رغم التحالفات التي تستنفرها الرياض، لا تبدو الدول الحليفة راغبة في خوض حرب واسعة داخل اليمن، فيما تواصل صنعاء الضغط العسكري، بالتوازي مع معركة تعز، لتدفع السعودية نحو وقف الحرب والحصار، وسط صعوبة تغيير المعادلة القائمة.
كلّ الضجيج الإعلامي الذي رافق إرسال قوات عربية وغير عربية إلى اليمن – وبعضها ذات رمزية تاريخية وحاضرة من مثل القوات المصرية -، لا يغيّر في الواقع كثيراً. فلا يبدو أن أيّاً من البلدان التي أرسلت قوات، راغبٌ في القتال داخل اليمن، أقلّه بشكل رسمي وواسع، من أجل تغيير المعادلة القائمة في البلد. في المقابل، لا تطمح صنعاء إلى استهداف السعودية، إلّا في حدود الردّ على القصف والحصار السعوديَّيْن للمناطق الخاضعة لسيطرتها، والضغط على الرياض لوقف الحرب والحصار معاً، وترك اليمنيين وشأنهم. في هذه الحال، يبقى إنهاء الحرب مرهوناً بقدرة المملكة على التحمّل، والخروج من المأزق الذي وضعتها فيه الولايات المتحدة – في إطار الحرب الأوسع مع إيران -، باعتبار أن المعركة تُخاض بمجملها بين تحالفَين كبيرَين، ويتعيّن على السعودية تقديم مساهمتها فيها.
لم تنجح السعودية، حتى الآن، في جرّ الدول التي تحالفت معها، سواء عبر ائتلافات رسمية كـ«حلف مكة» الذي يضمّ إليها تركيا وباكستان، أو من خارج مثل هذه الائتلافات، كمصر، في إقامة تحالف حقيقي يشاركها الحرب بجحافل جيوشه داخل اليمن نفسه، ويغيّر المعادلة التي تميل بشكل واضح لمصلحة حركة «أنصار الله».
والواقع أن المملكة لا تستطيع أن تشتري بالمال، إلّا مشاركة رمزية غير ذات فعّالية.
فاستجلاب جيوش يحتاج إلى إمكانات ضخمة قد لا تكون الرياض قادرة على توفيرها، فضلاً عن أن الدول الحليفة نفسها، لا تستطيع تبرير مشاركة كبيرة، إلّا بمكاسب تُوازي حجمها والتبعات التي تترتّب عليها. وحتى السعودية ذاتها لم ترسل جيشها للقتال في الداخل اليمني، وإن كان ذلك يمكن أن يُنسب في الأساس إلى ما هو معروف عن الجيش السعودي، من عدم قدرة على القتال، لأسباب تتعلّق ببنية الدولة – كما سائر الدول الخليجية -، التي قامت من الأساس على الحاجة الدائمة إلى مَن يدافع عنها في مقابل الاستفادة من إمكاناتها، ولا سيما في مجال النفط.
وحتى لو افترضنا أن الدول المشاركة في الحرب أسقطت كلّ المحاذير الداخلية، ودخلت بجحافل جيوشها للقتال ضدّ قوات صنعاء في اليمن، فهي لن تنجح بالضرورة في قلب المعادلة.
فتركيا، مثلاً، لا تستطيع أن تفعل على الأراضي اليمنية ما تفعله في سوريا والعراق، حيث أرسلت جيشها لملاحقة تمرّد كردي يستهدف الدولة نفسها. كما لا تستطيع باكستان القتال هناك مثلما تفعل على حدودها مع الهند في كشمير، حيث يدور نزاع حدودي منذ عقود طويلة، يؤثّر على سلامة أراضي الدولة نفسها.
ومع ذلك، لا تفتأ السعودية تحاول توريط تلك الدول، وهو ما يدلّ عليه سعيها لفتح معركة حدودية مع قوات صنعاء – تحديداً في محافظات صعدة وحجة والجوف -، والذي يستهدف استدراج الأخيرة إلى قتال مباشر مع القوات الحليفة المتواجدة في جيزان ونجران على حدود المملكة مع اليمن.
في ظلّ هذه المُعطيات، يبدو أن الحرب ستستمرّ على المنوال الذي تسير عليه حالياً، حيث يمكن لقوات صنعاء مواصلة تقدّمها في اليمن الشمالي سابقاً من دون عوائق كبيرة. وفي هذا السياق، تأتي معركة مدينة تعز التي تخوضها حالياً، ويبدو أنها تقترب من حسمها، بقتال أو بدونه، وذلك في ضوء الطوق الذي تضربه على المدينة، ودخولها إلى بعض أحيائها الداخلية – والذي حدا بحزب «الإصلاح» الإخواني إلى طلب وساطة عُمانية للتوصّل إلى تسوية في خصوص إدارة تعز، وإرساله وفداً إلى مسقط للقاء وفد حركة «أنصار الله» المفاوض -.
في المقابل، تحتاج صنعاء، من أجل إنهاء الحرب، إلى إقرار سعودي بخسارتها؛ فهي لا تستطيع حسم المعركة عسكرياً ضدّ السعودية، ولا تستطيع حتى الدخول إلى المحافظات الجنوبية والشرقية التي تسيطر عليها الرياض، إذ إن تلك المحافظات تضمّ قوات انفصالية تسعى لـ«استقلال» الجنوب اليمني، فيما لا يبدو ملائماً فتح ملفّها الآن، لا عسكرياً ولا سياسياً، فضلاً عن أن المسألة الجنوبية قد لا تُحلّ أصلاً إلّا في إطار حلّ الأزمة اليمنية ككلّ، وهو أيضاً ما يحتاج إلى مشاركة سعودية.
«أنصار الله» تدرك هذا الواقع تماماً. ولذلك، فإنها تحصر مطالبها بالحدود الدنيا المتمثّلة بوقف الحرب ورفع الحصار، بما من شأنه تسهيل الأمر على الرياض، باعتبار أن التنازلات المطلوبة، ليست كبيرة، وهي مُستحَقّة أصلاً لليمنيين.
إلّا أن الحركة لا تستطيع التراجع عمّا تعتبره خياراً وحيداً لتحقيق الهدف المذكور، وهو الضغط العسكري والاقتصادي في الداخل السعودي، ومضيق باب المندب، والمحافظات اليمنية التي تسيطر عليها المملكة.
أمّا السعودية، فقد وضعت نفسها في زاوية يصعب عليها الخروج منها، من دون ما تعتبره خسارة مهينة أخرى في اليمن، خصوصاً بعدما استدعت كلّ تلك التحالفات والقوات لمساعدتها في تحقيق أهداف لا تبدو قابلة للتحقّق.
حسين ابراهيم-الاخبار
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




