الذين ساهموا في إسقاط النظام في سوريا داخلياً وإقليمياً ودولياً هم أنفسهم الذين أدوا دوراً مباشراً وغير مباشر في التآمر على فلسطين والمقاومة في لبنان قبل وخلال العدوان الإسرائيلي المباشر في 23 أيلول الماضي.

بموقعها الاستراتيجي ومواقفها السياسية طيلة 50 سنة ماضية، أثبتت سوريا أنها قفل ومفتاح كل المعادلات الإقليمية، بل وحتى الدولية، التي أولت منطقة الشرق الأوسط ما يكفي من الاهتمام، وما زالت كذلك بسبب وجود الكيان الصهيوني في هذه المنطقة.

وحتى إذا تجاهلنا الحروب العربية مع “إسرائيل” عام ١٩٤٨ و١٩٦٧ و١٩٧٣، وبعدها الاجتياحات الصهيونية للبنان، فقد أثبتت سنوات ما يسمى بالربيع العربي أن تقرير مصير المنطقة غير ممكن من دون سوريا، وهو ما أثبتته أحداث غزة والحرب على لبنان.

ليدفع ذلك شركاء “الربيع العربي” إلى التآمر من جديد على سوريا، ويحققوا أهدافهم بسقوط نظام الأسد في ٨ كانون الأول/ديسمبر مع استمرار الغموض والتساؤلات حول هذا السقوط الذي لا يوجد تفسير منطقي له أياً كانت السيناريوهات.

وعودة إلى أهمية سوريا ومبررات التآمر عليها، لا بد لنا من أن نذكر بالقمة الرباعية في دمشق في ٣ أيلول 2008، إذ سعى الرئيس إردوغان والفرنسي ساركوزي والأمير القطري حمد آل ثاني لإقناع الرئيس الأسد بالموافقة على مد أنابيب الغاز والبترول القطري والخليجي إلى أوروبا عبر الأراضي السورية.

رفض الأسد آنذاك هذا الاقتراح، لأنه كان يعتقد أنه يستهدف روسيا وإيران، وأغضب ذلك الأطراف الثلاثة التي قيل إنها بعد ذلك باتت تفكر، وربما تخطط.

للتخلص من الرئيس الأسد، وذلك قبل عامين مما يسمى بالربيع العربي، مع التذكير أيضاً أن حافظ الأسد كان قد رفض عام ١٩٨٨-١٩٨٩ مشروعاً لمد أنابيب للمياه أسماه أنابيب السلام لنقل نحو ٦ ملايين متر مكعب يومياً من مياه نهري سيحون وجيحون إلى سوريا والأردن، ومنها إلى “إسرائيل”، ثم السعودية ودول الخليج.

ودفع الرفض السوري هذا أنقرة إلى اتخاذ مواقف سلبية في قضية مياه الفرات مع سوريا والعراق، وخصوصاً بعدما قال الرئيس الراحل سليمان ديميريل خلال افتتاح سد أتاتورك على نهر الفرات في تشرين الأول/أكتوبر ١٩٩٢: “العرب لديهم البترول، وهم يبيعونه، ونحن لدينا المياه، ويجب أن نبيعها”.

وجاء “الربيع العربي” والدور التركي فيه ليعيد إلى الأذهان حسابات أنقرة المعقدة مع دمشق بذكرياتها التاريخية التي لم يعد المسؤولون الأتراك يخفونها، وفي مقدمتهم الرئيس إردوغان، الذي يتحدث بين الحين والحين عن “الحق التاريخي التركي العثماني في سوريا”.

وهذا ما يكرره الإعلام الموالي الذي يتغنى بالانتصار الذي حققه في سوريا بإسقاط نظام “العدو اللدود” بشار الأسد، وهو الانتصار الذي جعل من الرئيس إردوغان وتركيا “صاحب القول النهائي” في تقرير مصير سوريا خلال السنوات القادمة، وعلى المدى القريب والمتوسط، بانعكاسات ذلك على مجمل الحسابات التركية والإقليمية والدولية.

بعدما أثبتت معطيات الشهر الماضي فقط أن الذين ساهموا في إسقاط النظام في سوريا داخلياً وإقليميا ودولياً هم أنفسهم الذين أدوا دوراً مباشراً وغير مباشر في التآمر على فلسطين والمقاومة في لبنان قبل وخلال العدوان الإسرائيلي المباشر في ٢٣ أيلول/سبتمبر الماضي، فأصبح حزب الله المتضرر الأكبر من هذا التآمر الذي يبدو واضحاً أنه سيستمر بعد أن يتحول حكام دمشق الجدد إلى أداة عربية -إقليمية – دولية لمحاصرة لبنان والتآمر على مقاومته وشعبه.

هذا التآمر سيمتد ليشمل إيران التي خسرت موقعين استراتيجيين هما سوريا ولبنان، وبإطلالتهما على الأبيض المتوسط.

حيث باتت تواجه أكثر من خطر مباشر وغير مباشر عبر النظام الجديد في دمشق، وهو الخطر الذي يتحدث عنه المسؤولون الإيرانيون وسط أحاديث الأوساط السياسية الإيرانية عن مساعي طهران لإعادة ترتيب الأوراق من جديد لمواجهة تطورات المرحلة القادمة بعدما بات واضحاً أن الجميع، وبعد ٢٠ كانون الثاني/يناير الجاري، سيستنفر كل إمكانياته لتضييق الحصار على هذا البلد.

وهو ما يفعلونه منذ ثورة الامام الخميني التي خسرت حليفاً استراتيجياً، ألا وهي سوريا، التي لم تعد بحكامها الجدد “قلب العروبة النابض”.

كما لم تعد قلعة الصمود والتصدي لكل المشاريع والمخططات الإمبريالية والاستعمارية والصهيونية التي كانت تهدف في الوقت نفسه لتضييق الحصار على روسيا، وقبلها الاتحاد السوفياتي.

ومؤخراً الصين، فقد خسرت موسكو أهم حليف استراتيجي لها في الشرق الأوسط منذ منتصف الخمسينات من القرن الماضي، أي سوريا، بإطلالتها الاستراتيجية على الأبيض المتوسط.

ولن يكون للروس بعد الآن أي ملجأ على شواطئه بعد أن يقرر حكام دمشق الجدد إغلاق القواعد الروسية الجوية والبحرية في سوريا، وهو ما لن يكون بعيداً أبداً.

فالجميع يعرف أن العواصم الغربية ستشترط على هؤلاء الحكام إغلاق القواعد مقابل الاعتراف بشرعيتها ورفع العقوبات عنها وتمويل مشاريعها، وكل ذلك بالتنسيق والتعاون مع أنقرة.

ولن تتردد العواصم المذكورة في التنسيق والتعاون مع أنقرة لتضييق الحصار على روسيا، ليس فقط شرق الأبيض المتوسط، بل في القوقاز وآسيا الوسطى، حيث الجمهوريات الإسلامية ذات الأصل التركي، والتي ترى فيها روسيا حديقة خلفية لها.

ومن يعكر صفوها سوف يخلق المشكلات لروسيا التي يعيش فيها نحو ٢٠ مليون مسلم تربطهم علاقات الدين والقومية مع الأتراك الذين يريد لهم إردوغان أن يحيوا ذكريات الخلافة والسلطنة العثمانية بعاصمتها الجديدة دمشق الأموية.

وتراقب تطوراتها من كثب أيضاً بكين التي أعلنت رسمياً قلقها من تعيين البعض من مواطنيها من مسلمي الإيغور في مناصب عسكرية في الجيش السوري الجديد. وقد باتوا يهددون في حساباتهم في شبكات التواصل الاجتماعي الصين، كما يهدد المسلحون من أصول شيشانية وأوزبكية روسيا. وربما لهذا السبب استعجل وزير خارجية أوكرانيا في زيارة دمشق وفتح السفارة هناك بعد المعلومات التي سبق أن تحدثت عن وصول نحو مئة عسكري أوكراني إلى إدلب لتدريب مسلحي هيئة تحرير الشام على استخدام الأسلحة المتطورة قبل 3 أشهر من سقوط دمشق.

أما الخسارة الأكبر بالنسبة إلى الصين، فهي انتكاساتها المحتملة في مشروع مبادرة “الحزام والطريق” الذي تم الإعلان عنه عام ٢٠١٣ ليمتد الفرع الأول منه من الساحل الصيني عبر سنغافورة والهند باتجاه البحر المتوسط، أي الساحل السوري.

وسيكون مغلقاً بعد الآن في وجه الصين، ليس تجارياً واقتصادياً فحسب، بل وحتى سياسياً، بسبب دور المقاتلين الإيغور في الجيش والمخابرات وباقي مؤسسات وأجهزة الدولة السورية.

وسيكون لتركيا فيها الدور الأساسي مع منافسة محتملة مع السّعودية أو التنسيق معها إلى جانب الشريك الاستراتيجي قطر، المعروفة بعدائها التقليدي للإمارات التي باتت تتحدث عن قلقها من حكم “الإسلاميين المتطرفين” في سوريا.

وأثبتت كل التطورات الأخيرة أن المستفيد الأكبر، بل وربما الوحيد فيها، هو الكيان الصهيوني، وكل من سيكون معه في المرحلة القادمة بتعليمات وأوامر الرئيس ترامب الذي “سيصول ويجول” في المنطقة كما يشاء، ما دام معظم حكامها يتسابقون في ما بينهم لإثبات ولائهم له، وهو سيطلب منهم المزيد من التآمر على شعوبهم وشعوب المنطقة وقضاياها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، الخاسر الأكبر بسقوط دمشق، خندق الدفاع الأول، وهي الآن تواجه التحدي الأكبر الذي سيقرر، ليس مصيرها فحسب، بل مصير المنطقة برمتها أيضاً، وبكثرة المتواطئين فيها.

حسني محلي – الميادين

شكّل عام 2024 عاماً مفصلياً لمحور المقاومة، حيث تلقى ضربات كبرى تجلّت في الابادة في غزة، ثم “مجزرة البايجر” وصولاً الى اغتيال السيد حسن نصرالله وقادة حزب الله، وبعدها سقوط النظام في سوريا.

لا شكّ، تمّ خلط الأوراق في الشرق الأوسط بعد التطورات العديدة التي عاشتها منطقة الشرق الاوسط منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2023، ولغاية نهاية عام 2024.

خلال هذه الفترة، تعرّض “محور المقاومة” الى ضربات عديدة أبرزها سقوط النظام في سوريا وهو ركن أساسي من أركان المحور.

لكن خلط الأوراق هذا، وتبدل موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط ليس جديداً على المنطقة، التي تعيش تحديات عديدة وتحوّلات منذ مطلع القرن العشرين حين سقطت الإمبراطورية العثمانية. وبعدها، حصلت تحوّلات عديدة فانهارت الملكيات العربية، ونشأت القومية العربية وسواها من الحركات الفكرية والايديولوجية.

وكان الحدث الأبرز الذي أدخل المنطقة في عقود من عدم الاستقرار السياسي والأمني هو نشوء “اسرائيل” عام 1948، وتقسيم فلسطين بين العرب واليهود وهم الذين لم يكونوا سوى فئة قليلة جداً في مطلع القرن العشرين، لكن أعدادهم ازدادت باضطراد بنتيجة التواطئ الدولي لتعزيز الهجرة الاستيطانية اليهودية الى أرض فلسطين التاريخية.

 ومنذ ما بعد خروج البريطانيين من المنطقة في السبعينات من القرن الماضي، وإحلال النفوذ الأميركي مكانه، ساهمت الاستراتيجيات الأميركية في خلط الأوراق وبدلت ديناميكيات المنطقة والتوازنات فيها، على الشكل التالي:

– عقد الثمانينات

فاجأت التطورات والثورة الاسلامية في إيران الأميركيين في المنطقة، إذ أزاحت حليفهم الشاه لصالح حكم اسلامي يدعو أميركا “الشيطان الأكبر”.

مباشرة بعد الثورة في إيران عام 1979، بدأت الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، والتي دعم الأميركيون فيها والعرب صدام حسين وذلك لاحتواء النظام الاسلامي الجديد واغراقه في حرب مدمرة يعجز معها عن تصدير ثورته الى المنطقة.

عقد التسعينات

– بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، ودخول صدام حسن الى الكويت، أقام الأميركيون تحالفاً دولياً لتحرير الكويت، ورعوا اتفاقيات سلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين وفرضوا نفوذهم الأوحد في المنطقة، وطبقوا سياسة “الاحتواء المزدوج” لكل من العراق وإيران.

عاشت المنطقة خلال عقد التسعينات مرحلة استقرار نسبي، عبر التفرد الأميركي بالهيمنة الاقليمية.

– بعد 11 ايلول 2011

حصلت احداث 11 ايلول / سبتمبر الارهابية والتي ضربت برجي التجارة العالمية في نيويورك، فاعلن الأميركيون استراتيجية “الحرب على الإرهاب” التي كان نتيجتها حربي افغانستان 2001 والعراق 2003.

أدّت الحرب على الارهاب وسقوط نظام طالبان وصدام حسين الى فك عزلة ايران، وخروجها من سياسة الاحتواء الأميركية التي كانت مفروضة عليها لأكثر من عقدين من الزمن.

حوّل الايرانيون التهديد الأميركي – عبر التواجد في بلدين مجاورين- الى فرصة لتكريس وتوسيع نفوذهم الاقليمي، لكنها أدّت ايضاً الى تسعير الصراع السنّي الشيعي، عبر التخويف مما سمي ” تشكّل الهلال الشيعي” بعدها .

مرحلة الربيع العربي

حاول الرئيس الأميركي باراك اوباما، خلط الأوراق مجدداً في الشرق الأوسط عبر دعم الثورات العربية التي تحوّلت في جزء منها الى صراع سنّي سنّي، ومحاولة لمدّ النفوذ التركي في أنحاء العالم العربي من المحيط الى الخليج.

مع بداية الربيع العربي، لاقت إيران التطورات بترحيب فأطلقت على تلك الثورات اسم “الصحوة الاسلامية”، واعتبرت أن “مبادئ الثورة الاسلامية” تنتشر في أرجاء العالم العربي.

لكن سرعان ما تبين لكل من إيران وحزب الله في لبنان، أن وصول الربيع العربي الى سوريا سوف يهدد محور المقاومة، وستستفيد اسرائيل من سقوط النظام في سوريا لعزل المقاومة في لبنان وقطع التواصل بينها وبين عمقها الاستراتيجي وصولاً الى العراق وايران.

الشرق الأوسط الجديد

شكّل عام 2024 عاماً مفصلياً لمحور المقاومة، حيث تلقى ضربات كبرى تجلّت في الابادة في غزة، ثم “مجزرة البايجر” وصولاً الى اغتيال السيد حسن نصرالله وقادة حزب الله، وبعدها سقوط النظام في سوريا.

وعليه، يبدو أننا قادمون الى مرحلة جديدة كلياً في المنطقة، بدأت بعض ملامحها الدولية بالظهور، حيث ستكون الهيمنة الأميركية في المنطقة طاغية، وأقرب الى مرحلة التسعينات من القرن العشرين.

لكن التوازنات الاقليمية وخريطة النفوذ الإقليمي ما زالت تحتاج الى وقت للتبلور، خاصة أنها سترتبط الى حدٍ بعيد بمسار المفاوضات الأميركية الايرانية خلال عهد ترامب، ومستقبل المشهد السوري، والتطورات داخل اسرائيل بعد انتهاء الحرب ومدى قدرة نتنياهو واليمين المتطرف على الاحتفاظ بالسلطة.

الميادين

جاءت أحداث غزة وفلسطين عموماً ثم العدوان الصهيوني على لبنان وما سبقه من عدوان صهيوني متكرر على إيران وسوريا لتساعد أصحاب المشروع الشرق أوسطي على تحقيق أهدافهم النهائية.

عندما تحدث وزير الخارجية الأميركية الأسبق كولين باول لأول مرة عام 1999 عن ما يسمّى بـ”مشروع الشرق الأوسط الكبير / الجديد” وهو ما تحوّل إلى صيغة رسمية في القمة التي دعا إليها الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش في 9 حزيران/ يونيو 2004 لم يتوقع الكثيرون أن هذا المشروع سيتحوّل إلى واقع عملي في المنطقة يحقق من خلاله الأميركيون ومعهم، من دون شك، الكيان الصهيوني أهدافهم على الصعيدين الإقليمي والدولي على المديين المتوسط والبعيد.

ويفسر ذلك ما آلت إليه الأمور في المنطقة، على الرغم من حالات المدّ والجزر التي شهدتها المنطقة، وبالتالي العالم بين الحين والحين، وأخّرت تحقيق الهدف النهائي لهذا المشروع الذي خدم وسيخدم في نهاية المطاف الكيان الصهيوني.

وكانت المفاجأة، إن لم نقل الحقيقة المرة، هو أن الذين خدموا ويخدمون هذا الكيان هم المسلمون والإسلاميون بكياناتهم الرسمية والتنظيمية والشخصية كافة، في جميع الدول.

فإذا تركنا جانباً أنظمة الخليج المتواطئة جينياً مع هذا الكيان وأصحابه من الصهاينة الأوائل، فما علينا إلا أن نعود إلى مضمون المشروع الأميركي المدعوم أوروبياً، والذي أراد منذ البداية تسويق التجربة التركية إلى الدول العربية والإسلامية بعد أن جرّب الغرب الإمبريالي ما يسمّى بالإسلام المتطرف سياسياً كان أم مسلحاً، في صيغة “القاعدة” وما نتج منها، عربياً وإسلامياً ودولياً، بما في ذلك تجربة طالبان قبل الاحتلال الأميركي /الأطلسي لأفغانستان وخلاله وبعده.

وصل حزب “العدالة والتنمية” ذو الأصول الإسلامية إلى السلطة في انتخابات ديمقراطية في بلد نظامه علماني وشعبه مسلم ونمط معيشته مختلف عن شعوب المنطقة لأسباب عديدة.

أهمها التجربة الديمقراطية/ العلمانية بكل إيجابياتها وسلبياتها.

وحظي هذا الحزب منذ البداية باهتمام دول وشعوب العالمين العربي والإسلامي باعتبار أن تركيا وريثة الدولة والخلافة العثمانية الإسلامية التي تحظى بعلاقات واسعة مع الدول الأوروبية والغربية كونها عضواً في الحلف الأطلسي منذ 1952 ومرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، وحتى لو كان ذلك منذ 65 عاماً.

وجاء ما يسمّى بـ”الربيع العربي” ليساعد تركيا على لعب دور أهم وأكبر بعد أن قال الغرب الإمبريالي إنه سيسوّق الإسلام المعتدل إلى دول المنطقة ليتحوّل هذا الإسلام إلى متطرف، كما هي الحال في تجربة تنظيم “داعش” وأمثاله في ليبيا وتونس ومصر وسوريا والعراق وحتى اليمن، ثم “النصرة” في سوريا.

وجاءت أحداث غزة وفلسطين عموماً ثم العدوان الصهيوني على لبنان وما سبقه من عدوان صهيوني متكرر على إيران وسوريا لتساعد أصحاب المشروع الشرق أوسطي على تحقيق أهدافهم النهائية في إعادة صياغة المنطقة من جديد وفق المزاج الصهيو / أميركي/ إمبريالي.

وهو ما سيتحقق لها قريباً بعد أن استولت الفصائل المسلحة ذات النفس الإسلامي المعتدل والمتطرف على السلطة في دمشق التي صمدت في وجه همجية “الربيع العربي”، وقبل ذلك منذ قيام الكيان العبري في فلسطين. وسيسعى هذا الكيان العبري من خلال هذه السلطة الجديدة في دمشق لتحقيق أهدافه التالية:

أولاً، إغلاق ملف القضية الفلسطينية إلى الأبد، وبالتالي إنهاء ما فشل في تحقيقه خلال العدوان الأخير على لبنان بعد أن يغلق النظام السوري الجديد الحدود مع لبنان.

ثم يتآمر على حزب الله انتقاماً لدعمه الدولة السورية خلال سنوات ما يسمّى بـ”الربيع العربي” الدموي.

ويبدو واضحاً أن هذا ” الربيع” وبعد سقوط دمشق سيتحوّل إلى خريف مظلم سيكون خلاله الجميع، من دون استثناء، في خدمة الكيان الصهيوني الذي سيضرب ضربته القاضية من خلال تضييق الحصار على إيران، وثانياً من خلال تحقيق المصالحة ليس السياسية بل العقائدية عبر التطبيع الرسمي مع دمشق بنظامها “الإسلامي” الجديد المدعوم من تركيا بحكم “العدالة والتنمية” ذي الأصول الإسلامية بالنفس الطائفي.

وهو ما ساعدها على لعب الدور الرئيسي في عملية “الربيع العربي” منذ بدايته، وأخيراً في إسقاط ” نظام الأسد” خلال أسبوع، وهو ما استعدت منذ سنوات طويلة، وخصوصاً خلال الأشهر القليلة الماضية بالتنسيق والتعاون المباشر أو غير المباشر مع موسكو وواشنطن.

بل وحتى أنظمة الخليج المتواطئة التي يبدو واضحاً أنها وافقت بل ودعمت المشروع التركي الذي حقق للرئيس إردوغان تفوقاً ليس فقط سياسياً وعسكريا بل أيضاً عقائدياً ونفسياً بعد أن أصبح حاكم الظل الحقيقي في دمشق.

خصوصاً بعد أن نجح في مشروعه العقائدي في ليبيا والصومال من خلال دعم الفصائل الإسلامية الموالية له فأصبح للجيش التركي وجود فعال في هاتين الدولتين.

بالإضافة إلى العراق وقطر التي كانت المموّل الرئيسي لكل المشاريع التركية منذ بدايات ما يسمّى بـ”الربيع العربي”، وتريد “تل أبيب” أن يتحوّل إلى شتاء قارس بعد أن يحقق لها الخريف المظلم ما تبقى من أهدافها العقائدية الدينية.

وسيأتي الرئيس ترامب الشهر القادم ليجعل منها واقعاً عملياً بالتنسيق والتعاون مع ورثة الخلافة العثمانية وحكام عاصمة الأمويين الجدد وكلهم برضى ورعاية “خادم الحرمين الشريفين” الذي لا ولن يتأخر ومع حلفائه في دول الجوار للإعلان عن ولائهم القديم /الجديد لأسيادهم في الغرب الإمبريالي الصهيوني.

الذي كان وما زال وسيبقى عدواً لكل شعوب ودول المنطقة بكل أطيافها ومكوّناتها القومية والدينية والمذهبية التي استغلها الغرب دائماً بذكاء وبفضل أنظمة التواطؤ والعمالة والخيانة منذ أكثر من مئة عام.

وهو ما أوصل المنطقة إلى ما وصلت إليه خلال السنوات القليلة الماضية بعد ما يسمّى بـ”الربيع العربي”.

والآن بعد سقوط دمشق الذي ستكون له نتائجه المدوية ليس فقط في الداخل السوري بل على الصعيد الإقليمي برمّته، بل وحتى الحسابات الدولية.

ويفسر ذلك “الضوء الأخضر” الذي أضاءه الرئيس بوتين للرئيس إردوغان، ومن دون أن يكون واضحاً ما المقابل لقاء ذلك.

ناسياً أو متناسياً أن الجولاني ومن معه من الإرهابيين ذوي الأصول الشيشانية والإيغورية ( الصين ) والأوزبكية وغيرها لا ولن ينسوا الدعم الذي قدمه لبشار الأسد، وسينتقمون من روسيا إن كان عبر أفغانستان بحكم طالبان أو الجمهوريات الإسلامية ذات الأصل التركي في آسيا الوسطى والقوقاز، الحديقة الخلفية لروسيا.

وأثبتت بموقفها الأخير في سوريا أنها ليست بصديق يوثق به، هذا بالطبع إن لم نفسر كل ما جرى في إطار صفقة دولية جديدة راح الـسد و”قلب العروبة النابض” سوريا ومن كان معها من الحلفاء الصادقين والمؤيدين لقضايا الأمة العربية والإسلامية ضحية لها، أمام أنظار العالم وقبل ذلك كل العرب والمسلمين الذين باعوا ضميرهم للشيطان الأكبر والأصغر!

الميادين

عندما تحدث وزير الخارجية الأميركية الأسبق كولين باول لأول مرة عام 1999 عن ما يسمّى بـ”مشروع الشرق الأوسط الكبير / الجديد” وهو ما تحوّل إلى صيغة رسمية في القمة التي دعا إليها الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش في 9 حزيران/ يونيو 2004 لم يتوقع الكثيرون أن هذا المشروع سيتحوّل إلى واقع عملي في المنطقة يحقق من خلاله الأميركيون ومعهم، من دون شك، الكيان الصهيوني أهدافهم على الصعيدين الإقليمي والدولي على المديين المتوسط والبعيد.

ويفسر ذلك ما آلت إليه الأمور في المنطقة، على الرغم من حالات المدّ والجزر التي شهدتها المنطقة، وبالتالي العالم بين الحين والحين، وأخّرت تحقيق الهدف النهائي لهذا المشروع الذي خدم وسيخدم في نهاية المطاف الكيان الصهيوني.

وكانت المفاجأة، إن لم نقل الحقيقة المرة، هو أن الذين خدموا ويخدمون هذا الكيان هم المسلمون والإسلاميون بكياناتهم الرسمية والتنظيمية والشخصية كافة، في جميع الدول.

 فإذا تركنا جانباً أنظمة الخليج المتواطئة جينياً مع هذا الكيان وأصحابه من الصهاينة الأوائل، فما علينا إلا أن نعود إلى مضمون المشروع الأميركي المدعوم أوروبياً، والذي أراد منذ البداية تسويق التجربة التركية إلى الدول العربية والإسلامية بعد أن جرّب الغرب الإمبريالي ما يسمّى بالإسلام المتطرف سياسياً كان أم مسلحاً، في صيغة “القاعدة” وما نتج منها، عربياً وإسلامياً ودولياً، بما في ذلك تجربة طالبان قبل الاحتلال الأميركي /الأطلسي لأفغانستان وخلاله وبعده.

وصل حزب “العدالة والتنمية” ذو الأصول الإسلامية إلى السلطة في انتخابات ديمقراطية في بلد نظامه علماني وشعبه مسلم ونمط معيشته مختلف عن شعوب المنطقة لأسباب عديدة، أهمها التجربة الديمقراطية/ العلمانية بكل إيجابياتها وسلبياتها. وحظي هذا الحزب منذ البداية باهتمام دول وشعوب العالمين العربي والإسلامي باعتبار أن تركيا وريثة الدولة والخلافة العثمانية الإسلامية التي تحظى بعلاقات واسعة مع الدول الأوروبية والغربية كونها عضواً في الحلف الأطلسي منذ 1952 ومرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، وحتى لو كان ذلك منذ 65 عاماً.

وجاء ما يسمّى بـ”الربيع العربي” ليساعد تركيا على لعب دور أهم وأكبر بعد أن قال الغرب الإمبريالي إنه سيسوّق الإسلام المعتدل إلى دول المنطقة ليتحوّل هذا الإسلام إلى متطرف، كما هي الحال في تجربة تنظيم “داعش” وأمثاله في ليبيا وتونس ومصر وسوريا والعراق وحتى اليمن، ثم “النصرة” في سوريا.

وجاءت أحداث غزة وفلسطين عموماً ثم العدوان الصهيوني على لبنان وما سبقه من عدوان صهيوني متكرر على إيران وسوريا لتساعد أصحاب المشروع الشرق أوسطي على تحقيق أهدافهم النهائية في إعادة صياغة المنطقة من جديد وفق المزاج الصهيو / أميركي/ إمبريالي.

 وهو ما سيتحقق لها قريباً بعد أن استولت الفصائل المسلحة ذات النفس الإسلامي المعتدل والمتطرف على السلطة في دمشق التي صمدت في وجه همجية “الربيع العربي”، وقبل ذلك منذ قيام الكيان العبري في فلسطين.

وسيسعى هذا الكيان العبري من خلال هذه السلطة الجديدة في دمشق لتحقيق أهدافه التالية: أولاً، إغلاق ملف القضية الفلسطينية إلى الأبد، وبالتالي إنهاء ما فشل في تحقيقه خلال العدوان الأخير على لبنان بعد أن يغلق النظام السوري الجديد الحدود مع لبنان، ثم يتآمر على حزب الله انتقاماً لدعمه الدولة السورية خلال سنوات ما يسمّى بـ”الربيع العربي” الدموي.

 ويبدو واضحاً أن هذا ” الربيع” وبعد سقوط دمشق سيتحوّل إلى خريف مظلم سيكون خلاله الجميع، من دون استثناء، في خدمة الكيان الصهيوني الذي سيضرب ضربته القاضية من خلال تضييق الحصار على إيران بعد أن خسرت سوريا ولبنان، وثانياً من خلال تحقيق المصالحة ليس السياسية بل العقائدية عبر التطبيع الرسمي مع دمشق بنظامها ” الإسلامي” الجديد المدعوم من تركيا بحكم “العدالة والتنمية” ذي الأصول الإسلامية بالنفس الطائفي.

وهو ما ساعدها على لعب الدور الرئيسي في عملية “الربيع العربي” منذ بدايته، وأخيراً في إسقاط ” نظام الأسد ” خلال أسبوع، وهو ما استعدت منذ سنوات طويلة، وخصوصاً خلال الأشهر القليلة الماضية بالتنسيق والتعاون المباشر أو غير المباشر مع موسكو وواشنطن، بل وحتى أنظمة الخليج المتواطئة التي يبدو واضحاً أنها وافقت بل ودعمت المشروع التركي الذي حقق للرئيس إردوغان تفوقاً ليس فقط سياسياً وعسكريا بل أيضاً عقائدياً ونفسياً بعد أن أصبح حاكم الظل الحقيقي في دمشق.

خصوصاً بعد أن نجح في مشروعه العقائدي في ليبيا والصومال من خلال دعم الفصائل الإسلامية الموالية له فأصبح للجيش التركي وجود فعال في هاتين الدولتين، بالإضافة إلى العراق وقطر التي كانت المموّل الرئيسي لكل المشاريع التركية منذ بدايات ما يسمّى بـ”الربيع العربي”، وتريد “تل أبيب” أن يتحوّل إلى شتاء قارس بعد أن يحقق لها الخريف المظلم ما تبقى من أهدافها العقائدية الدينية.

وسيأتي الرئيس ترامب الشهر القادم ليجعل منها واقعاً عملياً بالتنسيق والتعاون مع ورثة الخلافة العثمانية وحكام عاصمة الأمويين الجدد وكلهم برضى ورعاية “خادم الحرمين الشريفين” الذي لا ولن يتأخر ومع حلفائه في دول الجوار للإعلان عن ولائهم القديم /الجديد لأسيادهم في الغرب الإمبريالي / الصهيوني، الذي كان وما زال وسيبقى عدواً لكل شعوب ودول المنطقة بكل أطيافها ومكوّناتها القومية والدينية والمذهبية التي استغلها الغرب دائماً بذكاء وبفضل أنظمة التواطؤ والعمالة والخيانة منذ أكثر من مئة عام.

وهو ما أوصل المنطقة إلى ما وصلت إليه خلال السنوات القليلة الماضية بعد ما يسمّى بـ”الربيع العربي”، والآن بعد سقوط دمشق الذي ستكون له نتائجه المدوية ليس فقط في الداخل السوري بل على الصعيد الإقليمي برمّته، بل وحتى الحسابات الدولية. ويفسر ذلك “الضوء الأخضر” الذي أضاءه الرئيس بوتين للرئيس إردوغان، ومن دون أن يكون واضحاً ما المقابل لقاء ذلك.

ناسياً أو متناسياً أن الجولاني ومن معه من الإرهابيين ذوي الأصول الشيشانية والإيغورية ( الصين ) والأوزبكية وغيرها لا ولن ينسوا الدعم الذي قدمه لبشار الأسد، وسينتقمون من روسيا إن كان عبر أفغانستان بحكم طالبان أو الجمهوريات الإسلامية ذات الأصل التركي في آسيا الوسطى والقوقاز، الحديقة الخلفية لروسيا.

وأثبتت بموقفها الأخير في سوريا أنها ليست بصديق يوثق به، هذا بالطبع إن لم نفسر كل ما جرى في إطار صفقة دولية جديدة راح الـسد  و”قلب العروبة النابض” سوريا ومن كان معها من الحلفاء  الصادقين والمؤيدين لقضايا الأمة العربية والإسلامية ضحية لها، أمام أنظار العالم وقبل ذلك كل العرب والمسلمين الذين باعوا ضميرهم للشيطان الأكبر والأصغر!

الميادين

كانت ولا تزال الشعوب هي أكبر رقم وازن في المعادلات السياسية، ولولا هذا الوزن لما أسست أكاديميات كبرى ومنابر ضخمة ووسائل إعلام ينفق عليها مليارات الدولارات لمخاطبة الرأي العام وبلورته وتوجيه بوصلته الرئيسية.

وتتضاءل قوة السلاح مهما بلغت درجة فتكه وتطور تكنولوجيته أمام حركة الشعوب وصمودها، كما تتضاءل قوة الأنظمة مهما بلغت من القمع والاستبداد أمام إرادة الشعوب في التحرر، وهو ما خلق وسائل وخطط بديلة لتحييد الشعوب واحتواء طوفانها الهادر.

ولا شك أن من أسوأ المفاجآت وأكثرها خذلاناً، كان الظهور الباهت لدور الشعوب العربية والإسلامية – إلا فيما ندر – في هذه المعركة الوجودية، والذي لا يتسق مع خطورة هذه المعركة ونتائجها المصيرية للمنطقة من جهة، ومن جهة أخرى لا يتسق مع حقيقة وجوهر مشاعر الجماهير وانحيازها للقضية الفلسطينية وعدائها الصادق للكيان الصهيوني.

وهو ما يقود إلى أن هذه الأزمة تتطلب جهداً لمعالجتها، وهذا الجهد ينبغي أن ينطلق من توصيف دقيق.

وهنا ينبغي التفريق بين توصيف ينطلق من أن هذا الصمت ينتج عن حياد وفقدان للهوية وخيانة للقضية، وهو ما يقود لذم الشعوب وجلدها. وبين توصيف ينطلق من أن الصمت ينبع من سلبية طرأت على الشعوب وعجز عن ترجمة حقيقة وجوهر مشاعرها وانحيازاتها، وهو ما يقود إلى جهد لتحريك الشعوب وإفاقتها وإحياء دورها المفقود.

وهنا نحاول القراءة في تفسير هذه السلبية وتأثيرها وما المقترحات لتفعيل الدور الشعبي وإحيائه:

قراءة في أسباب الصمت:

مبدئياً ينبغي مراعاة أن الشعب ليس كتلة صماء، فهو مكون من شرائح وقطاعات متباينة، تجمعها روابط عامة تتعلق بالقضايا الكبرى والثوابت، وروابط خاصة تتمثل في روابط رأسية كالاشتراك في الدين أو المذهب أو العرق أو اللغة، وروابط أفقية كالاشتراك في الفكر والتوجه السياسي.

وبطبيعة الأشياء فإن الروابط تحمل في طياتها الانقسام، وبالتالي يلعب الفكر الاستعماري على تحطيم الروابط وتحويلها لانقسامات، وبالتالي تحويل القوة الصلبة للشعوب إلى هشاشة وجسم رخو لايقوى على مواجهة الهيمنة.

ومن هنا كان استهداف الشعوب عبر مستويات الروابط كافة، بداية من الروابط العامة المتعلقة بالثوابت ومحاولة تمييعها وتحويلها من ثوابت إلى قضايا نسبية تحتمل الخلاف ووجهات النظر.

ووصولاً للانقسامات الرأسية عبر الفتن العرقية والمذهبية، والانقسامات الأفقية عبر تحويل الخلافات والتنوعات الفكرية إلى عداءات وصدامات .

ولا شك أن مرحلة “الربيع العربي” شهدت ذروة الفتن وقمة الاستهداف لهذه الروابط وكان أبرز منتوجها العملي والاجتماعي بعد انجلاء غبار معاركها، هو الحالة السلبية التي سيطرت على الجماهير، وهي حالة عدم اليقين بجدوى تحركاتها بعد عودة الأنظمة التي ظنت أنها أطاحت بها في بعض البلدان، ومن جهة أخرى فقدان الثقة بنفسها وصحة توجهاتها بعد انكشاف الخديعة والتضليل في ثورات ملونة خططها الاستعمار وورط بها الشعوب في بلدان أخرى.

وهو ما قاد إلى حالة من حالات اليأس من جدوى التحرك والاستسلام للصمت، ويضاف إلى ذلك محتوى الثقافة الاستهلاكية التي تم إغراق الشعوب بها، ومنصات الدعايات وتفريغ العقول الموجه إلى الأجيال الجديدة وخاصة الجيل “زد” وهو مواليد منتصف التسعينيات، والجيل “ألفا” وهو مواليد أواخر العقد الأول من القرن الجديد، وهما شريحتان تمثلان الشباب القادر على الحركة والفعل والتأثير.

ويضاف لذلك الأزمات الاقتصادية الكبرى التي جعلت معظم الطبقات الاقتصادية في حالة عوز اقتصادي يجعل من همها وفكرها وجهدها الذهني والعضلي منصباً في تأمين الكفاف.

تأثير الصمت في القضية:

لا شك أن الأنظمة المقاومة وحركات المقاومة تؤمن وتقدر الدور الشعبي وهو ما يتجلى في احترام المقاومة للشعوب وتوعيتها وتثويرها، بداية من أنظمة التحرر الوطني في الخمسينيات والستينيات، وصولاً لجبهات المقاومة دولاً وحركات في وقتنا الراهن، ولا يخلو بيان للمقاومة من حث للجماهير على ممارسة دورها والمشاركة ولو عبر مسيرات تضامن مع القضية والمقاومة.

وهذا الدور الشعبي الذي مارسته شعوب الغرب هو ما أربك أميركا وخلق خطاباً للتهدئة فضح تناقض أقوالها مع دعمها وتسليحها العملي للعدوان، وخلق أزمة حقيقية داخل المجتمع الأمريكي، بل وفي داخل الكيان الصهيوني نفسه، فقد عمقت التحركات الشعبية المطالبة بالصفقة ووقف إطلاق النار من أزمة الكيان وإظهار هشاشته.

وممّا لا شك فيه أن المقاومة متأصلة أيضًا في وجدان الشعوب العربية؛ وهذا ما برز بأبهى صوره، يوم أمس، حينما خرج ألاف الأردنيين في مسيرة، من المسجد الحسيني وسط عمان القديمة، لإقامة زفة شهيد بعد عملية معبر الكرامة التي نفذها الشهيد الأردني ماهر الجازي. فما بالنا لو خرجت الجماهير العربية العريضة لتعلن انتفاضتها وتفصح عن مكنوناتها الغاضبة ودعمها للمقاومة، وهو ما سيجبر أي نظام على احترام هذه الإرادة الشعبية وأن يختار للحفاظ على عرشه بين مواجهة الهيمنة ومواجهة الطوفان الشعبي الهادر، وهنا ستختلف حسابات الأنظمة كثيراً، والتي تتماهى مع العدو في كسب الوقت، بسبب فقدان الوزن الشعبي في معادلة التوازنات.

مقترحات لتفعيل التحرك الجماهيري:

وهنا ينبع الحل من عدة مستويات تتسق مع مستويات الاستهداف الذي خلق حالة السلبية والعجز الشعبي. والمستويان الأهم هما الثقافي والتعبوي:

على المستوى الثقافي:

1- إعادة الاعتبار للثوابت وفصلها عن القضايا الخلافية وبيان أن قضية التحرر من الاستعمار هي قضية تتعلق بالأمن القومي الجماعي وأن كل معاناة الشعوب الاقتصادية والاجتماعية منبعها الاستعمار والهيمنة في المنطقة وأن احتلال فلسطين لا يؤثر في الشعب الفلسطيني وحده وإنما وجود الكيان وبقاؤه يشترطان التوسع والنمو على حساب إضعاف باقي الشعوب ونهب مقدراتها.

2- إعادة الثقة بالنفس للشعوب وجدوى تحركاتها وأن الأنظمة مهما بلغت من قمع وطغيان لا تقوى على مواجهة الشعوب وإرادتها حتى على مستوى الممارسات السلمية دون اللجوء للعنف، بل يكفي إعلان جماعي لإرادة الشعوب واتفاقها على خيار موحد.

3- إحياء الخطاب الديني المقاوم الذي يعبر عن جوهر الدين الحقيقي القائم على العدل ونصرة الضعفاء ورفض المذلة والعبودية وهو خطاب توحيدي بين جميع المذاهب والأديان، وتم تطبيقه في جميع البلاد المسلمة في أثناء مرحلة التحرر الوطني وفي لاهوت التحرير المسيحي في بلاد أمريكا اللاتينية.

على المستوى التعبوي:

وهناك إجراءات حركية يمكن الشروع بها دون عنف أو إخلال باستقرار الدول ولا المساس بها:

1- تحتاج الجماهير دوماً لنواة صلبة للحركة تلتف وتدور حولها وهي بمنزلة ضربة البداية لأي تحرك وهنا لا بد أن تشكل كوادر الحركة من المهمومين بالقضية تنظيمات ترفع راية القضية دون صدام مع أجهزة الدول وأن تسعى لجذب الجماهير للتعبير عن انتماءاتها وتوجيه أسهم غضبها للاحتلال وترجمة تعاطفها لدعم للمقاومة.

2- عدم الاستهانة بأي خيار مقاوم، مثل المقاطعة الاقتصادية، والتي أثبتت جدواها وجعلت العديد من الشركات الكبرى تدخل في أزمات اقتصادية وتتوارى خلف أسماء بديلة لمنتجاتها، وهو نوع من الفرز للجماهير ومصداقية مشاعرها، باعتباره خياراً آمناً لا يصطدم بقمع السلطات.

3- عودة الجامعات والنقابات لدورها الوطني والذي أثبت تاريخياً جدواه في التأثير في قرارات الأنظمة وتوجهاتها.

يظل الباب مفتوحًا أمام المفكرين والباحثين لتفعيل الدور الجماهيري وإعادته، على المستويات البعيدة والمتوسطة والعاجلة، وتبقى الأولوية للمقترحات العاجلة في هذه المرحلة الحساسة والفاصلة.. وحتى ذلك الحين؛ لسان حال أهل فلسطين يقاومون بأيديهم، وينادون الشعوب العربية بأبيات قصيدة عبد الغني التميمي المشهورة:

المصدر :العهد

لفت عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب رامي أبو حمدان، خلال حفل تأبيني في بلدة الناصرية البقاعية، الى ان “عددا من الاستحقاقات والمناسبات التي لا بد من الوقوف عندها تتزاحم في هذه الأيام، ومنها مناسبة وذكرى عيد المقاومة والتحرير، هذه الذكرى المجيدة التي يجب ان نحييها على الدوام ولا تنسينا الأيام قدرها وقيمتها. فالشكر أولا لله على نعمة الانتصار ونعمة الانتماء لما نحن عليه، ثم نشكر اصحاب الفضل والتضحية أخواننا الشهداء الابرار وعوائلهم، والشكر لبيئة المقاومة واهلها، فكل كرامة وكيان واحترام للبنان نابع من تضحياتكم انتم المجاهدون وابناؤكم الشهداء”.

وتابع: “في الوقت الذي نجد فيه ثلة من اللبنانيين ينهمكون بتحمل المسؤولية بالدفاع عن الوطن وكراماته، نجد للأسف بالمقابل بعضا من المفترض أن يكونوا شركاءنا في المواطنة، شغلهم الشاغل هو طمس هذه الذكرى وهذه التضحيات”، مضيفا ان “لبنان المقاوم والمضحي يعيش في غربة، تذكرون الربيع العربي والشاب التونسي الذي احرق نفسه ليعبر عن قضيته المحقة، في ذلك الحين أحرق نفسه – يعني فعليا إنتحر – ولم يقتل عدوا، نرى حتى اليوم ذكراه خالدة ولديه تماثيل واحتفالات بما فعل، أما في لبنان عمائم وقادة وخيرة شباب الوطن وبيوت دمرت وقرى هجر اهلها وقتل ومجازر وقعت. كل هذا حصل ويطالعنا البعض في لبنان اذا سمي شارع باسم احد الشهداء يستنكرون. لو كان يوجد انصاف في لبنان لكانت سميت كل شوارع لبنان بأسماء الشهداء، ولكن للأسف لا يوجد إنصاف، مع ان الأمان الذي ينعم به اللبنانيون هو بفضل هؤلاء الشهداء”.

وأردف: “أن المواجهة مع المقاومة وبيئتها مفتوحة، وما يجري من مقاربة للاستحقاقات في لبنان من رئاسة الجمهورية وغيرها يسري من هذه القاعدة. لقد ملت الناس من المسايرة والمكابرة ويوجد جماعة كل هدفها الفتنة وكل الآلام والمعاناة لا تعنيهم”، معلنا انه “بعد المناورة في الجنوب قامت الدنيا ولم تقعد من هؤلاء الذين لم نراهم يوما اجتمعوا او تحركوا ضد اي مناورة للاسرائيلي، بينما قضت مضاجعهم واستفزت عنفوانهم مناورة محقة لمجاهدين حافظوا لهم على كراسيهم ومناصبهم وحتى المنابر التي استنكروا منها، ليأتوا اليوم ويسجلوا موقفا ضد المقاومة”.

ولفت ابو حمدان الى ان “من وضع نفسه في مصاف المواجهة مع المقاومة وفي صف الحليف للاسرائيلي إن كان بالرؤية والمشروع أو بالإعلام والسياسة، نعم سيشعر حكما أنه معني بتلك الرسائل، وإن كنا لم نعتد أن نوجه رسائل لاحد في الوطن الواحد، لكن يبدو ان “المسلة نعرتهم”.

وقال: “يتحدثون عن العروبة والمواطنية من وجهة نظر الخذلان والانبطاح امام الخارج. وهنا نسأل عن أي عروبة يتحدثون لولا المقاومة التي أعزت العرب؟ هل توجد عروبة او وجود للبنان بدون المقاومة؟ عدونا نهم على الدماء ولا يفهم غير لغة مواجهة النار بالنار، بالأمس كلنا شاهدنا مشهدا جميلا في لبنان خلال الاجتماع للأحبة المطارنة والأساقفة المسيحيين وعلماء مسلمين في مليتا، لكن هذا الاجتماع اشعل نيران الشيطنة في قلوب هؤلاء المدعين للعيش المشترك. فما كان منهم إلا ان استنكروا أشد الاستنكار لهذه اللوحة الجميلة المتمثلة باجتماع رؤساء الطوائف لانهم ليسوا دعاة عيش مشترك ومخالفة لما اعتادوا عليه من الفرقة بين المكونات اللبنانية، لكن نحن نعول على الشعب اللبناني بعدم الانجرار الى الفتنة والاستمرار بفرض المحبة وتغليب لغة الحوار التي ستنتصر بالنهاية”.

وفي موضوع استحقاق رئاسة الجمهورية قال: “إن من يقف في الطرف الآخر ويرفض الحوار إنما يعبرون عن ضعفهم وحجتهم الضعيفة وبكل بساطة لأنهم هم مقتنعون ان قضيتهم غير محقة ويعملون ليل نهار على ان لا يصل مرشح تدعمه المقاومة. ما هذا الافلاس؟ اقول لكم ان ما يجري الان هو في اللحظات الاخيرة، من الاستحقاق ولن تجري الأمور إلا لما فيه مصلحة لبنان. نحن قمنا بواجبنا الدستوري وسمينا مرشحنا لرئاسة الجمهورية، بينما لا يزال الآخرون يبحثون عن رئيس يأتي من السماء بمواصفات مثالية ومعه العصا السحرية وينعش الاقتصاد، هذا كلام غير منطقي. من هنا  ندعوهم للنزول عن الشجرة وكفى مكابرة رأفة بآلام الناس”.

وتوجه الى الفريق المعارض بالقول:”تعالوا لنكون شركاء ونكتب مستقبل بلدنا سويا، فنحن ماضون بقضيتنا بقناعة ثابتة، تعالوا وكونوا شركاء برسم المسار الجديد قبل أن يكتب لكم ويملى عليكم، فالوقت قصير والأجواء العامة إيجابية وفرصة ربما لا تعوض”.

وختم: “نحن ثابتون بمواقفنا ومتمسكون بمقاومتنا بكل ثقة ومن عزة إلى عزة إن شاء الله”.

المصدر الوكالة الوطنية للإعلام

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24
يوتيوب
Loading video...