هناك فارق كبير بين دورتَي الانتخابات الرئاسية في البرازيل؛ تَكمن خلف ذلك مجموعة من الالتباسات التي أدّى تَداركُها في نهاية المطاف إلى تفادي تكرار كارثة الدورة الأولى. في الأولى كان حزب العمال والأحزاب اليسارية المتحالفة معه على درجة من انعدام الفعالية والقدرة على التواصل مع المواطنين أو حتى الهمّة للتواصل معهم؛ الأمر لا يتعلق فقط بكونهم اعتَبروا أن نتيجة الانتخابات محسومة لصالحهم بحسب استطلاعات الرأي (هناك أزمة واضحة في استطلاعات الرأي لا بد أن تَنتهي بإعادة هيكلة هذا «السوق البحثي»).
خلال النقاشات قبل الدورة الانتخابية الأولى، وعند السؤال عن غياب اليسار عن الشارع وعن الأحياء الشعبية في مدينة كساو باولو (كانت هذه سمة جديدة لليسار البرازيلي اكتسبها من خلال تحالفه مع أحزاب يمين الوسط)، كانت هناك عبارة تتردّد وهي أن اليسار استَخدم الشارع كثيراً وعليه الآن أن يركّز على تفعيل وجوده في مؤسسات الدولة، بمعنى علينا أن ننتهي من الشعبوية والبدء بالمأسسة؛ طبعاً، كانت نتيجة ذلك كارثية في الدورة الأولى، حصلنا على أكثر كونغرس يميني متطرف في تاريخ البرازيل نتيجة هذا التفكير الاستسهالي.
مقابل هذا التكاسل اليساري عن التواصل مع المواطنين، كان اليمين المتطرف يقود حملة نشيطة جداً، وكانت الكنائس الإنجيلية هي مكان تجمّع اليمينيين ومكان نشْر أفكارهم (حين تجد نفس العبارات تتكرّر على لسان مجموعة عشوائية من الناس، تدرك مباشرة أنهم سمعوها من القس في الكنيسة). أين هو الفضاء الذي يَجتمع فيه اليساريون ويتشاركون فيه الأفكار؟ لم يكن هناك مكان كهذا. الكنيسة الكاثوليكية كان بإمكانها أن تصبح أماكن مقاومة، لكن كما ذكرنا لم تتشكّل هذه الظاهرة بشكل متماسك بعد، واليسار اللاتيني بشكل عام لم يُبدِ اهتماماً بلاهوت التحرير وبالأديان بشكل عام (رغم كل تأثّر اليسار اللاتيني بيسار الولايات المتحدة إلا أن الأخير أكثر اهتماماً بما لا يُقاس بثيمة الدين وقدرته على تكوين بؤر مقاومة، إذْ يبدو أن اليسار اللاتيني استمدّ عدم اهتمامه بثيمة الدين من اليسار الأوروبي، أي إننا نَجمع من كل يسار إمبريالي أسوأ ما فيه).
هناك كاثوليك متدينون صوّتوا لدا سيلفا خوفاً من تهديد الإنجيليين بجعْل «سيدة الظهور» (“Nossa Senhora Aparecida”) رمزاً خاصاً بالكاثوليك وليس بعموم الأمة البرازيلية كما هو الحال اليوم؛ فلافيو بولسونارو اتهم عدداً من أعضاء المجلس الوطني لأساقفة البرازيل (CNBB) بالمساعدة على نشْر هذه الفكرة، إلا أن المجلس نفى ذلك رغم أنه ختم بيانه بالتأكيد على بقاء «سيدة الظهور» شفيعةً للبرازيل ككل، وكان واضحاً أن الكاثوليك صوّتوا بنسب أعلى لدا سيلفا. ثم يأتي التخلّي عن فكرة الشارع كفضاء سياسي ليزيد الأمور سوءاً.
بالمنحى الإعلامي تحديداً كان اليسار البرازيلي يتأهّب لاستكشاف الفضاء الافتراضي بديلاً عن الشارع (إلى جانب المنحى السياسي الذي يَستدعي التواجد في المؤسسات الدولتية بشكل أوسع)؛ فكرة أنه لا يمكنك أن تَفعل شيئاً في ساو باولو على الأرض، كل شيء يجب أن يمرّ عبر الفضاء الافتراضي كنت تسمعها في كل مكان؛ ساو باولو مدينة ضخمة جداً (الأكبر في القارة الأميركية)، زدْ عليها أنها مبعثرة جداً (بخلاف مدن أميركا اللاتينية الإسبانية).
لكن حتى في هذا الخصوص، لم يطوّر اليسار البرازيلي لغة خاصة بمنصات التواصل الاجتماعي، فلا تزال هذه المنصات تعزّز هيكلياً، ألغوريثمياً، الخطابات المتطرفة غير المنطقية؛ بالتالي أنت تتخلّى عن الشارع إعلامياً لصالح الافتراضي دون أن يكون لديك حتى نظرية خطابية لهذا الفضاء (ما فعله أندريه جانونيس من خلال مجموعة «جنود لولا» على الواتساب، ليست استراتيجية للعالم الافتراضي، كل ما هنالك أن تفاني جانونيس في البقاء أونلاين طوال الوقت حتى أُدخل المستشفى كان ذا أثر عاطفي على البعض، فكرة أن هناك مَنْ هو مؤمن إلى هذا الحد بقضيته)؛ ثم يَأتي الحظر الانتقائي الذي مارستْه شركة «ميتا»، مالكة منصات فايسبوك وإنستاغرام، على الإعلانات المرتبطة بحملة حزب العمال الانتخابية لتبرهن مجدداً أنه لا يمكنك الاعتماد على منصات إمبريالية وأنه عليك التمسّك بالشارع باعتباره فضاء التحشيد والإنتاج السياسي (هناك منصات تقدمية أخرى حظرتْها شركة «ميتا» لا علاقة لها مباشرة بالانتخابات، مثل «»الجيوبوليتيكا اليوم» بالبرتغالية، ودون تقديم أي تبرير لذلك)؛ لسوء حظ بولسونارو أن الأموال التي دفعها لمنصة «ميتا» كحملة إعلانات تحوّلتْ عقب الهزيمة إلى نَشْر واسع النطاق، مدفوع الثمن من حملة بولسونارو، لخيبة أنصاره والتعبير العشوائي عن غضبهم بدل أن تكون هناك سياسة خطابية منظمة (البعض منهم عبّر عن غضبه من ترامب لأنه لم يتدخل بما يَكفي).
أقول هذا وفي الخلفية تجربة إيران أخيراً، أي إبقاء مناصري الثورة الإسلامية في الشارع طوال فترة الحرب وأثر ذلك الحاسم في منْع مخطط تقويض الحكومة من الداخل، ومن ثم أصبح هذا الشارع منصة إعلامية لتعزيز شرعية الحكومة مع كل عملية تصدٍّ أو هجوم كانت تقوم به قوات الجيش أو الحرس الثوري. نحن بعيدون كل البُعد عن إمكانية الاستغناء عن الشارع في مواجهة الإمبريالية، في إيران كما في البرازيل.
ليلة الانتصار التاريخي، قال دا سيلفا إنه تعلّم من هذه الانتخابات أن عليه أن يتحدث أكثر إلى المواطنين، أي إن المسار المؤسساتي-الرسمي الذي اعتقد البعض بأولويته تبيّن أنه كارثي. في المكسيك الرئيسة كلاوديا شاينباوم وسلفها الرئيس آندريس مانويل لوبيس أوبرادور (آملو)، واظبا على ممارسة يبدو أنها أتت بنتائج إيجابية، وهي المؤتمر الصحافي الصباحي اليومي (mañanera)؛ هذه الممارسة أكثر رصانة من أداء دونالد ترامب على منصات التواصل الاجتماعي، وهي في الوقت نفسه تُبقي المواطنين على تماس مستمر. في حالة دا سيلفا يبدو أن التماس سيكون من خلال تكثيف التواجد في الشارع مع المواطنين.
إلى جانب الكنيسة الإنجيلية هناك قطاع تطبيقات الدليفري والمواصلات (مثل «أوبر»)، وهو أكبر مشغّل للعمال في البرازيل منذ عام 2019.
في أميركا اللاتينية بالذات هذه التطبيقات هي منصات إعلامية لليمين المتطرف الذي يكرّر العبارات النيوليبرالية باعتبارها نظريات علمية مُثبتة؛ هذه المنصات تُعطي انطباعاً بأن العمل متوفر، وما عليك إلا أن تكون نشيطاً من أجل تحصيل المال؛ أنت لا تحتاج إلى الدولة ولا إلى برامجها الاجتماعية، دا سيلفا يريد المزيد من برامج الرعاية الاجتماعية من أجل سرقة هذه الأموال، وما إلى ذلك من أفكار تتقاطع عند فكرة أن تقديم أي شيء للفقراء هو خطأ أخلاقي، يجب تقديم كل الدعم للبنوك حصراً (فضيحة بانكو ماستر مثلاً)؛ لذلك ستجد تقاطعاً كبيراً بين سائقي الدليفري والمواصلات والكنيسة الإنجيلية؛ هذه التقاطعات الروحية-المادية وفعاليتها لن تجد مثيلاً لها على جبهة اليسار البرازيلي.
طبعاً الكارثة ستحلّ حين تقوم شركات الذكاء الاصطناعي بأتمتة المواصلات وبالتالي الاستغناء عن السائق البشري، هناك ستسقط الكثير من أوهام النيوليبرالية التي يقوم عليها اليمين المتطرف في أميركا اللاتينية.
بالمناسبة، من اللافت أن اليمين اللاتيني يتبنّى النظريات النيوليبرالية بحماسة طفولية هائلة في حين أن هذه النظريات في مهدها (في الولايات المتحدة) لم تعد تؤخذ في الاعتبار (دونالد ترامب يريد دفع مبلغ خمسة آلاف دولار لكل مواطن أميركي في حال فوز الجمهوريين في الانتخابات النصفية، وشركات الذكاء الاصطناعي تدرس إمكانية دفع جزء من أرباحها إلى الحكومة الأميركية). يُحيلنا ذلك إلى فكرة أن النظريات التي يتمّ التخلّي عنها في الحاضرة الإمبريالية تَحظى بحياة ثانية في الأطراف الأكثر تبعيةً لها، وقد يكون هذا النوع من التبعية أسوأ حتى من تبعية تقليد الحاضرة الإمبريالية في راهنها.
كان ذلك في الدورة الأولى من الانتخابات البرازيلية. في الأسابيع الثلاثة الفاصلة، تغيّرت الأجواء بشكل جذري: عاد اليسار البرازيلي إلى مكانه الطبيعي، الشارع، وعادت التظاهرات شبه اليومية، ومعها شحْن القاعدة الشعبية لحزب العمال من أجل التواصل مع المواطنين الذين لم يصوّتوا في المرة الأولى وإقناعهم بضرورة التصويت للرئيس دا سيلفا. حضرتُ في شارع باوليستا تظاهرة واحدة لليمين المتطرف وعدداً من التظاهرات التي نظّمها حزب العمال. تظاهرة اليمين المتطرف كانت مُشتّتة جداً، ليس من ناحية الحشد، بل من ناحية الشعارات وطريقة التجمعات، وكان من الواضح أن هؤلاء تتمّ أدلجتهم (طبعاً عبارة «أدلجة» فضفاضة على نوعية ما ينطق به اليمين المتطرف البرازيلي أو اللاتيني) في لقاءات الكنائس الإنجيلية وليس في اللقاءات الحزبية. في المقابل تظاهرات اليسار كانت مشحونة أكثر، شعاراتهم متماسكة أكثر، وهناك فرق موسيقية كثيرة بينهم تعمل على شكل كرنفالات السامبا، أي هي فرق موسيقية-سياسية-نشطائية تَنتشر في أرجاء التظاهرة، ليس بالضرورة أنها تمارس الموسيقى كفرقة تجارية بل أكثر كفرقة ناشطين للمشاركة في الكارنفالات؛ لم أجد مثل هذه الفرق في تظاهرة اليمين المركزية.
عودة حزب العمال البرازيلي إلى الشارع كانت ضرورية جداً لاستعادة شكله، لاستعادة شعاراته (“أيها العامل انظر هنا، أنا في الشارع كي يتمكّن ابنك من الدراسة”)، وقد يكون الرئيس دا سيلفا هو الذي تنبّه سريعاً إلى فكرة الشارع قبل مضي الأسابيع الثلاثة الفاصلة بين الدورتين الأولى والثانية، ما أدّى إلى فوز هو الأول من نوعه، إذْ إنه في الانتخابات البرازيلية منذ عودة الديمقراطية عام 1989 عادة ما يفوز بالجولة الثانية مَنْ ربح الجولة الأولى.
وهنا نَأتي على إشكالية أخرى، وهي عبارة ستسمعها كثيراً «لولا شخص ذكي جداً وهو يعرف ماذا علينا أن نَفعل»؛ لا شك في ذكاء لولا وتجربته المخضرمة، ولكن الاتكال على الأفراد بدل التحليل والبناء المنهجيين ليس فعلاً متناسباً مع حزب أيديولوجي. ذلك أن السؤال المُقلِق الذي طُمِس خلال احتفالات الشوارع الأحد مساء هو: مَنْ سيَقود حزب العمال بعد لولا في انتخابات الرئاسة عام 2030؟ تجربة ديلما روسيف لم تكن مشجّعة، وكاريزما وذكاء لولا لن يدوما بطبيعة الحال.
فوز اليمين المتطرف الكاسح في الكونغرس، وعدم قدرة حزب العمال على إنتاج شخصية بديلة عن دا سيلفا تَخوض هذه الانتخابات الرئاسية (لولا ترشّح حين وَجَد أن الحزب لم يتمكّن من إنتاج شخصية جديدة) يضعاننا أمام تحدّ صعب؛ لكن يمكننا الآن الاحتفال بالأثر الإقليمي لنتائج انتخابات الأحد الماضي، رؤية اليمين المتطرف في أنحاء أميركا اللاتينية والقارة الأميركية ككل في حال من الصدمة والترقّب، إذْ قلنا قبلاً إن الإستابلشمنت البرازيلي هو مؤشر على مستقبل الإستابلشمنت في الولايات المتحدة الأميركية نفسها، واللاتيني بالتالي.
محمد فضل الله – جريدة الأخبار
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




