مجلة “ذا ناشونال إنترست” الأميركية تنشر مقالاً يتناول التداعيات الجيوسياسية والاقتصادية لتصاعد هجمات الحوثيين على السعودية، وتأثيرها المحتمل في أسواق الطاقة العالمية، ولا سيّما احتمال ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
في حين تكتسي نتائج الحرب في إيران أهمية جيواقتصادية بالغة، يمتلك الحوثيون في اليمن القدرة على تشكيل تهديد لا يقل خطورة على الاقتصاد العالمي، لا سيما فيما يتعلق بأسعار الطاقة وتشابك التحالفات.
يتمتع الحوثيون بموقع استراتيجي هام؛ إذ يجاورون المملكة العربية السعودية ويقابلون منطقة القرن الأفريقي التي تشهد توترات سياسية. وفي عام 2025، أثبتوا بوضوح قدرتهم على استهداف حركة الملاحة في البحر الأحمر، مما دفع الولايات المتحدة إلى شن غارات جوية، وهو وضع تطور لاحقاً في العام نفسه إلى هدنة بين الجانبين. ومنذ تموز/يوليو 2026، توسّع الحوثيون جنوباً نحو المناطق التي لا تخضع لسيطرتهم في اليمن، سعياً لتعزيز هيمنتهم على مضيق باب المندب، بالتزامن مع استمرار هجماتهم بالطائرات المسيرة والصواريخ ضد البنية التحتية السعودية.
لماذا قامت إيران والصين بتسليح الحوثيين؟
حظي صعود الحوثيين بدعم إيراني على مدى أكثر من عقد، زوّدتهم طهران خلاله بصواريخ باليستية وصواريخ كروز وأسلحة مضادّة للسفن. كما قدّمت الصين دعماً للحوثيين، الذين اشتروا منها مكوّنات صواريخ مقابل منح السفن التي ترفع العلم الصيني حصانةً في البحر الأحمر.
ومع ذلك، وكما أشارت مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى في إدارة بايدن، باربرا ليف، فإنّ “الحوثيين لا يرون أنفسهم شريكاً ثانوياً لإيران، ولا حتى وكيلاً لها، بل يعتبرون أنفسهم قوة مستقلة، وهم مصمّمون على إثبات ذلك”.
ويشعر الحوثيون بالاستياء من السعوديين، الذين يعتبرونهم غير جديرين بحماية مكة المكرمة، بسبب علاقاتهم بالولايات المتحدة، وبالتالي بـ”إسرائيل”. وإضافةً إلى ذلك، تدخّل السعوديون في الشؤون اليمنية لعقود، وقد حان الآن وقت الردّ.
تأثير هجمات الحوثيين على النفط السعودي
في أوائل الشهر الجاري، شنّ الحوثيون هجوماً على البنية التحتية للطاقة في السعودية ومطار الرياض الدولي، ما أسفر عن مقتل 18 شخصاً وإصابة آخرين. وبمعنى آخر، ينقل الحوثيون الصراع إلى السعودية، مستهدفين أكثر القطاعات حساسية بالنسبة إليها، وفي مقدّمتها قطاع الطاقة، إلى جانب القطاعات المحورية في جهود الحكومة لتنويع اقتصادها بعيداً عن النفط.
وتأكيداً لذلك، هاجم الحوثيون مقرّ شركة أرامكو السعودية، وألحقوا أضراراً جسيمة بما يُعدّ مركز عمليات الشركة.
كما يهدّد الحوثيون بمواصلة استهداف المطارات والبنية التحتية للطاقة في المناطق الداخلية للسعودية، ويحثّون شركات الشحن العالمية والمواطنين والعاملين في هذه المواقع على الإخلاء، ويعتبرون الشركات الأجنبية “أهدافاً مشروعة”.
وقد تمكّن الحوثيون، من خلال استهداف المصافي وتعطيل خطوط الأنابيب وتهديد الملاحة في البحر الأحمر، من إلحاق دمار كافٍ بقطاع الطاقة السعودي، بما يتيح لهم مواصلة الضغط على أسعار النفط العالمية.
كيف يختبر الحوثيون معاهدة الدفاع الجديدة للسعودية؟
أجبر الصراع الأميركي مع إيران، وما ترتّب عليه من أضرار في البنية التحتية السعودية، الرياض على الإقرار بأنّه لا يمكن الاعتماد على واشنطن للدفاع الكامل عن أمنها القومي.
وكان ذلك دافعاً رئيسياً لإبرام “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” مع تركيا وباكستان، التي تنصّ على أنّ “أيّ هجوم مسلّح على أيّ من الدول الثلاث يُعتبر هجوماً عليها جميعاً”.
وإذا كان الهدف من الاتفاقية ترهيب الحوثيين ودفعهم إلى وقف هجماتهم على السعودية، فقد فشل فشلاً ذريعاً.
ويشكّل الحوثيون معضلة جيوسياسية لباكستان وتركيا. فالسعودية مصدر رئيسي للنفط لكلا البلدين، كما أنّ الرياض داعم مالي بالغ الأهمية للدولة الباكستانية المثقلة بالديون.
فقد اقترضت باكستان من السعودية 3 مليارات دولار، قُدّمت مؤخراً للمساعدة على تحقيق الاستقرار في اقتصاد هذا البلد الواقع في جنوب آسيا. وفي ضوء ذلك، ليس مستغرباً أن تلتزم باكستان بنشر قوة عسكرية في السعودية.
لماذا تحذّر باكستان وتركيا من قتال الحوثيين؟
لكنّ موقف باكستان أكثر تعقيداً؛ فهي تشترك في حدود طويلة يسهل اختراقها مع إيران، وسعت إلى أداء دور الوسيط النزيه في المفاوضات بين طهران وواشنطن. كما تحاول تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة، بعدما رسّخت اعتماداً كبيراً على الصين، وهو ما زاد صعوبة التعامل مع إعادة هيكلة ديونها.
إضافةً إلى ذلك، تتّسم علاقات باكستان مع حكومة طالبان الأفغانية بالتوتّر، في ظلّ النزاعات الحدودية والغارات الجوية الباكستانية داخل أفغانستان. وتطالب باكستان حكومة طالبان بمنع المسلّحين، وخصوصاً عناصر طالبان باكستان، من استخدام الأراضي الأفغانية لشنّ هجمات داخل باكستان.
ورغم إرسال تركيا فرق دعم وطائرات مسيّرة إلى السعودية، فإنّها تبدو متردّدة في الاشتباك المباشر مع الحوثيين. وعلى الرغم من الحصار الاقتصادي الأميركي المفروض على إيران، تربط تركيا علاقات تجارية واسعة بجارتها، وتطمح إلى أن يصل حجم التجارة العابرة للحدود بينهما إلى 30 مليار دولار.
وهناك عامل آخر في هذا السياق، هو أنّ تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي؛ فهل سيشارك الحلف إلى جانب تركيا في حرب ضد الحوثيين؟
كيف تمتدّ الصراعات المتداخلة من بحر قزوين إلى القرن الأفريقي؟
يشكّل تهديد الحوثيين ركيزة أساسية في سلسلة من الصراعات والتحالفات الاستراتيجية المتداخلة، الممتدّة من بحر قزوين إلى القرن الأفريقي.
وقد انخرطت الولايات المتحدة و”إسرائيل” ودول الخليج ومصر والأردن في الحرب مع إيران، بينما يخوض الحوثيون صراعاً مع السعودية، قد تُجرّ إليه تركيا وباكستان الآن.
وكانت أوكرانيا قد شنّت هجمات على مواقع روسية في بحر قزوين، فيما قصفت “إسرائيل” مواقع إيرانية في المسطّح المائي نفسه.
وعلى الجانب الآخر من البحر الأحمر، تجدّدت المعارك في إثيوبيا، وتحديداً في ما يتعلّق بإقليم تيغراي الإثيوبي وإريتريا.
وقد حصلت روسيا على قاعدة بحرية في بورتسودان، فيما تقدّم تركيا مستشارين عسكريين للحكومة المركزية في الصومال.
وكانت “إسرائيل” أول جهة في العالم تعترف رسمياً بانشقاق “صوماليا لاند”، التي تضمّ ميناء بربرة، أحد أهم موانئ المنطقة، والذي كان قاعدة بحرية للاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة.
ولطالما كانت دولة الإمارات داعماً نشطاً لإثيوبيا، إذ قدّمت لها استثمارات ومساعدات عسكرية، فيما تعمل شركة دبي العالمية التابعة لها على تحديث ميناء بربرة.
كما نشطت الإمارات في إثيوبيا، حيث يقع سدّ النهضة الإثيوبي الكبير عند منابع النيل الأزرق.
ويضعها هذا الدعم في خلاف مع مصر وإريتريا والصومال والسودان، التي عقدت في أوائل الشهر الجاري قمة أكّدت فيها قلقها بشأن سدّ النهضة وتأثيره في تدفّق مياه النيل والسيادة الإقليمية في منطقة القرن الأفريقي.
وتُعدّ الصين قوة اقتصادية عظمى في المنطقة، وهي الشريك التجاري الأكبر لإيران والعراق وإثيوبيا والسعودية والسودان وباكستان.
وفي عام 2025، استوردت الصين ما يزيد قليلاً على 50% من نفطها من الشرق الأوسط، ما يجعلها طرفاً معنياً بما يجري في المنطقة.
كما تمتلك الصين قوات بحرية متمركزة في جيبوتي، إلى جانب الولايات المتحدة وفرنسا واليابان وإيطاليا وكوريا الجنوبية.
ومع ذلك، تفضّل الصين البقاء بعيداً عن الأضواء، لكن كلّما طال أمد الصراع في منطقة الخليج، ازدادت حدّة التوتّر. ويسلّط هذا الوضع الضوء أيضاً على دور الصين مع الحوثيين وعلاقاتها التجارية مع إيران.
لماذا يشكّل الحوثيون معضلة لواشنطن؟
في خضمّ هذه التعقيدات الجيوسياسية، سيؤدّي اندلاع صراع أوسع مع الحوثيين إلى تفاقم التوتّرات الإقليمية المرتفعة أصلاً.
كما أنّه يهيّئ لسيناريو تصبح فيه قوى إقليمية مختلفة أكثر نشاطاً، وقد تنجرف إلى صراعات محلية، كما هي الحال بالنسبة إلى باكستان وتركيا.
فالحوثيون يمثّلون مشكلة كبيرة للولايات المتحدة، التي تخوض حرباً بالفعل ولا تحتاج إلى حرب أخرى. وفي الواقع، رغم إدانة إدارة ترامب تقدّم الحوثيين على طول الساحل اليمني، امتنعت الولايات المتحدة عن أيّ ردّ عسكري.
كما أفادت تقارير بأنّ الحوثيين طمأنوا الولايات المتحدة إلى أنّ وقف إطلاق النار المتّفق عليه العام الماضي لا يزال سارياً، ما يعني أنّ السفن السعودية وحدها ستتعرّض للهجوم، وليس السفن الأميركية.
ويجمّد ذلك المشكلة مع الحوثيين مؤقتاً، لكنّ استمرار تعرّض البنية التحتية النفطية السعودية للأضرار يُبقي الأوضاع متوتّرة، وهو أمر يثير قلق ترامب بلا شكّ.
ويمتلك الحوثيون حالياً ورقة جيو-اقتصادية قوية، إذا تمكّنوا من تقليص قدرة السعودية على تزويد أسواق النفط والغاز العالمية بصورة جذرية، فضلاً عن تعقيد حركة التجارة في البحر الأحمر.
ويكمن الخطر الأكبر في أنّ المنطقة الممتدّة من بحر قزوين إلى النيل تضمّ تحالفات كثيرة متشابكة بين قوى إقليمية وعالمية.
وكما حدث في البلقان عام 1914، ثمّة خطر حقيقي من اندلاع حرب في مرحلة ما.
نقله إلى العربية: حسين قطايا-الميادين
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




