موقف عملي وحازم ضد الثاني، الذي تمادى ويتمادى في مجازره ضد الشعب اللبناني، وبضوء أخضر من الثنائي عون – سلام المدعوم من أنظمة الخليج المتواطئة مع واشنطن و “تل أبيب”، وبينهما ترابط عضوي وجيني على قاعدة العقيدة الإنجيليّة الأميركية التي تجمع بين التطرف المسيحي والعقيدة اليهودية الصهيونية.
فالرئيس ترامب الذي عاد إلى لهجة التهديد والوعيد بتدمير إيران، تستعد بلاده للاحتفال في الـ4 من تموز/ يوليو بالذكرى المئوية 250 لقيامها، لا فرق بينها وبين الكيان العبري الذي احتفل الشهر الماضي بالذكرى الـ78 لقيامه على أرض فلسطين، وكما قامت أميركا على أرض شعوب أميركا اللاتينية التي قتل الغزاة الأوربيون الملايين منهم، وكما قتل الصهاينة عشرات الآلاف من الفلسطينيين وشردوا الملايين منهم.
فالذين أسهموا في قيام الولايات الأميركية المتحدة من المرتزقة اللقطاء من حثالات المجتمعات الأوروبية الذين غزوا القارة الأميركية، لا فرق بينهم وبين اللقطاء اليهود الذين توجهوا إلى فلسطين من مختلف دول العالم، وكانوا منبوذين فيها لأسباب عديدة يعرفها الجميع، وأهمها الخبث والكذب والسرقة والغدر والخيانة والتآمر على الدول التي كانوا يعيشون فيها وهم مواطنون فيها وينتمون إلى أعراقها القومية.
فكما أن الأميركي لا يعني انتماءً عرقياً لمن يعيشون في أميركا، فاليهودي الذي يعيش في الكيان العبري لا يعني أبداً انتماءً عرقياً في “إسرائيل” التي لا قاسم مشترك بين مواطنيها سوى الدين. فقد جاء هؤلاء إلى فلسطين من إثيوبيا وروسيا والمجر وأذربيجان والعراق وكردستان وإسبانيا وبولندا والصين ورومانيا والمغرب واليمن، وعشرات الدول الأخرى التي غادروها صوب فلسطين العربية بتاريخها الذي يمتد إلى ما لا يقل عن خمسة آلاف عام.
وشهدت هذه الأعوام الطويلة العديد من حالات الشد والمد بين الدول والقوميات والحضارات والأديان التي برز منها اليهودية بعقيدتها الصهيونية، التي كانت وما زالت السبب الأول والأخير لكل ما عاشته هذه المنطقة منذ مئات السنين، ولكن بشكل خاص قبيل وخلال وبعد قيام الكيان العبري على أرض فلسطين.
وهو ما تحقق بدعم القوى الاستعماريةن أي فرنسا وبريطانيا، وانضمت إليهما أميركا قبيل وخلال وبعد الحرب العالمية الثانية. ونتج عن كل ذلك خرائط جديدة في المنطقة التي تم تسليمها لعائلات وكيانات متواطئة، ولولاها لما كان الكيان العبري موجوداً أساساّ ولما استطاع أن يحقق أياً من أهدافه، وكما هي الحال عليه الآن في لبنان وسوريا وفلسطين واليمن وإيران.
ولعبت وما زالت هذه العائلات والكيانات دوراً رئيسياً في تطورات المنطقة، وأسهمت بشكل خطير في مشروع الشرق الأوسط الكبير، ومن بعده ما يسمّى الربيع العربي والآن في العدوان الصهيو – أميركي على إيران ولبنان وبعد أن وضعت سوريا تحت الوصاية الإسرائيلية، وهي الآن تسعى من أجل ذلك في لبنان بالتنسيق والتعاون مع الثنائي عون-سلام ومن معهما من العملاء السابقين للكيان العبري، وانضم إليهم الكثير من المأجورين الذين اشترت العائلات المذكورة ذممهم وباسم أسيادها في واشنطن وباريس ولندن و”تل أبيب”.
وإلا هل هناك أي مبرر منطقي للعداء الأعمى المقصود والخطير من قبل هؤلاء العملاء وأبواقهم لحزب الله الذي ضحّى بأغلى ما لديه من أجل استقلال وسيادة وشرف وكرامة لبنان وكل اللبنانيين، بمن فيهم العملاء، الذين لولا حزب الله لكانوا الآن عبيداً قذرين لدى أسيادهم الصهاينة الذين سيعاملونهم وفق عقيدتهم التوراتية المحرّفة، وأساطيرهم اللعينة التي يعتقدون أنها ستساعدهم في السيطرة على العالم برمّته.
والسؤال هنا هو، هل يؤمن العملاء والمأجورون بما يقولونه أويفعلونه، وحتى إن كان ذلك ضد أوطانهم كما هي الحال في لبنانن أم أنهم مضطرون للقيام بذلك طالما أن إرادتهم مسلوبة وعقولهم مرهونة ولا كرامة لهم منذ أن خلقهم الله تعالى. و إلا كيف لنا أن نفسّر كل ما يقوم به الحكام المتواطئون وعملاؤهم وأبواقهم المأجورة في لبنان ضد حزب الله وحلفائه، بل وضد غالبية الشعب اللبناني العظيم، بعظمة قلعة الشقيف، والذي أثبت تماسكه الوطني على الرغم من حجم التآمر الداخلي والإقليمي والدولي ضده وضد كل شعوب المنطقة، وكما هي الحال عليه الآن في أيران.
ولا تفسير للعدوان الذي تتعرض له منذ 47 عاماً سوى عدائها الحقيقي والمشروع ضد الكيان العبري الصهيوني منذ الأسبوع الأول للثورة الإسلامية التي رفعت العلم الفلسطيني في طهران غير العربية. ويعرف الجميع أنه لولا موقفها هذا لما تعرضت لكل ما تعرضت له من قبل الدول والقوى الإمبريالية والصهيونية، التي لا يهمّها شكل النظام السياسي إن كان دينياً أو علمانياً بل ملحداً طالما أن هذا النظام سيكون في خدمته.
وهذا ما أراد أن يشير إليه توم برّاك المسؤول عن سوريا والعراق عندما قال “نحن نرجّح الأنظمة الملكية المطيعة كما هي الحال في دول الخليج والأنظمة الاستبدادية الفردية التي تحكم دولها من دون مشاكل”.
مع التذكير أن حزب الله لم يكن موجوداً أساساً عندما قامت الثورة الإسلامية في إيران، ولم يكن الحوثيون يحكمون اليمن، وأما في العراق بأغلبيته الشيعية، لم يتأخر صدام حسين لشن عدوانه على الجارة إيران وبشعارات طائفية وعرقية.
وحظي آنذاك بتحريض ودعم أنظمة الخليج التي كانت وما زالت تأتمر بأوامر أسيادها في واشنطن و”تل أبيب” والتي تريد لإيران أن تستسلم وترضخ، كما رضخت غالبية أنظمة المنطقة العربية والإسلامية، و إلا لما وقفت موقف المتفرج حيال العدوان على إيران ولبنان وفلسطين واليمن، بعد أن أسقطت النظام في سوريا التي كانت خط الدفاع الأول في مواجهة التحالف الصهيو- أميركي، ويريد لها ترامب ونتنياهو الآن أن تتحول إلى رأس حربة ضد كل من يعترض أو يتصدى للمشاريع والمخططات الإمبريالية والاستعمارية.
وتهدف معاً لوضع المنطقة برمتها وبكل قومياتها وأعراقها وأديانها وطوائفها وأطيافها تحت الوصاية الصهيونية اليهودية التي لا ولن ترحم أحداً، طالما أن هذا الأحد قد باع نفسه وعقله وضميره للشيطان كما هي الحال عليه الآن في لبنان.
وإلا هل من تفسير منطقي للموقف اللبناني الرسمي الرافض لموقف طهران التي أعلنت وأكثر من مرة عن استنفار كل إمكاناتها للدفاع عن لبنان ومن دون أي مقابل؟ وهل من تفسير منطقي للعداء الذي يستفزه عملاء التحالف الصهيو- أميركي ضد إيران، التي لم تقم بأي عمل عدائي ضد أي دولة عربية أو إسلامية، وعلى الرغم من تآمر هذه الدول في مراحل مختلفة على إيران، التي أثبتت للجميع ومعها حلفاؤها، أنها مصدر الرعب الحقيقي بالنسبة للكيان العبري الذي استسلم له معظم حكام المنطقة بعد اتفاق كامب ديفيد الذي كان بداية الدمار المبرمج في المنطقة.
باختصار على كل اللبنانيين الوطنيين الشرفاء، وهم كثر، أن يعوا جيداً أن لبنان هو خط الدفاع الأخير، ليس فقط عن شرف كل اللبنانيين، الذين لا ولن يقبلوا بتاريخهم العريق الذي يمتد آلاف السنين، أن يكونوا عبيداً لشلّة من لقطاء العالم إن كانوا في “تل أبيب” أو واشنطن أو باريس.
كما على اللبنانيين أن يفرّقوا بين العدو والصديق، وبين المخلصين لوطنهم وبين الذين باعوا و ما زالوا يبيعون هذا الوطن لأحقر و أخبث وألعن عباد الله. ويعرفهم اللبنانيون الأذكياء أكثر من غيرهم، كما هم يعرفون أعوانهم وعملاءهم، في لبنان والمنطقة، التي سيرى الجميع فيها أنه لا حامي لها ولمن فيها سوى إيران وكل من معها من الشرفاء العظماء، وصمودهم الإلهي هو الضمانة الوحيدة، لا فقط لمستقبل أوطانهم بل وأوطان الآخرين في المنطقة.
حسني محلي – الميادين
ناقش محللون في “القناة 12” الإسرائيلية جملة من المعضلات والتساؤلات التي لا تزال غامضة بشأن المرحلة الراهنة من الحرب على إيران ولبنان.
وطرح المحللون: “كيف ستتصرف إسرائيل حيال الخط الأحمر في بيروت؟”، فضلاً عن سؤالٍ في السياق نفسه بشأن ما أسموه “اختبار الضاحية”: “هل أذعنت إسرائيل مجدداً للمعادلة الإيرانية؟”.
المعادلة مع إيران بقيت دون حل
واعتبر محلل الشؤون العسكرية للقناة نير دفوري أنّ هذا الغموض ناتج بشكل مباشر عن “كبح” الرئيس الأميركي دونالد ترامب للخطوات الإسرائيلية في ظل احتمال وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، مشيراً إلى أنّ إيران وضعت بيروت كشرط صريح وأوضحت أنها لن تتسامح مع أيّ هجومٍ هناك.
وأضاف دفوري أنّ الضغط الذي يمارسه ترامب أوقف النار على إيران (أمس الاثنين)، “لكنه ترك النشاط في لبنان تحت غمامة من عدم اليقين”. ولفت إلى أنّ ترامب إن لم ينجح في التوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين، إلا أنه “لا يتردد في الضغط على الجيش الإسرائيلي وإملاء هذه القيود”.
وهنا، حدّد دفوري سؤالاً مركزياً هو “هل هذا الغموض بشأن بيروت هو ما سيعيد إيران مجدداً إلى داخل المعادلة؟”. وأجاب أنّ هذه المشاكل الجوهرية بقيت “دون حل”، وسط احتمال وقوع جولات أخرى من القتال.
وأشار دفوري إلى أنّ هذا يأتي بالتوازي مع المحاولة الإسرائيلية للفصل بين إيران ولبنان، معترفاً بأنّ هذا يواجه صعوبات كثيرة ويترك الأمر أمام غايتين مفتوحتين: الأولى، متعلقة بـ”إسرائيل” تهدف إلى “الضغط على حزب الله والحكومة اللبنانية للتوصل إلى اتفاق”، والثانية، هي جلب الإيرانيين أنفسهم إلى اتفاق، وهي تعتمد بالكامل على ترامب.
إيران تنجح في ترسيخ عقيدة استراتيجية جديدة
بدوره، أوضح محلل الشؤون الفلسطينية والعربية في القناة أوهاد حِمو أنّ الشرط الإيراني بشأن وقف الهجمات أمس الاثنين كان يستثني أيضاً جنوب لبنان من ضربات “الجيش” الإسرائيلي، ليسأل هنا “هل ستفي إيران بكلمتها؟”.
وأجاب حِمو أنّ إيران، و”كما رأينا”، نفذت ما وعدت به و”لذلك من الصعب الجزم بأننا في نهاية الحدث”، وسط استمرار الهجمات الإسرائيلية على جنوبي لبنان.
واعترف حمو أنّ إيران تنجح في ترسيخ عقيدة استراتيجية جديدة، مفادها أنّه لم يعد هنالك وضع تضرب فيه “إسرائيل” حزب الله وتجلس إيران جانباً، و”حتى اللحظة، هذا هو الوضع الذي نراه على الأرض تماماً”.
وبالاستناد إلى ذلك، رأى حمو أنّه “لا يزال من المبكر التسرع والقول إن الحدث الحالي قد خُتم وأُغلق، خاصة في ظل علامات الاستفهام المتزايدة في الساعات الأخيرة”.
الحرب على لبنان دون أهداف
وفي ضوء المعادلات التي تضعها إيران والتصعيد أمس الاثنين، أقرّت محللة الشؤون الدبلوماسية لـ”القناة 12″ دانا فايس بأنّ الوضع لكان “أفضل” لو وقفت “إسرائيل” عند الحرب في حزيران/يونيو 2025، حيث هي الآن “عالقة في جولات ضد إيران”.
وبشأن لبنان اعترفت فايس، أنّ “إسرائيل” دخلت في عملية ضد لبنان (آذار/مارس 2026) دون أن تعرف الأهداف. وهنا برز سؤال “هل تملك العملية العسكرية الحالية القدرة على تفكيك حزب الله، نعم أم لا؟”.
الميادين
أكدت صحيفة “إسرائيل هيوم” العبرية أن المُحلقات المتفجرة التابعة لحزب الله أصبحت التهديد الأكثر فتكًا بقوات الجيش “الإسرائيلي” سواء في جنوب لبنان، أو في المستوطنات الشمالية القريبة من خط المواجهة.
مشيرة إلى اعتراف العدو بسقوط 12 قتيلًا سقطوا منذ 16 من نيسان/أبريل الماضي، في الجبهة الشمالية، جراء هذه المحلقات، فضلًا عن الجرحى.
وأشارت الصحيفة، إلى أن المُحلّقات التي يستخدمها حزب الله في هجماته على الجيش “الإسرائيلي”، رخيصة الثمن وتعمل عبر ألياف بصرية يكاد يكون من المستحيل اكتشافها واعتراضها. لافتة على أن “آخر قتيلين وهما نهوراي لايزر وروتم يناي، أُصيبا أثناء توجههما إلى منطقة محمية، حتى بعد تفعيل الإنذارات”.
ووفقًا للصحيفة، أقرت المؤسسة الأمنية بأنها كانت على علم بهذا التهديد من حرب روسيا وأوكرانيا، لكنها لم تستعد له بالشكل الكافي. أما الحلول الحالية، مثل الشباك، والرادارات الصغيرة، ومناظير الاعتراض، وذخائر “سمارت شوتر”، لا توفر حماية كاملة.
وتابعت الصحيفة: “رغم الجهود المتسارعة التي تشمل نشر عشرات آلاف الأمتار المربعة من الشباك السلكية، وتجارب على ذخائر متشظية ومناظير اعتراض مخصصة، فإن المؤسسة الأمنية لم تنجح حتى الآن في توفير حل شامل لهذا التهديد، ويعترف مسؤولون كبار في الجيش بأن الحل لا يزال بعيدًا عن الكمال.
وعلى الأرض، يواصل الجنود التعرّض للإصابات بشكل “شبه أسبوعي”، فيما يحذر مسؤولون في الجيش من أن الثمن سيستمر بالارتفاع ما لم تتغير السياسة ويتم توسيع حرية العمل العسكري”.
وبحسب الصحيفة، يعكس عدد القتلى والإصابات نتيجة المُحلِّقات المتفجرة منذ منتصف نيسان//ابريل الماضي “صورة التهديد بوضوح”.
وعرضت الصحيفة لتفاصيل عن بعض القتلى على الشكل التالي:
– الرقيب عيدان فوكس، 19 عامًا من بيتح تكفا، وهو مقاتل مدرعات في الكتيبة 77، قُتل في 26 نيسان/أبريل عندما أصابت مُحلِّقة القوة التي كان ضمنها قرب قرية الطيبة في جنوب لبنان، في حادثة أُصيب فيها ستة جنود آخرين.
– بعد يومين، في 28 نيسان/أبريل، قُتل عامر حجيرات، 44 عامًا من “شفاعمرو”، وهو عامل متعاقد مع وزارة “الأمن” (الحرب)، بعدما أصابت مُحلِّقة بشكل مباشر الجرافة الهندسية التي كان يعمل عليها في قرية عيترون. وأُصيب ابنه البالغ 19 عامًا، الذي كان يعمل إلى جانبه.
– في 30 نيسان/أبريل، قُتل الرقيب ليئام بن حمو، 19 عامًا من هرتسليا، وهو مقاتل في الكتيبة 13 التابعة للواء غولاني، عندما أصابت مُحلِّقة القوة التي كان ضمنها في منطقة مفتوحة قرب قرية قنطرة.
– في 10 أيار/مايو، قُتل ألكسندر غلوبنيوب، 47 عامًا من “بيتح تكفا”، وهو جندي احتياط تطوع للخدمة، بعدما أصابت المُحلِّقة ناقلة الدبابات التي كان يقودها في موقع داخل الأراضي “الإسرائيلية” قرب “الحدود”.
– في 16 أيار/مايو، قُتل النقيب معوز يسرائيل ريكانتي، 24 عامًا من “إيتمار”، وهو قائد فصيل في الكتيبة 12 التابعة للواء “غولاني”، إثر إصابة بمُحلِّقة في جنوب لبنان.
– في 22 أيار/مايو، قُتل الرقيب أول نوعام همبورغر، 23 عامًا من “عتليت”، وهو جندي تكنولوجيا وصيانة في اللواء 401، عندما أصابت مُحلِّقة قوة عسكرية في موقع “بيرنيت” داخل الأراضي “الإسرائيلية”، بين كيبوتس “ساسا” و”موشاف نطوعا”.
– بعد يومين، في 24 أيار/مايو، قُتل الرقيب نهوراي لايزر، 19 عامًا من “إيلات”، وهو مقاتل هندسة قتالية في الكتيبة 601، بعدما أُصيب بشظايا مُحلِّقة في قرية دبل بمنطقة بنت جبيل، بينما كان يقف خارج ناقلة الجند متجهًا إلى منطقة محمية.
– في 27 أيار/مايو (أمس)، قُتلت الرقيب روتم يناي، 20 عامًا من “غفعات عدا”، وهي مجندة مسؤولة عن شؤون الأفراد في كتيبة “روتم” التابعة للواء “غفعاتي”، بعدما أصابت مُحلِّقتان متفجرتان منطقة “شوميرا”. وقد أُصيبت أيضًا أثناء توجهها إلى منطقة محمية بعد إطلاق الإنذارات.
وتابعت الصحيفة: “قبل ثلاثة أيام فقط، نشر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مقطع فيديو قصيرًا على شبكات التواصل الاجتماعي تطرق فيه مباشرة إلى تهديد المُحلِّقات، وقال: “نحن نعالج هذا الأمر وسنجد له حلاً”.
وتكمن المشكلة الأساسية في المُحلِّقات العاملة بالألياف البصرية، وهي مُحلِّقات متصلة بسلك ألياف رفيع يكاد يكون غير مرئي، ولا تبث إشارات، ما يجعل اكتشافها واعتراضها بالغ الصعوبة، على ما تورد “إسرائيل هيوم”، ويمكن أن يمتد هذا السلك لمسافات طويلة جدًا من مشغّل المُحلِّقة.
ويشمل رد الجيش “الإسرائيلي” على تهديد المُحلِّقات حلولًا للرصد والاعتراض والحماية السلبية، لكنها حتى الآن لم تنجح في منع إصابة الجنود على حدود لبنان.
الرصد
وأوضحت الصحيفة أن النشر الواسع للرادارات التكتيكية الصغيرة المثبتة على الحوامل قرب القوات، هدفها إصدار الإنذارات والتمييز بين المُحلِّقات والطيور، لكنها عانت حتى الآن من كثرة الإنذارات الكاذبة. كما تطور شركة TSG نظامًا شاملًا يعتمد على دمج عدة مجسات، ومن المتوقع عرضه خلال الأسابيع المقبلة.
الاعتراض
وبحسب الصحيفة، فإن ذخائر “سمارت شوتر” ومنظار “خنجر” المثبت على بندقية M4، الذي يطلق الرصاص في التوقيت المناسب بعد توجيهه نحو المُحلِّقة، لا تشكل حلًا كاملًا، وبالتوازي، يجري تطوير مُحلِّقات اعتراض تحمل شباكًا بقياس 5×5 أمتار تُطلق نحو المُحلِّقة المعادية لتعطيلها من دون رأس حربي، مع أفضلية استخدامها في المناطق الحضرية.
قناة العالم
لم يكن جوهر المواجهة الأخيرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة أخرى، في سؤال: من يملك السلاح الأحدث؟ بل في سؤال أشد عمقًا: من يستطيع تحمّل كلفة الحرب أكثر؟
فالإمبراطوريات لا تُقهر دائمًا بضربة قاضية؛ كثيرًا ما يبدأ تراجعها حين ينجح خصمها في تحويل قوتها إلى عبء، وحلفائها إلى كلفة، وقواعدها إلى أهداف، وحروبها إلى نزيف مفتوح في السياسة والاقتصاد والردع.
هذا ما فعلته إيران. لم تدخل المواجهة بمنطق الطرف الذي يريد إثبات قدرته على الرد فحسب، بل بمنطق الدولة التي تعرف أن الردع الحقيقي لا يقوم على إطلاق الصواريخ وحدها، بل على بناء معادلة كلفة تجعل الخصم يعيد حساب كل خطوة: كم سيستهلك؟ كم سيدافع؟ كم سيحمي؟ وكم سيخسر من هيبته إذا طال الاشتباك؟
أرادت واشنطن و “تل أبيب” أن يكون العدوان طريقًا إلى إعادة ضبط إيران وفق شروط القوة الأميركية. لكن طهران نقلت المعركة إلى مساحة أخرى: لم تعد المسألة ضربة وردًا، بل قدرة على استنزاف منظومة كاملة؛ قواعد في الخليج، دفاعات لحماية الكيان، أسواق طاقة، ممرات بحرية، وكابلات بيانات تمر في أعماق الجغرافيا نفسها التي ظنت الإمبراطورية أنها تتحكم فيها من بعيد.
هنا يبدأ المعنى الأهم: إيران لم تكن تختبر قوتها وحدها، بل كانت تختبر حدود القوة الأميركية.
حين تنقلب الحماية إلى عبء
قامت الهيمنة الأميركية في الخليج على وعد بسيط: القواعد تحمي، والأساطيل تردع، والمظلة الأميركية تمنح الحلفاء أمنًا مستوردًا. غير أن المواجهة مع إيران وضعت هذا الوعد تحت اختبار قاسٍ. فالدولة التي تستضيف قاعدة أميركية لا تستضيف الحماية وحدها؛ تستضيف أيضًا هدفًا محتملًا إذا اتسعت النار.
هنا تكمن النقلة. لم تعد القواعد الأميركية مجرد منصات لإدارة الحروب من بعيد، بل أصبحت جزءًا من كلفة الحرب نفسها. قاعدة العديد قد تكون العنوان الأكثر ظهورًا، لكن الرسالة لا تقف عندها. كل وجود عسكري أميركي في الخليج صار محكومًا بسؤال جديد: هل هو ضمانة أمنية أم نقطة جذب للرد؟
بذلك ضربت إيران فكرة الحصانة لا الجدران وحدها. فالقوة الأميركية لا تعيش بترسانتها فقط، بل بالصورة التي تجعل الآخرين يعتقدون أنها تضرب من دون أن تُضرَب، وتدير الحرب من دون أن تدفع ثمنها المباشر. حين يصبح الوجود العسكري الأميركي قابلًا للاستهداف، يتصدع شيء من الرهبة التي سبقت السلاح ومهّدت له.
لم تتبدد قوة أميركا، لكن هالتها تضررت. وهذا أخطر سياسيًا من خسارة عسكرية محدودة. فالإمبراطورية التي تضطر إلى حساب كلفة كل قاعدة، وكل اعتراض، وكل حليف، لا تعود في الموقع نفسه الذي كانت فيه حين أدارت النار من مسافة آمنة.
حماية الكيان ليست مجانية
المعضلة الثانية ظهرت في الدفاع عن الكيان الصهيوني. فالكيان، رغم ترسانته ودعمه الأميركي المفتوح، لم يكن قادرًا على إدارة المواجهة منفردًا. كل موجة صواريخ أو مسيرات إيرانية كانت تختبر أكثر من سماء تل أبيب؛ كانت تختبر المخزون الأميركي ذاته.
هنا يتغير معنى القوة. الصاروخ الإيراني لا يُقاس فقط بما يصيب، بل بما يستدعيه من اعتراض، وما يستهلكه من منظومات دفاع، وما يفرضه من تعبئة سياسية وعسكرية واقتصادية. وإذا طال زمن الحرب، يصبح السؤال الأخطر: من يستنزف من؟ هل تستنزف واشنطن إيران بالضغط، أم تستنزف إيران واشنطن بإجبارها على تمويل حماية مفتوحة لكيان لا يستطيع تحمّل المواجهة وحده؟
هنا يصبح الزمن سلاحًا. فإيران، بما تملكه من قدرة على الإنتاج والتعويض والمراكمة، لا تراهن على ضربة واحدة، بل على حرب نَفَس طويل. أما الولايات المتحدة، فكلما اندفعت أعمق في حماية الكيان، كشفت حدود مخزونها الدفاعي وحدود قدرتها على خوض أكثر من مواجهة في أكثر من مسرح.
وهذا ما يجعل الكيان جزءًا من مأزق الإمبراطورية. يستطيع أن يشعل الحرب، لكنه لا يضمن نهايتها. يستطيع أن يستدعي واشنطن، لكنه لا يعفيها من الكلفة. وكلما احتاج إلى حماية أوسع، انكشفت حقيقة أكثر قسوة: التفوق الصهيوني ليس قائمًا بذاته، بل هو محمول على ظهر قوة أميركية بدأت تكتشف أن الحماية المستمرة قد تتحول إلى استنزاف مستمر.
الجغرافيا حين تفاوض
ثم تأتي ورقة هرمز، وهي ليست تفصيلًا في الجغرافيا، بل قلب المعادلة. فمن يقرأ هرمز بوصفه ممرًا نفطيًا فقط لا يرى إلا نصف الصورة. المضيق أحد أعصاب النظام العالمي: تمر عبره الطاقة، وتتحدد حوله كلفة الشحن والتأمين، وفي أعماقه تعبر كابلات بحرية للألياف الضوئية تحمل جزءًا حيويًا من الاتصالات والبيانات والخدمات المالية.
إيران لا تحتاج إلى إغلاق شامل للمضيق كي تجعله ورقة تفاوض. يكفي أن يصبح المرور فيه، خصوصًا أمام القوى المعادية، محفوفًا بحسابات جديدة. بعض الأوراق لا تُستخدم بإحراقها، بل بمجرد جعلها حاضرة. وهرمز من هذا النوع: وجوده على الطاولة يغيّر لغة التفاوض قبل أن يتغير مسار السفن.
ما معنى ذلك؟ معناه أن الحرب على إيران لا تبقى حربًا على إيران. إذا توسعت، فقد تنتقل إلى أسعار النفط، والتأمين البحري، وسلاسل الإمداد، وحركة البيانات، والبنوك، والأسواق. عند هذه النقطة لا تفاوض واشنطن طهران وحدها؛ تفاوض الجغرافيا، والطاقة، والاقتصاد الرقمي، وقلق الحلفاء.
هذه هي براعة الورقة الإيرانية: لا إشعال كاملاً، ولا صمت كاملاً. بل حضور محسوب يجعل العالم يتذكر أن العدوان على إيران ليس عملية جراحية محدودة، بل احتمال اضطراب واسع في شرايين الاقتصاد العالمي.
التفاوض كامتداد للردع
من الخطأ قراءة التفاوض بوصفه مسارًا منفصلًا عن الردع. إيران لم تذهب إلى الطاولة بعد أن انتهت المواجهة، بل ذهبت وهي تحمل آثارها السياسية: القواعد لم تعد آمنة، حماية الكيان مكلفة، هرمز حاضر، والخليج يعيد حساب المسافة بين استضافة الإمبراطورية ودفع ثمنها.
هنا يظهر معنى الندية. الندية لا تعني تساويًا حسابيًا في عدد الطائرات أو حاملات السفن، بل قدرة طرف على فرض كلفة تمنع الطرف الأقوى من تحويل تفوقه إلى إملاء. إيران لا تحتاج إلى أن تكون أقوى من أميركا كي تغيّر شروط اللعبة؛ يكفي أن تجعل القوة الأميركية عاجزة عن العمل بلا ثمن.
لهذا بدا الارتباك الأميركي واضحًا. الخطاب العالي لم يُلغِ الحاجة إلى الوسطاء. التهديد لم يُلغِ حسابات الخليج. والرغبة في التصعيد اصطدمت بأسئلة الطاقة والقواعد والمخزون الدفاعي. أما ترامب، الذي يحب تقديم نفسه رجل صفقات وحسم، فوجد أن الصفقة مع إيران لا تُصنع بالتهديد وحده، لأن طهران جاءت إلى الطاولة لا بورقة واحدة، بل بمنظومة كلفة كاملة.
في هذه اللحظة، لم يعد الخليج ينظر إلى الحرب بالسؤال القديم: كيف تُحاصر إيران؟ بل بالسؤال الأكثر واقعية: ما ثمن حرب طويلة معها؟ هذه النقلة في السؤال واحدة من نتائج الردع الإيراني. فالردع لا يقاس فقط بما يفعله بالعدو المباشر، بل بما يفعله بحسابات البيئة المحيطة كلها.
عالم لا تديره واشنطن وحدها
تأتي هذه المواجهة في عالم لم يعد عالم ما بعد الحرب الباردة. لم تعد واشنطن تتحرك في فراغ دولي، ولم تعد قوتها العسكرية وحدها كافية لإغلاق المعادلات السياسية. صعود الصين، وحضور روسيا، واتساع الحديث عن تعدد الأقطاب، كلها خلفية تجعل المواجهة مع إيران جزءًا من اختبار أكبر: هل لا تزال الإمبراطورية قادرة على فرض النتائج كما كانت؟
إيران هنا ليست مجرد دولة إقليمية تدافع عن مصالحها، بل عقدة في امتحان عالمي لحدود القوة الأميركية. فإذا عجزت واشنطن عن تحويل تفوقها العسكري إلى نتيجة سياسية في مواجهة دولة محاصرة منذ عقود، فماذا يقول ذلك عن موقعها في عالم تتعدد مراكزه وتتشقق فيه سردية القطب الواحد؟
كلما طال الاشتباك، وتضخمت الكلفة، واحتاجت واشنطن إلى وسطاء ومخزون دفاعي وحسابات خليجية معقدة، ظهر أن العالم القديم يفقد شيئًا من سطوته. لا تُرسم ملامح التعددية القطبية في القمم والمؤتمرات وحدها؛ بل ترسمها أيضًا اللحظات التي تكتشف فيها الإمبراطورية أن سلاحها لم يعد يصنع الخوف، وأن خصومها بدأوا يتعاملون مع قوتها بوصفها كلفة قابلة للحساب، لا قدرًا لا يُقاوَم.
من يفرض الكلفة يفرض السياسة
من يستطيع فرض الكلفة يستطيع فرض السياسة. هذه هي الخلاصة التي خرجت بها المواجهة: لم تعد القواعد الأميركية خارج الحساب، ولم تعد حماية الكيان مجانية، ولم يعد هرمز مجرد ممر للطاقة، بل ورقة تفاوض عالمية تمتد من النفط إلى البيانات، من الأسواق إلى أعصاب الاقتصاد الرقمي.
لقد أرادوا أن يجعلوا العدوان طريقًا إلى إعادة تشكيل إيران وفق الشروط الأميركية، فإذا بإيران تعيد تشكيل سؤال الحرب نفسه: من يدفع الثمن؟ من يتحمل الزمن؟ من يحمي الحليف؟ ومن يملك القدرة على تحويل الضغط إلى رصيد؟ هنا لم تكن طهران ترد على ضربة فقط، بل كانت تعيد تعريف معنى الردع في عالم لم يعد يقبل إدارة أميركية منفردة.
حين يفقد السلاح قدرته على بث الخوف، تبدأ الإمبراطوريات في التراجع قبل أن تعترف بذلك. وهذا ما جعلته إيران مرئيًا: زمن الحرب المجانية يضيق، وزمن الندية يتقدم، ومن يحوّل العدوان إلى كلفة لا يدخل التفاوض منتظرًا الشروط، بل يدخل وهو يملك القدرة على صناعتها.
إلهامي المليجي – الميادين
مع أنه لم يتمّ الإعلان رسمياً عن انتهاء الحرب، فإنّ معظم دول المنطقة بدأت تعيد ترتيب أوراقها بشأن مستقبل علاقاتها وتحالفاتها الإقليمية والدولية، وسبل تعاطيها مع ملفات المنطقة وقضاياها الأساسية.
ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال الزيارات الرسمية الخارجية لعدد من القادة والمسؤولين السياسيين، والتصريحات الرسمية وغير الرسمية الهامة واللافتة في مضمونها وتوقيتها، وتحليلات وقراءات مراكز الأبحاث والدراسات التي لا تنطق من “فراغ”، والتعاطي العالمي مع تداعيات الحرب على مختلف الصعد.
صحيح أنه لا يمكن حصر تأثيرات الحرب وأبعادها الإقليمية والدولية بملفين اثنين أو ثلاثة، إلّا أنّ معظم تحليلات السياسيين تستند في مضمونها إلى تطوّرات ومعطيات ثلاثة ملفات أساسية هي: إغلاق مضيق هرمز وتداعياته على اقتصاد المنطقة والعالم، والوجود الأميركي في المنطقة ومبرّراته ومفاعليه، والعامل الإسرائيلي وأثره على استقرار المنطقة أولاً، ومن ثمّ العالم ثانياً.
الحرب فضحت كلّ شيء
مع اقتراب إغلاق مضيق هرمز من إتمام شهره الثالث، وسط لامبالاة أميركية واضحة لتأثيراته وانعكاساته السلبية على اقتصادات المنطقة والعالم، فإنّ معظم دول المنطقة بدأت تعمل على محورين:
الأول: تكثيف اتصالاتها مع إيران للتوصّل إلى تصوّر مشترك يضمن استمرار عمل المضيق في المستقبل لما فيه مصلحة جميع دول المنطقة. ويلاحظ في هذا السياق أنّ جميع دول الخليج لا تزال تحافظ على قنوات اتصال دبلوماسية نشطة مع طهران، وهناك اتصالات سياسية تجري على أعلى المستويات بين دول المنطقة بهذا الخصوص، وهو أمر يصبّ في خدمة جهود التهدئة وإيجاد مخرج سياسي ودبلوماسي من الحرب التي افتعلتها الولايات المتحدة و”إسرائيل”.
الثاني: يتمثّل في وضع الدول سيناريوهات لمشاريع جديدة تساعدها على تجاوز عقدة المضيق، أو الحدّ -قدر الإمكان- من تحكّم المضيق في اقتصادها، سواء حدثت مستقبلاً توترات جديدة أو لم تحدث. فمثلاً، أعلنت دولة الإمارات مؤخّراً عن مشروع جديد لإنشاء خط أنابيب نفطي يتجاوز مضيق هرمز، في خطوة تهدف إلى تعزيز أمن صادراتها النفطية، كما أنّ السعودية تخطط لزيادة حجم صادراتها النفطية وتجارتها السلعية عبر البحر الأحمر، فيما يدرس العراق جدّياً إعادة تشغيل خط أنابيب كركوك- بانياس وإنشاء خط آخر جديد بطاقة استيعابية أعلى، وما إلى ذلك من أفكار ومشاريع تحتاج في نهاية المطاف إلى توظيف استثمارات كبرى غير متوفّرة اليوم بعد الخسائر التي منيت بها جميع دول المنطقة من جرّاء هذه الحرب.
ولا يبدو أنّ مصير الوجود العسكري الأميركي في المنطقة ببعيد عن النقاشات الجارية حالياً على أكثر من مستوى. وإذا كانت حكومات الدول المعنية بهذا الملف تتجنّب الخوض علانية فيه، فإنّ الرأي العامّ الشعبي بات يميل إلى ضرورة إعادة النظر بمسألة وجود القواعد الأميركية ومهامها ومستقبلها، بعدما تبيّنت حقيقة المهمة الأساسية لهذه القواعد، وعجزها عن حماية مصالح الدول الموجودة فيها.
وأياً كان القرار الرسمي حيال مصير القواعد والمنشآت العسكرية الأجنبية عموماً، فإنّ تزايد الشكوك الشعبية حيال جدواها واستمراريتها من شأنه أن يمهّد الطريق مستقبلاً لمغادرتها المنطقة، أو على الأقل تقليص حجمها ومهامها كما حدث سابقاً في دول أخرى كالعراق مثلاً.
أما “إسرائيل” التي كانت تعتقد أنها بعد هذه الحرب سوف تسود المنطقة وتستبيح أمنها، وتفرض بالتالي شروطها للتطبيع وليس للسلام، فقد منيت بهزيمة كبرى عسكرياً وسياسياً واقتصادياً.
ولعلّ أهمّ أشكال تلك الهزيمة أنّ الصورة التي تشكّلت عن “إسرائيل” في العالم بعد حرب الإبادة التي شنّتها على غزة، ترسّخت أكثر بعد الحرب على إيران، لا بل إنها أصبحت أكثر بشاعة من ذي قبل، فضلاً عن أنّ سياسات نتنياهو المتطرّفة أسهمت في خلق تحالفات إسلامية جديدة يجمعها الخوف من مشاريع “تل أبيب” التوسّعية وأعمالها العدوانية، وبدلاً من محور واحد للمقاومة أصبح هناك محاور أخرى، وإن اختلفت أهدافها ومبادؤها ووظائفها، إلا أنها في النهاية تتفق سراً أو علانية على خطر “إسرائيل” والتحالف معها.
خسارة بكلّ المفاهيم
في كلّ الملفات السابقة نلاحظ أنّ إدارة ترامب كانت هي الخاسر الأكبر؛ من فشلها في إعادة فتح مضيق هرمز وتدفّق الصادرات النفطية والغازية إلى الأسواق العالمية، إلى عجزها عن حماية قواعدها ومنشآتها العسكرية في المنطقة ومنع إخراجها من الخدمة، وصولاً إلى فرض العالم مزيداً من العزلة على “إسرائيل”، ونسف ما كانت تروّج له من حدود قوتها العسكرية وتشكيلها لشرق أوسط جديد، وما أسفر عنه كلّ ذلك من دفع الدول للتحالف فيما بينها لمواجهة “تل أبيب”.
ليس في الأمر مبالغة، فما حقّقته الحرب الأخيرة على إيران لم يكن في حسبان الغرب و”إسرائيل” وبعض دول المنطقة، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، ولذلك فإنّ جلّ طموحات الرئيس ترامب اليوم هي الحصول على بعض المكاسب على طاولة المفاوضات لحفظ ماء وجهه داخلياً، وإلّا لكانت قواته شنّت هجوماً جديداً بعد انتهاء عشرات المهل التي كان يمنحها، لكنه بصراحة لا يعرف ماذا تخبّئ له طهران، وإلى أين يمكن أن تسير الأمور فيما لو تجدّدت الحرب.
ربما هي فرصة تاريخية لدول المنطقة لتعيد ترتيب أوراقها بما يخدم مصالح شعوبها ويحمي ثرواتها وإمكانياتها، وبقدر ما تنجح هذه الدول في تجنّب “مصيدة” الحرب التي وضعتها واشنطن و”تل أبيب” لها، وامتلاك الجرأة على اتخاذ قرارات وطنية سيادية بعد الثمن الاقتصادي الباهظ الذي دفعته من جرّاء هذه الحرب، يتضح إلى أين يسير مستقبل المنطقة برمّتها.
الميادين
في آخر تصريحاته قال الرئيس ترامب أن بلاده أجرت محادثات جيدة مع إيران وأن الاتفاق بين البلدين بات قريبا. بالنسبة للمتابعين هذا ليس الإعلان الأول من نوعه (ولن يكون الأخير)، وهو لا يمنع عودة ترامب إلى لغة التهديد والوعيد مرة أخرى.
في مقال لصحيفة هآرتس، رأى الكاتب أن ترامب يقع للمرة الأولى في مسيرته السياسية في شر أعماله، وأنه يعاني من أزمة في التعامل مع نتائج مجموعة القرارات السيئة التي اتخذها وانتهت بالفشل. الأزمة بالأصل ليست شخصية، فالولايات المتحدة عبر تاريخها ارتكبت العديد من الحماقات العسكرية التي انتهت بمشاهد مذلة لقواتها وهي تغادر ساحات المعارك في فيتنام، ولبنان، وأفغانستان وغيرها كثير.
تختلف أزمة إدارة ترامب في أن سلسلة القرارات والتصريحات التي أطلقها الرئيس لم تكن نتيجة خطة مدروسة ومتفق عليها داخل الإدارة، بل كانت اجتهادات شخصية أدت إلى إرباك السياسيين، وإقالة العديد من كبار العسكريين. هذا الإرباك أشارت إليه صحيفة نيويورك تايمز من خلال متابعتها للتصريحات المتناقضة لوزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الأميركي ماركو روبيو.
الهزيمة كما تبدو في الصورة هي لرئيس أكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم أمام دولة نامية متوسطة الحجم ومحدودة القوة مقارنة بخصمها. وفي الوقت نفسه هزيمة لأقوى جيش في العالم في حرب تقليدية بين الجيوش، وليس حرب عصابات كما حدث في مناطق أخرى من العالم. لمحو هذه الصورة يترافق كل تصريح لترامب حول قرب الوصول إلى اتفاق شامل، بالتأكيد على أنه طلب إيران بعد تدمير قدراتها العسكرية والسياسية، وموافقتها على عدم امتلاك أسلحة نووية، رغم أنها لم تعلن يوما رغبتها في امتلاك هذه الأسلحة.
لكن السؤال يبقى مطروحا، هل فعلا اقتربت المفاوضات من نهايتها، وأن الاتفاق الشامل على الأبواب؟
جميع الشواهد تشير إلى أن تصريحات ترامب ليست سوى “فرقعة” إعلامية، وأن ما يحدث في الميدان وأروقة الدبلوماسية يختلف تماما. فالتهديدات الإيرانية بالتصدي لأي محاولة أميركية لعبور المضيق، رافقها استعراض قوة قامت به الزوارق البحرية الإيرانية الصغيرة “أسطول البعوض”، والذي يحمل ذكرى أليمة للبحرية الأميركية عندما تمكنت هذه الزوارق من اعتراض زورق تابع للبحرية الأميركية وأسر جنود أميركيين عام 2016. رغم التصريحات الأميركية بتدمير جزء كبير من قطع الاسطول الإيراني، إلا أن التقديرات تشير إلى أن إيران تمتلك الالاف من هذه الصواريخ القادرة على التحرك بسرعة خاطفة، مستخدمة الصواريخ والمسيّرات التي تشكل تهديدا جديا للسفن العسكرية والتجارية في المنطقة. ترافق استعراض القوة هذا بتصريحات صارمة من أكثر من مسؤول إيراني للعودة إلى الحرب إذا استدعى الأمر ذلك.
في الداخل الإيراني يبرز إعلان نائب رئيس البرلمان الإيراني علي نيكزاد، أن طهران أعدّت مشروع قانون جديد لتنظيم الملاحة في مضيق هرمز، وأن سفن العدو الصهيوني لن يسمح لها بالمرور نهائيا، وبقية السفن ستحتاج إلى تصريح خاص من إيران. وفي تحديد البعد الاقتصادي للقانون أشار السيد محمد رضا رضائي إلى أن رسوم العبور ستقسّم بحيث، يذهب 30% منها لدعم القوات المسلحة، و70% لتحسين ظروف معيشة الإيرانيين.
في جانب الحلفاء تبرز تصريحات السيد محمد باقر قاليباف حول وحدة المسار السياسي الإيراني واللبناني، وأن إيران ملتزمة بحماية حزب الله والشعب اللبناني. تؤكد هذه التصريحات أن استمرار خروقات العدو لوقف إطلاق النار في لبنان، سينعكس سلبا على إمكانية التوصل إلى اتفاق قريب. يدرك العدو الصهيوني أن شمول جنوب لبنان في الاتفاق النهائي يعني الحد من قدرته، ولفترة طويلة، على ضرب إمكانيات المقاومة التي ستخرج هي الأخرى منتصرة من هذه الحرب، لذلك يسعى بأقصى قوته وسرعته لفرض اتفاق “استسلام” على الحكومة اللبنانية، يسمح للدولة اللبنانية مدعومة من الأنظمة العربية وقوى دولية بسحب سلاح حزب الله وتحويله إلى منظمة سياسية. هذا الجهد “الإسرائيلي” تدعمه دولة الإمارات، التي ترى أن اتفاق وقف إطلاق نار لا يُجهز على محور المقاومة يعني العودة إلى توازن الدول الكبرى في المنطقة (إيران، السعودية، مصر، تركيا) وأن دورها الإقليمي الذي يتفوق كثيرا على حجمها السياسي سيتراجع بحدة. لذلك انخرطت دولة الإمارات في حلف كامل مع العدو الصهيوني، إلى درجة تجعلهما كيانا واحدا من ناحية المواقف السياسية.
من الواضح تماما أن سيناريو الحرب الكبرى قد تراجع إلى أبعد نقطة، إذا لم يكن قد زال بشكل نهائي، لكن هذا التراجع لا يعني حتمية التوصل إلى اتفاق في وقت قريب. فإمكانية “تجميد” الصراع وانتظار اللحظة المناسبة لإعادة إثارته قد تكون أحد السيناريوهات التي تعمل الولايات المتحدة على تطبيقها. خاصة وأن تجميد الحرب يضمن بقاء الوضع على حاله، أي وجود القطع البحرية الأميركية في مضيقي هرمز وعُمان، مما يسمح باستخدامها من حين لآخر لإبقاء إيران في حالة توتر واستنزاف.
تدرك إيران أن هذا السيناريو لن يسمح لها بقطف ثمار النصر الذي حققته في الميدان، وأنه سيُبقي البلاد عرضة لمؤامرات داخلية وخارجية تتحين الفرص للانقضاض عليها. يدفع هذا الإدراك إيران للمضي قدما في إقرار سلسلة من الإجراءات والقوانين والشروط التي تضمن لها الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتحفظ قدرتها على الدفاع عن أراضيها، وتسمح لها بلعب دور فاعل في القضايا السياسية الإقليمية.
لن يكون الاتفاق قريباً، لكنه آت دون شك لأن أي مواجهة واسعة يمكن أن تكبد الولايات المتحدة وحلفاءها خسائر لا يقدرون على تحملها سياسيا واقتصاديا، كما أنها ستنعكس على مجمل الاقتصاد العالمي الذي يحتاج إلى وقت طويل لاستعادة بعضا من عافيته بعد الحرب الأخيرة. ستجد الولايات المتحدة وحلفاؤها أنفسهم مضطرين لتقديم الكثير من التنازلات فيما يتعلق بدورهم السياسي في المنطقة، وستتقدم إيران وحلفاؤها خطوة أخرى على الطريق الذي رسمته منذ 7 أكتوبر: طريق القدس.
عماد الحطبة- الميادين