في السابع والعشرين من أيلول 2024، ارتقى الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله شهيدًا في غارةٍ شنّها العدو “الإسرائيلي”. وقد فجّر الاغتيال غضبًا ولوعة لدى غالبية شعوب المنطقة، عربًا ومسلمين وغيرهم، وهو الذي كان في حياته رمزهم التاريخي وذروة نضالهم المعاصر، وغدا بعد غيابه شهيدَهم الأسمى بل سيّدَ شهدائهم. فيما فاضت شوارع عواصم أوروبيّة ومدن في القارة الأميركيّة بحشودٍ غفيرة، استنكارًا للجريمة وحدادًا على قائد أمميّ مُلهِم ومساند لا مثيل له للتحرّر العالمي.
وفي المقابل احتفت “إسرائيل” بالجريمة وصرّح الرئيس الأميركي جو بايدن بأنّ الاغتيال “إجراء يحقّق العدالة”، وتجنّبت معظم السلطات والأنظمة في المنطقة التعليق المباشر على الاغتيال، ومعها عواصم غربيّة، ما ينمّ عند بعض هؤلاء عن ارتياح وتواطؤ ضمنيّين.
يكشف التعارض بين خيارات الشعوب ومواقف الأنظمة إزاء الحدث، وكذلك التطابق بين موقفَي كيان العدو والولايات المتحدة الأميركيّة، أنّ الأمين العام الشهيد كان في مرمى منظومةٍ عالميّةٍ متكاملةٍ راسخةٍ موحّدة. ولذلك اخترنا في الكتاب الذي نقدّم له، الإضاءة على مواضع الربط في خطابه وتجربته بين مواجهة الاحتلال والتصدّي للهيمنة، وبين الأُحاديّة في النظام الدولي ومبدأ الحرب الدائمة، مع التركيز على الخطاب بوصفه المنطلق والمرجع في الدراسة والتحليل.
الخطاب
والخطاب عند الشهيد السيد وفي نضاله جزء لا يتجزأ من مواجهة الهيمنة. فهذه تريد التأثير على الإرادة من خلال التحكم بوعي الشعوب في جانب والتعرّض لمصالح الحكومات في جانب آخر. والحكومات في منطقتنا هي غالبًا منقوصة المشروعيّة، وتدور في مدار النفوذ الأجنبي، وهذا ضمن حدٍّ أدنى لا تستطيع النزول عنه وإلّا تعرّضت للتهديد من القوى المهيمنة، وحدٍّ أقصى لا يمكنها تخطّيه دون إثارة حفيظة الشعوب ضدها. ومن هنا فإن الوعي بالهيمنة وإبراز القدرة على تحدّيها ومواجهتها، يزيدان ثمن الارتهان للخارج على السلطات ويخفّضان من سقفه.
وبنظر السيد، تُفهم المقاومة بأنّها ضدّ الهيمنة بالدرجة الأولى، فالاحتلال هو طبقة وسيطة في نظام دولي جائر يقع في أعلى الهرم وله تمثّلات محليّة في أدناه. وإدراكًا لتلك الهرميّة العالميّة انتظم الفعل السياسي لدى حزب الله على قاعدة المقاومة، التي من دونها لا تكون السياسة، بوصفها صراع إرادات، ممارسة ممكنة. ففي عام 1992 انخرط الحزب في الانتخابات النيابيّة بعنوان الوفاء للمقاومة، وفي عام 2005 شارك في الحكومات المتعاقبة على قاعدة أن تُذكر المقاومة في البيان الوزاري، وفعل أمورًا مماثلة في الدعوة إلى تسوية في سوريا تحفظ موقعها الممانع، وإلى طائف عراقي في مواجهة الغزو الأميركي عام 2003.
والمقاومة بفهمه هي داخل النظام الدولي وخارجه، داخل النظام لأنّها تمثّل مصالح وطنيّة وتعبّر عن توق الشعوب إلى بناء الأمّة، كما أنّها تلتزم بالشرعيّة الدوليّة في الجوانب التي تتلاقى فيها مع المشروعيّة، أي عندما تراعي قراراتها القواعد الآمرة وتتوافق مع المبادئ العامّة للقانون الدولي. والمقاومة بالمقابل، تقف خارج النظام الدولي فيما خصّ السياسات المفروضة فرضًا بقوّة الهيمنة.
الحُجّة
ولا يظهر خطاب الشهيد السيد مفصولًا عن الحدث، أو مكتفيًا بوصفه، بل هو في أغلب الأحيان جزء منه، لا تكتمل حلقاته من دونه. وقد امتلك قدرة معروفة على بناء الحجّة التي تبدأ من الوقائع لتعود إليها، في مسار لا ينفصل فيه المقال عن المقام ولا الواقعة عن الفعل.
وعلى هذا النحو من التأطير والتفسير، يدفع الخطاب الأمور إلى ما يجب أن تكون عليه انطلاقًا مما هو كائنٌ فعلًا، فتشخيص الواقع منطلقٌ لتحديد المهمّة والواجب، ولا يسبق الخطاب الفعل ولا يقيّده بتصورات مُسبقة، ولا يأتي بعده ليكتفي بشرحه، بل هو يجول بين الاثنين، بين الفكرة وبين ممارستها، بين الفعل الممهّد للقول والقول الصانع له.
وتُبنى الحجّة في خطابه في فضاء غير معزول عن الوقائع، بل داخل سياق كثيف من الشواهد والأحداث والمُقارنات، حتى إنّه يتوجّه بها، مقتديًا بإمامه الحسين (ع)، إلى معارضيه وخصومه وأعدائه. ولا تُستدعى هذه العناصر للاستطراد، وإنّما يُعاد تركيبها لإبراز حقيقة تتصل بالفعل الآتي والهدف المقصود. ففي أكثر خطبه استثناءً في 3 تشرين الثاني 2023، والأولى بعد طوفان الأقصى، يضع في دائرة النقاش، ربّما لأوّل مرّة، فهمه الاستراتيجي والتاريخي لعوامل النصر على “إسرائيل” الذي يكون بالنقاط والمُراكمة لا بالضربة القاضية.
ويقوم بناء الحجّة في مستواه الأعمق على تفاعل أربعة عناصر: المبدأ والمصلحة والواقع والالتزام. المبدأ يُحدِّد ما ينبغي فعله، والمصلحة مناطها شروط الفعل وجدواه، والواقع يرسم الحدود بين الممكن وعدمه، والالتزام يضع المبدأ فوق غيره. وهكذا تصبح المصلحة فرعًا للمبدأ، وتصير مسائل الحق والباطل، والعدل والظلم، معياره الراسخ أكثر من حسابات الربح والخسارة وحتى الصحيح والخاطئ.
لكن ذلك لا يعني إلغاء السياسة أو إنكار أهميّة القوة، فهي بنظره لا تكتفي بذاتها، بل تستمد معناها من الغاية التي توجّهها، والغاية لا تنفصل عن الوسيلة التي تجعلها قابلة للتطبيق. وهنا تبرز إحدى أهمّ سمات تجربة المقاومة: المصالحة بين المعياري والوضعي، بين المبدأ والمصلحة، بين أخلاق الواجب وأخلاق الضرورة.
وفي سياق هذا الخطاب ظهرت المفاهيم المعبّرة عن تطوّر الصراع، من حرب الغوار المنخفضة الوتيرة، إلى الحرب اللامتماثلة فالردع اللاتناظري، ومن الجبهات المتباعدة إلى الساحات المتكاملة والموحّدة. وفي الداخل تطورت المفاهيم، لا تغيّرت، من إلغاء الطائفيّة السياسيّة إلى الدولة العادلة والقادرة والمطمئنة، ومن المقاومة الموازية للدولة إلى ثلاثية الشعب والجيش والمقاومة، ثمّ إلى الاستراتيجيّة الشاملة للدفاع والأمن الوطنيّين.
وحتى في أكثر المراحل إثارة للجدل، لم يكن نزع الصفة المعياريّة عن أداء حزب الله أو حصره بها إلّا قصورًا عن فهم منطق تجربته الداخلي، فلم يعبّر الانخراط فيما سُمّي حروب “الربيع العربي” عن تغيّر المبادئ بتغيّر المصالح كما يزعم المناوئون، ولم يُسقط واجب إسناد غزة من حسابه المصلحة في استباق عدوانٍ آتٍ حكمًا إلى لبنان. ويميّز أدهم صولي بين دفاع حزب الله عن وجوده المادي في سوريا وعن وجوده الأنطولوجي بعد طوفان الأقصى، فالأول مداره حفظ شروط البقاء، والثاني التمسّك بالفكرة التي تُكسِب الوجود المادي مبرّره ومعناه. فالدفاع عن خطوط الإمداد هو حماية للفكرة، كما أنّ إسناد الفلسطينيّين في مقاومتهم يحقّق المصلحة الوطنيّة حتى في تعريفها الضيّق.
التحرّر
يقرأ الشهيد السيد الهيمنة كما يقرؤها التيار الأوسع المعارض لها، فأميركا التي ورثت الاستعمار الأوروبي القديم، تُدير العالم من المركز بطرق عسكرية وسياسية واقتصادية وثقافية، وفي المنطقة “إسرائيل” رأس الحربة، والأنظمة التابعة وسطاء محليون.
لا تقف هذه القراءة بعيدًا من التحليل البنيوي لمدرسة التبعية، بل تتقاطع مع مفاهيمها الرئيسيّة لكنها قد تصل إلى نتائج مختلفة. صحيح أنّ هناك مركزًا وأطرافًا ووسطاء، وأنّ المؤسّسات الدولية هي أدواتٌ بيد القطب المسيطر، لكن الحلّ عند السيد نصر الله يمرّ بإدارة العلاقة مع المركز من خلال المقاومة.
والهيمنة عنده مشروع متجسّد في الحاضر وله جذور في الماضي، أمّا مجاله الأوسع فهو السيطرة بمعناها المباشر، باستخراج الفائض السياسي والاجتماعي من المجتمعات المغلوبة، بالاستتباع والتفرقة، وليس الفائض الاقتصادي وحده كما اعتقد بذلك معظم رواد مدرسة التبعية. “فالمشروع الأميركي الغربي هو مشروع هيمنة وتسلّط على العالم وغزو واستعمار واستبداد” (14 كانون الثاني 1996) مهما كانت تسميته؛ “النظام العالمي الجديد في التسعينيات”، و”الشرق الأوسط الجديد” في حرب تموز (22 أيلول 2006) أو “شرق أوسط متجدّد” يريد أن “يسوقنا عبيدًا” (25 أيار 2013).
يلتقي الخطاب هنا بأطروحة “الاستعمار الجديد”، التي ترى أنّ العلاقة الاستعمارية بين المركز والأطراف لم تنتهِ بإعلان الاستقلال منذ منتصف القرن الماضي، وإنّما بدّلت شكلها. ويقترب فهمُه لدور “إسرائيل” في المنطقة من نموذج الإمبرياليّة البنيويّة (غالتونغ، 1971)، إذ يحتاج المركز دائمًا إلى رأس جسر داخل الأطراف، يوطّد به حضوره ويمنع قيام تآلف إقليمي موحّد الغايات والمصالح خارج متناوله. و”إسرائيل” في هذا المشروع موقعٌ متقدّم لا فاعلٌ مستقل؛ فالمشروع تديره “أميركا باليد الإسرائيلية” (16 شباط 1995)، وهي القراءة نفسها التي حمّل بها الأميركيين مسؤولية الحرب على غزة بعد قرابة ثلاثة عقود، مخاطبًا إيّاهم: “”إسرائيل” هي أداتكم وجنديكم وخادمكم” (3 تشرين الثاني 2023).
والهيمنة تعمل أيضًا بأدواتٍ اقتصاديّة وإعلاميّة وثقافيّة، إذ “يراد لنا أن نتحوّل إلى أسواق استهلاكية” (7 أيار 1993)، فيما تتهيّأ الشركات الأجنبية “للسيطرة على البلد بعد الصلح مع العدو” (24 أيلول 1993). وعلى المنوال نفسه، تتولّى المؤسسات المالية الدولية تشويه “البنى الاقتصادية المحلية” (7 شباط 1997). والهدف إخضاع الإنسان للسوق تارةً وللسيطرة الناعمة والرمزية تارةً أخرى، وهذه تتولّاها “الهيمنة الإعلامية والنفسية” (25 أيار 2013).
والأكثر حضورًا في الخطاب، هو عدم الخضوع للعبة الأمم التي تصوِّر الهيمنة قدرًا لا فكاك منه. فقد أكّد انتصار عام 2000 أنّ التغيير ضدًّا من إرادة المركز الأحادي ممكن، وليس منّة من الحَكَم غير النزيه (الولايات المتّحدة الأميركيّة) (بنت جبيل 26 أيار 2000) ولا من مجلس الأمن الذي “لا يعرف إلا الكيل بالمكيال الأميركي الإسرائيلي” (14 شباط 1993)، فيما “تُمنع إدانة إسرائيل” فيه (3 تشرين الثاني 2023)، والرهان على الأنظمة العربية يقع في الوهم نفسه، فهي وسيطٌ في خدمة مركز الهيمنة ومشاريعه للسيطرة. هو نفسه دور “الكومبرادور” عند بول باران وسمير أمين وغيرهما، لكنه عند السيد نصر الله وكيل (كومبرادور) سياسيّ هدفه تمكين المهيمن من السيطرة، قبل أن يُنهى دوره.
المواجهة
والهيمنة بمنطِقِهِ فعلُ فاعل، يمكن إخضاع القائمين بها للمحاسبة والمُساءلة، والتصدي لهم بأفعالٍ مضادّة ومراكمة النتائج الناجمة عن المقاومة. فيما يراها آخرون في اليسار العالمي أثرًا تلقائيًّا لمنظومة متماسكة ولا يمكن التصدّي لها إلّا بتفكيك تلك المنظومة كاملة وبحركة شاملة. ومع أنّ النظام العالمي الجديد برأي السيد هو قانون قوة لا شرعية، في عالم لا يفهم إلا بالقوة ولا قيمة للإنسان فيه إلّا “بمقدار ما يكون قويًّا” (25 أيلول 1995)، فإنّه يشكّك في دوام القوّة، وقدّر مبكرًا، أنّ النظام الدولي “يتجه أكثر نحو نظام متعدد الأطراف والأقطاب” ما يصبّ “في مصلحة العرب والمسلمين وكلّ المستضعفين” (حوار مع العربي القاهرية، 23 حزيران 1995). وفي العموم يُظهِر الأمين العام الشهيد نظرة متفائلة بالمستقبل، ويخالف بالخصوص التشاؤم النظري عند بعض المدارس المناهضة للهيمنة، فالبنية برأيه قابلة للخرق ثمّ الكسر إن لم يكن اليوم فغدًا، وإن لم يكن في هذا المكان ففي غيره، ولبنان خيرُ دليل، التحرير في عام 2000 والانتصار في عام 2006 (22 أيلول 2006).
وإذا كان فكّ الارتباط عند مدرسة التبعيّة يتحقّق من خلال برنامج دولة (فرانك، أمين)، فإنّه عند السيد نصر الله فعل أمّة وحركة مجتمع يقظ وعمل سياسي، ومقاومة لا يقرّ لها قرار إلّا بقيام دولة تتولّى وظائفها. وبذلك تكون الدولة، في مواجهة الاحتلال والتحرّر والتخلّص من التبعيّة، نتيجة وغاية لا شرطًا مُسبقًا.
وليس بعيدًا من ذلك كانت الإضافة التي قدّمتها المقاومة في لبنان، وهي “مأسسة” التصدّي للهيمنة. لا تُردّ التبعيّة بالمواقف والأفكار والسياسة وحدها، بل بأطر منظّمة تجسّد ذلك على أرض الواقع، فتقف إلى جانب الناس في يوميّاتهم وتحرّرهم في الوقت نفسه من الارتهان للخارج. وحين كان يحضّر كلمته في تأبين الحاج حسين الشامي، أحد مؤسّسي جمعيّة القرض الحسن، سألني، بحكم الاختصاص، عمّا يمكن فعله للجم انهيار الليرة. فاستمع إلى رأيي وأورد شيئًا منه في كلمته (22 آذار 2023)، وجدّد موقفه من أنّ الجمعية مثالٌ يجب تكراره لا التحريض عليه. لكنّه ذهب أبعد من ذلك، فربط المسألة بسياقها الأوسع: كسر الأحاديّة في خيارات البلد بالتوجّه شرقًا. فهذا التوجّه وتجربة القرض الحسن وجهان لغاية واحدة، هي الحدّ من تحكّم الخارج بالقرار الاقتصادي والمالي، إمّا بمؤسّسة ماليّة تعمل بنجاح خارج قبضة عقوباته، وإمّا بتنويع الخيارات الاقتصاديّة للدولة.
وفي الذكرى الثلاثين لانطلاقة المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق (19 كانون الثاني 2023)، رسم ملامح الهيمنة في طورها الراهن وثوبها الجديد، وسمّاها “النسخة الثالثة من المشروع الأميركي”. وفي هذه النسخة انتقل “التركيز” إلى “ضغوط اقتصادية ومعيشية وحصار على الشعوب”. حصارٌ لا “يحتاج إلى مجيء سفن حربية مقابل السواحل اللبنانية”، بل يتحقّق بمنع المساعدات والودائع والاستثمارات، وبـ”شروط تعجيزية” يفرضها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. أمّا الغاية فألّا تقوم “دولة قوية ولو وقّعت معاهدة سلام مع “إسرائيل”، إذ “يجب على الجميع أن يبقى ضعيفًا ومحتاجًا”، وأن تظلّ الشعوب “تركض وراء الخبز”، ولا وقت لديها “للموضوع الاستراتيجي”. وفي هذه العبارات تتكثّف أطروحة المركز والأطراف، حيث “السيادة والجرأة في اتخاذ القرار” من “شروط النهوض الاقتصادي”، والخبز جزء من السياسات العليا.
والاستقلال عند الأمين العام الشهيد لا يتحقّق بالمقاومة العسكريّة وحدها، بل من خلال بديل شامل في مواجهة خطر شامل. ولا يجدي في تحقيقه إدارة الظهر لدول الهيمنة، ولا الانفصال السلبي عن منظومتها، بل يحتاج إلى فعل إيجابي تمثّله المقاومة بكل أبعادها: العسكرية في منع العدوان ومعاقبة مرتكبيه، والاقتصادية في الإنتاج والاعتماد على الذات، والثقافية في نشر وعي مضاد للاستغلال. وجاء إعلانه الجهاد الزراعي والصناعي في 7 تموز 2020 ردًّا على حصارٍ غايته تثبيت تبعيّة صُنعت في الداخل عبر سياسات التسعينيات التي صُمّمت بدفع غربيّ وحظيت برعايته. ويمكن النظر إلى هذا الإعلان على أنّه فكّ ارتباطٍ، بالمعنى الحرفي، بفكرة الارتهان لدول الهيمنة، لا بمطلق العلاقة معها. فـ”عندما نأكل ما نزرع ونلبس مما نصنع حينئذٍ نحن شعبٌ جديرٌ بالسيادة والحرّية والاستقلال والكرامة”.
وبناءً عليه، تتلاقى قراءة الأمين العام الشهيد للهيمنة مع التحليل البنيوي للمدارس المعاصرة المناهضة لها، لكنّها تتجاوزها في أربعة أمور. أوّلها أنّ الهيمنة لديه هي مشروع سيطرة شامل يستغلّ المجتمعات المغلوبة سياسيًّا واجتماعيًّا، ولا يكتفي باستخراج فائضها الاقتصادي، وثانيها أنّ الاستغلال العالمي يجري بأفعال وقرارات وسياسات من القائمين عليه، يقابلها عجزُ الخاضعين له. ولأنّه ليس قدرًا ناتجًا من سيرورة نظام الهيمنة، يمكن مناوأته والوقوف في وجهه دون انتظار نقض المنظومة بأكملها. وثالثها أنّه يمكن اتخاذ مسافة نسبيّة من دول الهيمنة من دون الاضطرار إلى القطيعة الشاملة معها، وهذه المسافة ترسمها المقاومة بكلّ أبعادها، وصولًا إلى قيام الدولة بصفتها ناتج التحرّر لا ممهّدة له. ويظلّل كلّ ذلك فارقٌ جوهريّ رابع يمثّله الأساس القيمي والأخلاقي والروحي الذي يسبغ على رؤيته صفتي الوضوح والفرادة، والنظرة الموحّدة للإنسان بما فيه رفض التفريق بين الناس، حتى طبقيًّا، والتمسّك بأنّ أمّة المستضعفين واحدة.
لقد أضاف خطاب السيد نصرالله سطورًا إلى رسالة التحرّر العالمي، ويلتقي معها في أنّ رفض الهزيمة النفسيّة شرطٌ لكسر الهيمنة. أمّا تقاطعه الأعمق فمع لاهوت التحرير، الذي رأى فيه الفاتيكان اقتباسًا ماركسيًّا في اللاهوت المسيحي. فكلاهما نظر إلى الدين على أنّه قوّة لمقاومة الأمر الواقع لا أداةً لتبريره، ورأى أنّ الخلاص والعدالة يتحقّقان في التاريخ (الانتظار الإيجابي عند الأول، و”الخيار التفضيلي للفقراء” عند الثاني) لا في اليوم الآخر فقط.
في لقاءيْنا الأخيرين معه (عامي 2022 و2023) سألناه عن الموقف من الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلد، كأنّنا نقول: أين موقع ذلك من مشروع المقاومة الأوسع؟ فجاءت إجابته واضحة في ما عدّده من أولويّات: حفظ المقاومة واحتضان مجتمعها المحروم تاريخيًّا، ووحدة اللبنانيّين وتنمية بلدهم وانتظام عمل الدولة، واتحاد المسلمين في المنطقة في وجه الأخطار الخارجيّة المُحدِقة بهم. كان يشير من طرف خفيّ إلى أنّ معركتنا مع الاحتلال والهيمنة طويلة، وأنّ علينا خوضها بأثمان تستطيع الأمّة تحمّلها وتتقدّم في أثنائها.
بدا واثقًا من النصر في أفق تاريخيّ تحدّده الوقائع والأيام. وهنا تبرز ملامح نموذجه التحرّري، الثابت في معارك الكرّ والفرّ مع العدو، والقائم على حفظ استقرار المجتمع مع تثوير العوامل الحاكمة لسيرورته. إنّه نموذج الحزم الاستراتيجيّ في المبادئ والحقوق، والمرونة التكتيكيّة في شروط المعركة وظروفها، ولا سيّما ما تعلّق منها بحماية الناس وتخفيف الألم عنهم. وبذلك تحمل المقاومة، وفق قراءات هذا الكتاب، إمكانيّة الجمع بين “أخلاق الاعتقاد” و”أخلاق المسؤوليّة”، وهي أيضًا أداة حماية لا تقتصر على الأرض والإنسان، بل تصون إمكان السياسة نفسه، المتعذّر في ظلّ الركون إلى الطغيان.
العهد
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




