أربعون عاماً على اغتيال الناشط الفلسطيني أليكس عودة بتفجير مكتبه في كاليفورنيا، ولا محاسبة. يعود وثائقي «من قتل أليكس عودة؟» إلى أرشيف الجريمة، متتبّعاً خيوطها من اليمين الإسرائيلي المتطرّف إلى أجهزة الاستخبارات. شهادات ووثائق تكشف كيف تحوّلت قضية اغتيال سياسي إلى ملف مغلق، وتطرح سؤالاً: من يحمي القتلة؟
في بيت عائلة عودة، صار فتح الباب امتحاناً يومياً. تتذكّر هيلينا كيف كانت تراقب أمّها نورما من الخلف، والأمّ تُبعد الأطفال قبل أن تمدّ يدها إلى المقبض، خشية أن ينفجر البيت كما انفجر المكتب. ففي صباح 11 تشرين الأول (أكتوبر) 1985، فتح أليكس عودة باب مكتب «اللجنة الأميركية العربية لمكافحة التمييز» في سانتا آنا في كاليفورنيا، فانفجرت عبوة زُرعت خلفه. كان الرجل، المولود في جفنة قرب رام الله، شاعراً وناشطاً فلسطينياً، وكان على موعد في ذلك المساء لإلقاء كلمة في مركز للجالية اليهودية.
بعد أربعة عقود، يعيد الوثائقي «من قتل أليكس عودة؟» فتح الباب الذي أغلقته أميركا والموساد. الفيلم أخرجه جيسون أوسدر وويليام لافي يومانز. والأخير نشأ في جالية كان اسم عودة فيها رمزاً للشهادة، وتحذيراً في الوقت نفسه. وهنا تكمن وظيفة الاغتيال السياسي: أن يتحوّل القتيل إلى رسالة، وأن يتعلّم جيل كامل أنّ الدفاع عن فلسطين في أميركا قد يكلّف حياة.
يبني الفيلم حجّته على الأرشيف، من مقابلات تلفزيونية، ونشرات إخبارية، ومذكّرات لمكتب التحقيقات الفيدرالي. ومن الأرشيف نفسه يستخرج الجريمة الأولى. قبل أيام من اغتياله، ظهر عودة على الشاشة بعد خطف السفينة الإيطالية «أكيلي لاورو»، ورفض بوضوح قتل الأبرياء، متمسّكاً بحق الفلسطينيين في الحرية. ثم جاء المونتاج ليقص ما لا يلائم الصورة الجاهزة، فخرج من الشاشة «العربي الغاضب» الذي يحتاجه الإعلام الأميركي.
يجيب الفيلم عن سؤال عنوانه باكراً. الخيوط كلّها تقود إلى «رابطة الدفاع اليهودية» التي أسّسها الحاخام مائير كاهانا، ابن بروكلين. رئيس الرابطة آنذاك، إيرف روبين، يقول لمراسل بلا مواربة إنّه لا يأسف على عودة، وإن الرجل لقي ما يستحقه.
ثلاثة أسماء تتكرّر في ملفّات التحقيق: روبرت مانينغ، آندي غرين، وكيث «إسرائيل» فوكس. أميركيون التحقوا بحركة الاستيطان في الضفة الغربية، في الأرض نفسها التي جاء منها عودة. ومن مدرسة كاهانا خرج تيار جلس تلاميذه لاحقاً على مقاعد الحكومة الإسرائيلية ولا يزالون حتى اليوم ومنهم بن غفير.
أقوى لحظات الفيلم تأتي حين يتحوّل إلى تحقيق حي. يرافق الصحافي ديفيد شين، المتخصص في رصد اليمين المتطرّف الإسرائيلي، إلى الكيان العبري. يتنكّر شين في هيئة يهوديٍّ متدين يبحث عن شقة في الحيّ الذي يسكنه فوكس، ويطرق بابه. وهنا المفارقة القاسية، أحد المشتبه بهم في تفجير باب عودة يفتح بابه لغريب، ويدعوه إلى الداخل، ويتباهى بماضيه العنيف أمام ميكروفون لا يراه. ثم يأتي ما هو أخطر، محقّق يقول لشين إن السلطات عرفت هوية المشتبه بهم، وإنّ «الموساد» أغلق القضية.
هكذا يتحوّل سؤال العنوان إلى سؤال أشد إحراجاً: لماذا لم يتحرّك أحد، والجميع يعرف؟ الجواب في تحالف يجعل دم فلسطينيٍ أميركي أرخص من علاقة استراتيجية.
في كانون الأول (ديسمبر) 1985، اعترف مدير «إف بي آي» بأنّ العرب الأميركيين صاروا في «منطقة خطر»، ثم مضى من دون خطّة تحميهم. وأميركا نفسها لاحقت في السنوات الأخيرة طلاباً بسبب تضامنهم مع غزّة، فيما يعيش بعض المشتبه بهم في اغتيال عودة أحراراً في الكيان العبري.
قد يُغرق الفيلم مشاهده أحياناً بالأسماء والوثائق، وقد لا يضيف الكثير لمن تابع القضية من قبل. لكنّه يضع الملف كاملاً على الطاولة، بحزم وبرودة محقق، ويترك الغضب للمشاهد. العدالة لأليكس عودة ما زالت معلقة خلف باب أغلقته واشنطن بيدها، والمفتاح في تل أبيب.
شفيق طبارة – جريدة الأخبار
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




