مقالات
الشرق الأوسط الجديد… مقاومة تكتب التاريخ بدمائها لا بالحبر الأميركي!

بين أنقاض الحروب، وعلى أطلال مشاريع التفتيت، يتشكَّل شرقُ أوسط جديد لا يشبه ذاك الذي رُوّج له في مراكز القرار الغربية.
فبعد عقود من محاولات إعادة هندسة المنطقة تحت شعارات الديمقراطية والحرية و»محاربة الإرهاب»، خيضت حروب ومواجهات، سقطت أنظمة وتبدَّلت دول وأزيلت حدود وبرزت قوى جديدة على مسرح الأحداث في إطار مخاضٍ عسير عاشته المنطقة في محاكاة لآمالٍ وأوهام دارت في رؤوس وعقول صنّاع القرار حول العالم.
شرق أوسطٍ جديد مصطلحٌ ظهر لأول مرة بشكل علني وواسع في الخطاب السياسي الأميركي خلال التسعينيات، لكنه اكتسب شهرة ووزناً خاصاً في عام 2006، عندما استخدمته وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز/ يوليو 2006، فقد صرّحت حينها بأنّ ما يجري في لبنان هو «مخاض ولادة شرق أوسط جديد».
وكان هناك عددٌ من المحطات التاريخية التي ظهر فيها هذا المصطلح قد يستغرب البعضُ المدى الجغرافي الذي كانت تسعى إليه القوى المهيمنة والمستكبرة حول العالم، ففي الخمسينيات والستينيات كان الغرب، خاصة بريطانيا والولايات المتحدة، يستخدم تعبير «الشرق الأوسط الكبير» في سياق جيوسياسي لتوصيف المنطقة الممتدة من شمال أفريقيا حتى أفغانستان، حينها لم يكن تعبير «الشرق الأوسط الجديد» قد تبلور بعد كمفهوم سياسي.
بين عامي 1993 ـ 1995 وعقب توقيع إتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية و»إسرائيل»، بدأ الحديث في بعض الأوساط الغربية والإسرائيلية عن تصوّر شرق أوسط مختلف مبني على السلام والتكامل الاقتصادي بين العرب و»إسرائيل» وكان أول ظهور للمصطلح كمشروع سياسي ومن أبرز منظريه حينها شيمون بيريز في كتابه «الشرق الأوسط الجديد» (صدر عام 1993)، حيث دعا إلى إنشاء منطقة تعاون إقليمي تجمع «إسرائيل» والدول العربية اقتصادياً وتكنولوجياً.
في تموز 2006، وأثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان، استخدمت كوندوليزا رايس (وزيرة خارجية أميركا آنذاك) المصطلح في سياق التبرير السياسي للحرب، قائلةً إنَّ هذا «الصراع المؤلم» هو جزء من «مخاض ولادة شرق أوسط جديد»، في محاولة لتبرير إعادة ترتيب المنطقة سياسياً بما يخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية ورؤيتهم لإعادة تشكيل المنطقة سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وبقي هذا المصطلح محلّ رفضٍ وشكٍّ وريبة في المنطقة العربية ومازال حتى اليوم.
بعد عام 2011، ومع انطلاق ما يسمّى بــ «ثورات الربيع العربي»، عاد الحديث مجدَّداً عن «شرق أوسط جديد» لكن بمعانٍ مختلفة وتحولات في دلالات المصطلح ومنها: تفكُّك الدول، وسقوط الأنظمة وإعادة تشكُّلها، ظهور وصعود قوى جديدة فاعلة في الميدان، وتبدّلات وتشققُّات في التحالفات الإقليمية.
وفي العودة إلى مجريات أحداث العقدين الأخيرين، كانت المنطقة مسرحاً لما سُمّي بـ»الفوضى الخلاقة»؛ خطة أميركية لإعادة صياغة خرائط الشرق الأوسط عبر الحروب وسفك الدماء وقتل الشعوب، والضغوط الاقتصادية، وتفجير البنى الداخلية للدول المركزية، لكنّ المفاجأة كانت أنّ هذا المسار لم يؤدِّ إلى الخضوع، بل أنجب مقاوماتٍ متجدِّدة: من العراق إلى لبنان، ومن اليمن إلى فلسطين.
ففي لبنان، رسمت حرب تموز 2006 حدوداً جديدة للصراع، حين تمكّن «حزب الله» من الصمود في وجه العدو الإسرائيلي، مكرّساً معادلة «توازن الردع» في الوعي الشعبي والسياسي. وفي غزة، برزت فصائل المقاومة كمراكز قرار فعلي، تُدير المعارك وتفرض التهدئة أو التصعيد، وخلافاً للصور النمطية، لم تعد الضفة الغربية «هادئة»، مجموعات شبابية مقاتلة، من «عرين الأسود» إلى «كتيبة جنين»، تتحدّى الاحتلال يومياً وتحرجه أمنياً وسياسياً.
هذه المقاومات غير المركزية باتت تمثل روحاً جديدة في الصراع الفلسطيني، خارجة عن الإطار التقليدي للعمل المقاوم لدى باقي الفصائل والقوى الفلسطينية.
أما في اليمن، لقد استطاعت حركة «أنصار الله» أن تتحوّل إلى لاعب إقليمي بامتياز فرضته مجريات الأحداث والمواجهات، من الحرب الظالمة على اليمن من قبل التحالف السعودي ـ الأميركي وما بينهما من دول تطبيعٍ وتخاذل وتواطؤ، وصولاً إلى حرب إسناد فلسطين والشعب الفلسطيني المظلوم في قطاع غزة جعل اليمن لاعباً حاضراً في قلب أيّ تصعيد إقليمي من باب المندبِ على مداخل البحر الأحمر إلى شواطيء المتوسط.
في العراق رغم الجراح التي خلَّفها الاحتلال الأميركي وما زال منذ العام 2003، شهدت البلاد نشوء فصائل مقاومة جديدة منظَّمة ترفع شعار إخراج قوات الاحتلال، وتعيد الاعتبار لمفهوم السيادة الوطنية، وكان الحشد الشعبي المقدس الصدَّ المنيع أمام محاولات الهيمنة والإخضاع وإسقاط العراق في أتون القتل والإرهاب التكفيري الذي عملت عليه الجماعات الإرهابية التكفيرية ذات المنشأ الأميركي الغربي والمموّل عربياً من أنظمة الخنوع والإستسلام، وكذا سورية التي واجهت حرباً كونية متعدِّدة الأوجه، على مدى 13 عاماً أدّت في نهايتها إلى سقوط النظام في سورية نتيجة التآمر الدولي لما كان لسورية من دور محوري في دعم المقاومة وفلسطين حيث شكل إسقاطها واحداً من أهمّ الأهداف الاستراتيجية لمخططي وراسمي الخرائط الجديدة في المنطقة تحت شعار «شرق أوسط جديد».
*المقاومة الفوضوية (غير المنضبطة): روح المرحلة الجديدة
بعد عامين تقريباً من الحرب المستمرة على فلسطين ولبنان وسورية والعراق واليمن، أضحت المعادلات مختلفة، «إسرائيل» لم تعد في موقع السيطرة المطلقة في المنطقة، ولا الولايات المتحدة قادرة على فرض إرادتها على الشعوب دون ثمن، وما تظنّه تلك القوى المهيمنة أنها حققت سلسلة من «الإنجازات والإنتصارات» (وفق اعتقادها) على قوى المقاومة في المنطقة ومحاولات إسقاط مفاعيل إتفاقية سايكس بيكو في العام 1916م والتي رسمت حدود دول المنطقة كما نعرفها الآن مما يتيح لها إعادة رسم خرائطها وفقاً لما تشتهي آحلامها وآمالها في توفير استقرارٍ وأمنٍ وأمانٍ للكيان الغاصب ومستوطنيه، لكن قوى العدوان والهيمنة والإستكبار فاتها أنَّ كلّ ما جرى سيفرض حضور عناصر جديدة على مسرح الصراع الوجودي القائم حالياً وسيتحسَّر الصهاينة على سنوات المواجهة والصراع السابقة أمام جذرية وراديكالية وعنفية وفوضوية أولئك الجيل الجديد من المقاومين المتولِّد من رحم الآلام والمعاناة والتقتيل والإجرام والتدمير والحصار والتجويع، وسيبرز على مسرحِ الأحداث مصطلحٌ قديمٌ متجدِّد، «المقاومة الفوضوية» أيّ المقاومة غير المنضبطة في مواجهة المشاريع المطروحة للمنطقة.
«المقاومة الفوضوية» هي شكلٌ من أشكال المقاومة التي تنشأ من دون قيادة مركزية، أو إطار تنظيمي واضح، أو رؤية استراتيجية موحدة، غالباً ما تعتمد على تحركات شعبية عفوية، أو مبادرات فردية وجماعية متفرّقة، تعبِّر عن غضبٍ متأجِّج أو رفضٍ قاطع لسلطةٍ غاشمة أو إحتلال أو ظلمٍ سياسي واجتماعي.
عادةً تنشأ «المقاومة الفوضوية أو غير المنضبطة» في بيئات تغيبُ عنها التنظيمات السياسية أو العسكرية الفاعلة، أو في ظلّ إخفاق هذه التنظيمات لفراغٍ قيادي أو غيابٍ مرجعي أو نتيجة إقصاءٍ أو تضييق وتطويق وإخضاع ومحاولات إسقاط لكلّ عناصر القوة والقدرة لدى القوى المقاومة المنظّمة مما يدفع الكثيرين أمام هذا الواقع إلى تنفيذ هجمات ذات طابعٍ فردي وعفوي رفضاً لما آلت إليه الأمور والأحداث وتمرّداً على الواقع الأليم المستجدّ وفي تاريخنا الكثير من الأمثلة والشواهد لهكذا نوع من العمليات الانتقامية التي استهدفت الاحتلال الصهيوني للبنان وعاصمته بيروت في العام 1982م بعد إسقاط منظمة التحرير الفلسطينية وإجلائها وانكفاء القوى الوطنية اليسارية والإسلامية عن المشهد العام للقضايا الوطنية وللمواجهة مع الاحتلال، فكانت مبادرات لأفرادٍ وجماعات صغيرة كسرت حاجز الرهبة من هذا الإحتلال وخاضت مواجهات قاسية في محيط مطار بيروت الدولي وجسر المطار والغبيري ونفق سليم سلام في برج أبي حيدر إلى عملية الشهيد خالد علوان في مقهى الويمبي (شارع الحمرا) وعملية حديقة الصنائع قرب صيدلية بسترس ومحطة أيوب في زقاق البلاط ومقر منظمة التحرير الفلسطينية على كورنيش المزرعة وأمام مسجد عائشة بكار وغيرها، هذه العمليات التي استهدفت ضباطاً وجنوداً للعدو الصهيوني بعد احتلالهم للعاصمة اللبنانية بيروت وصولاً إلى آخر عملية طعن لمستوطن صهيوني وإطلاق نار على قوات الاحتلال الصهيوني في يومنا الحاضر في مدن الضفة الغربية من فلسطين المحتلة.
كلّ هذه العمليات العسكرية المسمّاة حينها «مقاومة فوضويَّة» هي بمعظمها أعمالاً فردية والتي أخذت طابع «الذئاب المنفردة» كانت نتيجة حتمية لما سبقها من كسرٍ لإرادة القتال والمواجهة لدى القوى المنظَّمة من فلسطينية ولبنانية وتقييدها بتفاهمات واتفاقات لم تكن بمستوى آمال وتطلعات الجماهير وتضحياتها، هذه «المقاومة الفوضوية» مستقبلاً ستكسر حاجز الخوف وتربك العدو حتماً لعدم وجود شكلٍ لها أو هوية واضحة ولا يمكن توقع أفعالها أو تحديد قيادتها.
إنَّ «المقاومة الفوضوية» ليست بديلاً عن المقاومة المنظمة، لكنها هي حتماً مقدّمة لها أو ردّاً سريعاً على غياب القوى المنظَّمة، هي طاقة اجتماعية بشرية غير مروّضة، تحمل في طياتها القدرة على التحوّل لرؤية سياسية ومسار وأهداف تحققها في الميدان، وتختزن فيها إمكانيات النهوض والصعود عالياً أو السقوط نحو الهاوية لا سمح الله.
ختاماً، إنَّ المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي الذي راهن على التطبيع وتطويع الشعوب وإذلالها وإخضاعها، كما وراهن على الانقسام الداخلي في كلّ قطرٍ عربي، ومارس القتل والتدمير والتهجير والحصار والتضييق والخنق الاقتصادي، لإسقاط روح المقاومة فيها مآله الفشل الذريع لأنّ التاريخ والجغرافيا والواقع أثبت أنّ الشعوب في هذه المنطقة تملك ذاكرة طويلة من الآلام والتضحيات وسيلُ الدماء والشهادات، ومخزوناً كبيراً من العناد والإصرار لا يُستهان به ونزعة نحو الثأر لأجل كلّ من ضحّى لا يمكن أن تطفئ جذوته الأيام والليالي، وأيُّ شرق أوسطٍ جديد سيكون شرق أوسط المقاومة وأهلها من شوارع جنين ونابلس والقدس الشريف إلى أنفاق غزة وتلال الجنوب اللبناني وصحاري اليمن وصنعائها، شرق أوسطٍ لا مكان فيه للخضوع والإستسلام، وستكتب الشعوب تاريخ هذه المنطقة ومستقبلها بدمائها لا بالحبر الأميركي…
عماد خشمان- البناء
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



