اضغط للاستماع إلى عنوان الخبر ونصّه. صوت مولّد بالذكاء الاصطناعي.
مجلة “Responsible Statecraft” الأميركية تنشر مقالاً يتناول تصاعد الدعوات داخل إيران للانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، في ظل الحرب والضغوط الاقتصادية وعودة العقوبات الأممية، وتدهور العلاقات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية بتصرف:
بينما ركّزت وسائل الإعلام اهتمامها على الصراع في مضيق هرمز والنقاشات في الجمعية العامة للأمم المتحدة في الشهر الماضي، لم dحظَ بعض التطورات الداخلية في إيران باهتمام كبير. ففي الـ 28 من أيلول/سبتمبر الماضي، نشر 32 محافظاً إيرانياً رسالة مفتوحة تدعو إيران إلى الانسحاب العاجل من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
ومنذ العودة المفاجئة لعقوبات الأمم المتحدة على إيران في السنة الماضية، دفع المشرّعون الإيرانيون المتشددون بانتظام باتجاه الانسحاب من تلك المعاهدة، التي التزمت بموجبها الغالبية العظمى من الدول بعدم تطوير أسلحة نووية.
وكان مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان الإيراني) قد صاغ قانوناً كان من المفترض أن يمهّد لهذه الخطوة في العام الماضي، لكنه لم يمضِ قدماً آنذاك. ومؤخراً، قدّم بعض النواب تشريعاً جديداً “ثلاثي الاستعجال” إلى رئيس المجلس محمد باقر قاليباف، الذي يشغل حالياً منصب المفاوض الرئيسي لإيران.
هذه الدعوات المستمرة من المحافظين للانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي لم تسفر بعد عن انسحاب فعلي، بسبب غياب الإجماع السياسي. فقد ظلّت إيران في المعاهدة رغم الحرب، والضغوط الاقتصادية غير المسبوقة، وعودة العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة. لكن هل لا يزال استمرار عضويتها في المعاهدة ميزةً لإيران؟
الخلفية
منذ نحو أسبوعين، نشر 32 إيرانياً بارزاً، خدم معظمهم في إدارات رسمية، بياناً يفيد بأنّ العضوية في المعاهدة لم تعد تخدم المصالح الإيرانية. وطلبوا من الرئيس مسعود بزيشكيان والمجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يشرف على القضايا الرئيسية المتعلقة بالأمن والسياسة الخارجية، وقف جميع أشكال التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بموجب المعاهدة، وبدء عملية الانسحاب فوراً.
بالطبع، فإنّ قانوناً يطالب بالانسحاب من معاهدة عدم الانتشار لن يجبر السلطة التنفيذية، بمفرده، على اتخاذ القرار. ومع ذلك، فإنّ مجلس الأمن القومي هو الذي يقرر في أيّ مسألة يعتبرها حاسمة لمصلحة البلاد، ولا سيما تلك المتعلقة بالملف النووي.
ينتمي الموقّعون على الرسالة المفتوحة إلى المعسكر المحافظ، الذي عارض تاريخياً المفاوضات مع الولايات المتحدة وأدان اتفاق عام 2015. ومنذ عام 2022، وفي ظل الجمود في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، ضغط معظم المحافظين علناً باتجاه الخروج من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ومن بينهم سعيد جليلي، الذي قاد فريق التفاوض النووي في البلاد من عام 2007 إلى عام 2013، وترشّح للرئاسة في عام 2024، إضافة إلى عضو البرلمان حامد رساي من المعسكر المحافظ.
كذلك، كان بعض الشخصيات في المعسكر “المعتدل”، المكوّن من إصلاحيين ووسطيين دعموا تقليدياً التفاوض والتطبيع مع الغرب، قد غيّر رأيه بعد الحرب على إيران، ومن بينهم الصحافي علي نازاري المعروف باعتداله. فهو لا يكتفي الآن بالمطالبة بالانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي، بل يدعم علناً تطوير سلاح نووي.
الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار كورقة ضغط تفاوضية
بالطبع، لطالما استخدمت النخبة السياسية الإيرانية التهديد بالانسحاب من معاهدة عدم الانتشار كورقة ضغط في المفاوضات مع الغرب، بغضّ النظر عن المعسكر السياسي الذي انتمى إليه المفاوضون. فمثلاً، وفقاً لمذكراته، هدّد الرئيس السابق حسن روحاني، الداعم المتحمّس للمفاوضات مع الغرب، بالانسحاب من المعاهدة في أثناء تولّيه منصب أمين مجلس الأمن القومي في عام 2005، وقد جاء تهديده في حال صوّت مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية على إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن. لكنّ إيران لم تنفّذ هذا التهديد فعلياً عندما أحال المجلس الملف في العام التالي.
ما الذي تغيّر؟
ومع ذلك، فإنّ السياق الحالي يختلف عن الوضع قبل الحرب. وبينما كانت فكرة الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار مقتصرةً لفترة طويلة على النواب المحافظين، يشير بعض التصريحات الأخيرة لأمين المجلس الوطني القومي، محسن رضائي، إلى تطوّر معيّن. ففي منشور على موقع “إكس”، عقب اعتماد الوكالة الدولية للطاقة الذرية مؤخراً القرار “2026/61″، اتّهم محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، الوكالة بتسييس القضية النووية الإيرانية، محذّراً من أنّ مثل هذه الإجراءات قد تدفع دولاً إلى الخروج من معاهدة عدم الانتشار.
لكنّ هذا القرار، الذي كرّر المخاوف بشأن التعاون المحدود بين إيران والوكالة، لم يُدخل أيّ عناصر جديدة مقارنةً بالقرار السابق. وهذا ما يشير إلى أنّ رضائي استخدمه كذريعة للإشارة إلى موقف جديد. وبينما يمكن فهم هذا التعليق كجزء من استراتيجية إيران التفاوضية مع الولايات المتحدة، لم يسبق لأيّ وزير سابق في المجلس الوطني الاستراتيجي أن أطلق مثل هذا التهديد.
ونظراً إلى الدور الحاسم الذي تؤدّيه اللجنة الوطنية للطاقة النووية في صنع السياسات النووية، يجب بالضرورة التعامل مع هذا التهديد على محمل الجد. كما تشير محطات سابقة إلى احتمال حدوث تقارب في وجهات النظر بين مجلس الشورى (البرلمان)، الذي يهيمن عليه المحافظون المتشددون، والمجلس الأعلى للأمن القومي. فقد ظهر مثل هذا التوافق قبيل تعليق المفاوضات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في أيلول/سبتمبر 2025. ويبقى السؤال: هل يمكن أن يحدث تقارب مماثل بين الهيئتين بشأن إمكانية الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي؟
مغادرة المعاهدة أم صنع القنبلة؟
ينبغي عدم الخلط بين مغادرة معاهدة عدم الانتشار النووي وتطوير سلاح نووي. ففي مقابلة تلفزيونية مؤخراً، أكّد محسن رضائي التزامه بالفتوى التي أصدرها المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي عام 1995، والتي تحظر صنع أسلحة الدمار الشامل. ويبدو أنّ رضائي يفضّل حلاً دبلوماسياً للنزاع، ويرى أنّ على واشنطن قبول شروط إيران لإنهاء الحرب. وخلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي، اقترحت إيران إنهاء الأعمال العدائية على جميع الجبهات، ورفع تجميد الأصول الإيرانية، ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، تماشياً مع مذكرة التفاهم التي اتفق عليها الطرفان في حزيران/يونيو الماضي، والتي رفضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
من الصعب تقييم ما إذا كان تهديد رضائي الأخير بالانسحاب يشير إلى نية حازمة لتنفيذه، أم أنّه مناورة ضمن تاريخ طويل من المناورات. وفيما يتعلق بالفتوى، قد يجادل البعض بأنّ قوتها المعيارية قد ضعفت بالفعل، لأنّ الموقف النووي الإيراني الجديد، الذي صيغ في عام 2024، كسر المحظور بتجاوز الخط الأحمر اللفظي الذي كان يمنع حتى ذكر السلاح النووي في الخطاب الرسمي.
تدهور العلاقات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية
يجدر التأكيد أنّ علاقات إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية تدهورت بشكل كبير. فقد تصاعد غضب طهران من مديرها العام، رافائيل غروسي، بشكل كبير. وهي تحمّله جزئياً مسؤولية الحرب التي استمرت 12 يوماً ضدها، وتلوم الوكالة أيضاً على فشلها في إدانة “إسرائيل” والولايات المتحدة صراحةً لمهاجمتهما المواقع النووية الإيرانية. إضافةً إلى ذلك، فإنّ ظهور القرار “2026/61” والاستبعاد الفعلي للمسؤول النووي الإيراني محمد إسلامي من المؤتمر العام الـ99 للوكالة الدولية للطاقة الذرية في الشهر الماضي، عزّزا الرأي القائل بأنّ الوكالة أصبحت مسيّسة.
ما الذي يمنع إيران من مغادرة معاهدة عدم الانتشار النووي؟
لا يزال اعتماد إيران دبلوماسياً على روسيا والصين العقبة الرئيسية أمام مغادرة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. فمنذ خروج الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة في عام 2018، ضاعفت طهران تعاونها مع القوتين الشرقيتين، ومنذ ذلك الحين، استحوذت الصين على معظم صادرات النفط الإيرانية. وفي النقاشات الداخلية، تُعتبر التأثيرات السلبية المحتملة للانسحاب من المعاهدة على العلاقات مع روسيا والصين عاملاً مهماً بوضوح.
ومع ذلك، يمكن تفسير تصريحات رضائي على أنّها تحذير لموسكو وبيجين، بهدف دفعهما إلى استخدام حق النقض “الفيتو” ضد أيّ إجراءات إضافية مناهضة لإيران في مجلس الأمن الدولي. وفي إيران، لا يزال النقاش حول احتمال الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار غير محسوم. فمعظم الإصلاحيين والوسطيين لا يزالون يعارضون الفكرة، ولم يتوصّل المجلس الأعلى للأمن القومي بعد إلى توافق بشأن القضية. في المقابل، سيُظهر قرار قاليباف الوشيك بشأن ما إذا كان سيمضي قدماً في قانون الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار، الديناميكيات السياسية، حتى لو لم يحدّد إجراءات إيران المستقبلية.
نقله إلى العربية: حسين قطايا-الميادين
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




