في بلدٍ أنهكته العتمة وأثقلت أزمة الكهرباء كاهل اقتصاده ومواطنيه، يبرز المشروع القطري كفرصة قد تعيد رسم مشهد الطاقة في لبنان، فقد أعلن رئيس الحكومة نواف سلام مؤخرا أن قطر ستتولى تمويل المشروع وتنفيذه وتشغيله، من دون أن تتحمل الخزينة اللبنانية كلفة استثمارية مسبقة، وفق صيغة البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT).
لكن خلف الوعود بزيادة الإنتاج ووضع حدّ لساعات التقنين، يبرز سؤال أساسي: هل يفتح المشروع باباً لحلٍ مُستدام لأزمة الكهرباء، أم ينقل كلفتها من الموازنة إلى التزامات تعاقدية طويلة الأجل؟ علما انه يتم التداول بأن شركة (UCC) القطرية ستتولى تنفيذ المشروع، على أن يبدأ توفير 300 ميغاواط من الكهرباء عبر سوريا خلال 6 أشهر، لترتفع القدرة إلى 2000 ميغاواط خلال سنتين، وصولاً إلى 3000 ميغاواط خلال 3 سنوات.
ويعتمد المشروع على إمدادات الغاز عبر خط يمر في الأراضي السورية، إلى جانب إنشاء وحدة تخزين وإعادة تغويز عائمة (FSRU) في شمال لبنان. ويفتح هذا الإعلان الباب أمام فرصة جديدة لمعالجة أزمة الكهرباء المُزمنة في لبنان، لكنه يطرح في الوقت نفسه تساؤلات حول الكلفة الفعلية للمشروع، والضمانات المالية التي قد يتطلبها، ومدى انسجامه مع الإصلاحات المطلوبة في قطاع الكهرباء.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور محمد فحيلي، الباحث المقيم لدى كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت، أن الصيغة المطروحة تبدو جذابة، لكن غياب الكلفة الاستثمارية المسبقة عن الموازنة لا يعني بالضرورة غياب الأعباء المالية عن الدولة.
ويُشير فحيلي في حديث لـ “لبنان 24” إلى أن “نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT) لا يلغي الكلفة، بل ينقلها من الإنفاق الاستثماري المباشر إلى التزامات تعاقدية قد تمتد لسنوات طويلة، وقد تظهر هذه الالتزامات في أسعار شراء الطاقة، أو الضمانات السيادية، أو التعهدات بالدفع، أو آليات تحويل الأموال بالعملة الأجنبية.” ويحذّر من أن “ما لا يظهر اليوم في الموازنة قد يتحوّل غداً إلى التزام مالي طويل الأجل، خصوصاً إذا تضمّن العقد بنوداً تضمن شراء كميات محددة من الكهرباء أو الدفع عنها بصرف النظر عن الاستهلاك الفعلي، وفق آلية “خذ أو ادفع”.
(Take-or-Pay) وتبرز هنا مسألة الجهة التي ستشتري الكهرباء والسعر الذي ستدفعه والمدة التي سيغطيها العقد، فإذا كانت مؤسسة كهرباء لبنان هي المشتري، فإن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تصبح عنصراً أساسياً في تقييم المشروع، في ظل استمرار التحديات المرتبطة بالجباية والتعرفة والهدر المالي والفني.
وبحسب فحيلي، فإن نجاح أي مشروع لإنتاج الكهرباء لا يرتبط بقدرته الإنتاجية وحدها، بل أيضاً بقدرة الجهة المشترية على الدفع. ومن هنا، فإن أي التزام طويل الأجل من دون إصلاحات مالية وتشغيلية موازية قد ينقل الأزمة من نقص الإنتاج إلى عجز المؤسسة عن تمويل مشترياتها. الضمانات المالية في صلب المعادلة لا تقل الضمانات التي قد يتضمنها الاتفاق أهمية عن كلفة المشروع نفسها.
فالسؤال الأساسي، وفق فحيلي، هو ما إذا كان العقد سيشمل ضمانة سيادية، أو رهناً لإيرادات معينة، أو آلية تضمن تحويل المستحقات إلى العملة الصعبة. وفي حال تضمّن المشروع مثل هذه الالتزامات، فإنها تستوجب الإفصاح عنها واحتساب انعكاساتها على المالية العامة، بما في ذلك الالتزامات المحتملة التي قد لا تظهر مباشرة في أرقام الدين العام.
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في ظل سعي لبنان إلى إعادة تنظيم أوضاعه المالية والتفاوض مع المؤسسات الدولية. فعدم إدراج الالتزامات المحتملة ضمن التقييم الشامل للمشروع قد يعطي انطباعاً مضللاً عن كلفته الحقيقية، ويؤجل ظهور الأعباء إلى مرحلة لاحقة. ويذكّر فحيلي بأن تجربة لبنان مع قطاع الكهرباء أظهرت كيف يمكن للتعاقدات والاختلالات التشغيلية أن تتحوّل، مع مرور الوقت، إلى أحد مصادر استنزاف المالية العامة.
لذلك، فإن تقييم المشروع الجديد ينبغي ألا يقتصر على حجم الاستثمار الذي لن تدفعه الخزينة في البداية، بل يجب أن يشمل كامل الالتزامات التي قد تنشأ عن العقد. قانون الكهرباء والإصلاحات المطلوبة إلى جانب الجوانب المالية، يطرح المشروع أسئلة قانونية ومؤسساتية تتعلق بآلية إقراره وتنفيذه، فقانون تنظيم قطاع الكهرباء رقم 462 الصادر عام 2002 لم يُطبّق بالكامل، فيما لا تزال هيئة تنظيم قطاع الكهرباء والإصلاحات المرتبطة بها جزءاً أساسياً من النقاش حول مستقبل القطاع.
ويتساءل فحيلي عما إذا كان المشروع سيمر عبر الأطر التنظيمية والإجراءات التنافسية والشفافة، أم سيُنفّذ من خلال اتفاق حكومي مباشر تفرضه اعتبارات الاستعجال.
ولا تنحصر أهمية هذا السؤال في الالتزام بالقوانين المحلية، بل تمتد إلى علاقة المشروع بالإصلاحات التي يرتبط بها تمويل قطاع الكهرباء من المؤسسات الدولية، فقرض البنك الدولي البالغ 250 مليون دولار، والمخصص لدعم معالجة ملف الكهرباء والإصلاحات المرتبطة به، يفرض ضرورة التأكد من أن المشروع الجديد ينسجم مع المسار الإصلاحي، ولا يؤدي إلى تعطيله أو الالتفاف على متطلباته.
كما أن أي اتفاق طويل الأجل ينبغي أن يوضح موقعه ضمن استراتيجية الطاقة في لبنان، ومدى تكامله مع المشاريع الأخرى، بما فيها الطاقة الشمسية، بدلاً من أن يتحول إلى التزام منفصل عن التخطيط الشامل للقطاع. الاعتماد على سوريا: تحديات سياسية وتشغيلية يمثل الاعتماد على خط الغاز عبر سوريا أحد أبرز عناصر المخاطر في المشروع، ولا سيما في المرحلة الأولى التي تستهدف توفير 300 ميغاواط خلال ستة أشهر.
فتحقيق هذا الجدول الزمني يفترض توافر خط إمداد جاهز وموثوق، واستقرار الترتيبات الفنية والتعاقدية، وضمان استمرار عبور الغاز عبر الأراضي السورية، وهي عوامل لا ترتبط بالجوانب التقنية وحدها، بل تتأثر أيضاً بالظروف السياسية والعلاقات بين الأطراف المعنية.
ويرى فحيلي أن “هذه المخاطر يجب أن تُحتسب بوضوح في العقد، من خلال تحديد المسؤوليات وآليات التعامل مع انقطاع الإمدادات أو تأخر التنفيذ، بدلاً من تركها كعوامل غير محسوبة قد تنعكس لاحقاً على الكلفة والتشغيل.” أما وحدة التخزين وإعادة التغويز العائمة المزمع إنشاؤها في الشمال، فتشكّل عنصراً إضافياً في البنية التحتية المطلوبة لتأمين الغاز، غير أن فعاليتها ستظل مرتبطة بكامل سلسلة الإمداد، وبمدى وضوح الترتيبات التجارية والتشغيلية التي تحكمها.، بحسب فحيلي.
الحوكمة قبل التوقيع بالنسبة إلى فحيلي، لا يكفي أن يحدد الاتفاق القدرة الإنتاجية والجدول الزمني للتنفيذ، بل ينبغي أن يوضح أيضاً من سيتولى إدارة الشبكة والتوزيع والجباية، وكيف ستُحدّد التعرفة، وما الضمانات التي تحول دون تراكم التزامات مالية غير قابلة للاستدامة. فمن دون إصلاح التعرفة وتحسين الجباية وخفض الهدر، قد يجد لبنان نفسه أمام قدرة إنتاجية أكبر، لكن مع استمرار العجز في تمويل الكهرباء، وعندها، لن تكون المشكلة في إنتاج الطاقة، بل في القدرة على دفع ثمنها.
ويحذّر من أن” المشاريع التي تُقدَّم باعتبارها استثناءات تفرضها الظروف الاستثنائية قد تتحوّل إلى سوابق، وأن الاستثناء غير المنضبط قد يصبح قاعدة في إدارة قطاع الكهرباء.” ما المطلوب من الحكومة؟ في ضوء هذه التساؤلات، يدعو فحيلي الحكومة إلى نشر ورقة النوايا فور إقرارها، وإحالتها إلى مجلس الوزراء بكامل ملاحقها، وإشراك هيئة تنظيم قطاع الكهرباء في تقييمها، والإفصاح عن أي التزامات مالية مباشرة أو محتملة قد تترتب على الدولة.
كما يُشدد على أهمية ممارسة مجلس النواب دوره الرقابي قبل توقيع الاتفاقات النهائية، بما يتيح مناقشة الشروط المالية والقانونية والتشغيلية في الوقت المناسب، بدلاً من الاكتفاء بتقييم نتائجها بعد بدء التنفيذ. فالمطلوب، وفق هذا المنظور، ليس تعطيل المشروع أو التشكيك في جدواه، بل التأكد من أن شروطه تحقق مصلحة لبنان على المدى الطويل، وأن كلفته الحقيقية واضحة، وأنه لا يأتي على حساب الإصلاحات الضرورية في مؤسسة كهرباء لبنان.
فرصة لإنهاء العتمة أم التزام طويل الأجل؟ يمثل المشروع القطري، من حيث المبدأ، فرصة مهمة لزيادة إنتاج الكهرباء وتخفيف الاعتماد على الحلول المؤقتة التي طبعت إدارة القطاع في السنوات الماضية، لكن الحكم على جدواه لا يمكن أن يستند إلى الأرقام المعلنة وحدها، مهما بدت طموحة.
فالوصول إلى 300 ميغاواط خلال 6 أشهر، ثم 2000 ميغاواط خلال سنتين و3000 ميغاواط خلال 3 سنوات، يشكل هدفاً كبيراً، إلا أن تحقيقه بصورة مُستدامة يتطلب وضوحاً في التمويل والتسعير والضمانات، إلى جانب إصلاحات موازية في الإدارة والجباية والتنظيم
المصدر: لبنان 24 – جوسلين نصر
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




