تثير الرواية الأميركية عن احتمال شن «حرب قصيرة ومكثفة» على إيران بعد انتخابات الثالث من تشرين الثاني سؤالاً بسيطاً: إذا كانت الحرب سريعة وحاسمة، وقادرة على فرض الشروط الأميركية وإنهاء أزمة الطاقة، فلماذا لم تُخَض قبل الانتخابات، ويُستثمر انتصارها لمصلحة الحزب الجمهوري؟ أما إذا كان التأجيل لتجنّب ارتفاع النفط واضطراب الأسواق قبل الاقتراع، فما الذي سيجعل هذه المخاطر قابلة للسيطرة بعده؟ تتغير روزنامة المحاسبة الانتخابية، لكن قدرات إيران ومخزونات الصواريخ وحساسية الاقتصاد لا تتغير تلقائياً معها.
التحضير العسكري جدّي، لكن الجدية لا تعني ضمان النتائج. ففي تقرير نشرته «وول ستريت جورنال» في 29 تشرين الأول، كشف مايكل غوردون ولارا سيليغمان وشيلبي هوليداي أن قائد القيادة المركزية براد كوبر عرض على ترامب خيارات عسكرية تجاه إيران، بحضور وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان. وكان تقرير سابق للصحيفة قد تحدث عن إبلاغ دول خليجية بالاستعداد لاحتمال حملة قصيرة ومكثفة بعد الانتخابات. كلا التقريرين يوثقان إعداد الخيارات، ولا يثبت صدور قرار نهائي بالحرب.
السؤال العسكريّ يبدأ من الدفاع، لأن امتلاك القدرة على القصف لا يساوي امتلاك القدرة على تحمّل الرد. فقد نقلت «ستارز أند سترايبس» في 28 تشرين الأول إرسال منظومة «باتريوت» من تكساس إلى “إسرائيل”، دون إعلان عدد صواريخها. وسبقت ذلك، خلال أيلول، بطارية إضافية إلى السعودية لحماية منشأة نفطية، وأخرى إلى قطر لحماية منشأة غاز، وفق تقرير نُشر في الثاني من تشرين الأول. التعزيزات إذن بدأت قبل الانتخابات بأسابيع؛ والمطلوب معرفة ما أضافته إلى قدرة الصمود، لا الاكتفاء بتعداد الطائرات التي نقلتها.
هنا يجب تجنّب الخلط بين البطارية ومخزون ذخائرها. فرقم 48 المنشور في تقارير الدفاع الصاروخي يخص حمولة بطارية «ثاد» المؤلفة من ست منصات، تحمل كل منها ثمانية صواريخ؛ ولا يثبت أن شحنة «باتريوت» الأخيرة إلى “إسرائيل” تضمّ العدد نفسه. والأهم أن نقل بطارية وذخائر من موقع إلى آخر يزيد الدفاعات في الموقع المستقبِل، لكنه لا يزيد المخزون الأميركي الإجمالي إلا بمقدار ما يدخل إليه من إنتاج جديد.
الأرقام الأحدث المتاحة عن أزمة التعويض تستحق الوقوف عندها. ففي 16 تشرين الأول، أوردت «يورونيوز»، نقلاً عن تحقيق «سي بي إس» وتقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن المخزون السابق للحرب قُدّر بنحو 2300 صاروخ «باتريوت»، وأن الاستهلاك تراوح بين 1050 و1430 صاروخاً، مقابل تسليمات تعويضيّة متوقعة تقل عن 500 خلال السنة المالية 2026.
وهذا يعادل متوسطاً حسابياً يقل عن 42 صاروخاً شهرياً، وليس رقماً موثقاً للإنتاج الصناعي الشهري. كما أورد التقرير متوسط مهلة تسليم يقارب ثلاث سنوات ونصف لطلبيات «باك-3».
ولو افترضنا، لتوضيح حجم القيد فقط، إمداداً يتراوح بين 45 و48 صاروخاً شهرياً، ووزعناه بالتساوي بين أوكرانيا و”إسرائيل” والسعودية وقطر، لكانت حصة كل طرف نحو 11 إلى 12 صاروخاً. هذه ليست قسمة أميركية معلنة، بل مثال حسابي، وهي تتجاهل احتياجات القوات الأميركية وبقية الحلفاء.
لكنها تكتسب دلالة عندما نقارنها بما نقلته «كييف إندبندنت» في 28 تشرين الأول عن زيلينسكي: متوسط ما تلقته أوكرانيا من الولايات المتحدة خلال 2026 بلغ 12 صاروخ «باتريوت» شهرياً. التشابه العددي لا يثبت توزيعاً متساوياً، لكنه يوضح ضيق هامش التعويض.
في الاقتصاد، قدّمت جلسة الجمعة اختباراً مبكراً لكلفة القلق. ففي تحديث «الشرق بلومبرغ» عند الساعة 18:55، هبط «ناسداك 100» بأكثر من 4% أثناء التداول، و«ستاندرد أند بورز 500» بنحو 2.5%، وتراجع سهم «إنتل» بما بلغ 31% و«أمازون» 2.3%.
هذه أرقام أثناء الجلسة، وليست إقفالات نهائية. محرك البيع الأساسي كان الشك في عوائد الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، الذي قدّر التقرير حجمه لدى عمالقة التكنولوجيا بنحو 750 مليار دولار هذا العام. الحرب المحتملة تدخل إذاً إلى سوق تعيد تقييم أحد أهم رهانات نموّها.
وبالتزامن، أظهرت شاشة «الشرق بلومبرغ» برنت قرب 117.64 دولاراً، مرتفعاً 2.4%، بينما هبط الذهب أثناء التعاملات بما يصل إلى 3.6% إلى 3876.39 دولاراً للأونصة، متّجهاً إلى خسارة شهرية تتجاوز 6%. وأورد تقرير الذهب تسعير المتداولين احتمالاً يتجاوز 70% لرفع الفائدة في كانون الأول.
هنا تتداخل مخاطر الطاقة مع التمويل: النفط المرتفع يغذي التضخم، والفائدة المرتفعة تضغط على الاستثمار وتقييم الأسهم، فيما قد يدفع طلب السيولة إلى بيع أصول أخرى.
لا يكفي أن تقول واشنطن إنّها تريد حملة قصيرة: يمكن تحديد مدة القصف المخطّطة، لكن لا يمكن فرض مدة الرد الإيراني أو موعد استقرار الملاحة والطاقة والأسواق. لو كان النصر مضموناً لكان تحقيقه قبل الانتخابات مغرياً. أما تأجيله، فيرجّح أن ما تريد الإدارة إبعاده عن يوم الاقتراع هو خطر الكلفة؛ ويبقى عليها أن تشرح ماذا تغيّر بعده، غير موعد دفع الثمن.
انتظروا ترامب في الرابع من تشرين الثاني يعلن تمديد المهلة لإعطاء نائبه جي دي فانس فرصة إضافية لتلقّي جواب من إيران، أو استجابة لطلب الحلفاء التريّث، كما فعل مع إنذاراته السابقة.
هذا احتمال، لكن السؤال يبقى: ماذا سيتغيّر بعد الانتخابات في مخزون الصواريخ وأسعار النفط وهشاشة الأسهم؟ لو كان النصر السريع مضموناً، لكان تحقيقه قبل الاقتراع مكسباً لحزبه.
أما إذا كانت مخاطر الحرب سبب تأجيلها، فإن انتهاء الانتخابات يغيّر موعد المحاسبة، ولا يغيّر شروط المواجهة.
ناصر قنديل-البناء
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




