كتبت صحيفة “الديار”: كل الحراك الدبلوماسي في بيروت لا يزال دون مستوى تغيير الوقائع او خلق مناخات جديدة يمكن الركون اليها لفهم طبيعة المرحلة المقبلة، المحطات المهمة والرئيسية تبقى بعيدا عن الساحة اللبنانية العالقة في دوامة المراوحة الضاغطة داخليا، والقاتلة جنوبا، بانتظار مآلات ملفات المنطقة الساخنة من مضيق باب المندب الى هرمز وصولا الى الاستحقاق الانتخابي في «اسرائيل» والولايات المتحدة. هكذا حضرت اوروبا عبر مسؤولة السياسة الخارجية كيا كالاس ومعها التعبير عن القلق من فراغ ما بعد «اليونيفيل» لا الحلول المتعثرة بفعل «الفيتو» الاميركي- الاسرائيلي. ويذهب لبنان الرسمي الى مفاوضات «تامبا» العسكرية على وقع تسريبات تشير الى المزيد من التشدد الاسرائيلي الذي يهدد النتائج المطلوبة.
اما واشنطن فاعادت الى الواجهة تفعيل الحرب المالية ضد حزب الله في «كباش» سيسجل فيه حزب الله ربحا صافيا خلال ايام مع البدء في تفعيل ملف دفع مستحقات الإيواء على الرغم من الصخب الاميركي حول هذا الملف والتشكيك في قدرات الحزب المالية. اما الدولة فتبدو مكبلة بالشروط الاميركية المعقدة لتسييل مساعدات اعادة الاعمار، تحاول بما تيسر معالجة الانهيار الاقتصادي بخطوات خجولة لا ترتقي الى حجم الازمة، في ظل ارتفاع أسعار المحروقات، وغياب امكانية تصحيح عادل بالأجور، ولهذا اكتفى رئيس الحكومة نواف سلام بالحديث عن الرقابة على الأسعار والمولدات، بالتزامن مع خطوات مالية جديدة في ملف استرداد الأموال والودائع اتخذها مصرف لبنان.
شروط اسرائيلية متشددة
وفيما بات محسوما ان عودة المفاوضات السياسية معلقة على نتائج الانتخابات الاسرائيلية، فان الاجتماع العسكري في فلوريدا «تامبا» لم تدعُ اليه واشنطن رسميا حتى مساء امس، اما نتائجه اذا عقد، فلا تزال مبهمة ، في ظل تقارير اميركية عن طلب الخارجية من «سنتكوم» اعداد آلية تحقق جديدة في المناطق التجريبية لعرضها على الوفدين اللبناني والاسرائيلي.
في المقابل استبقت «اسرائيل» اللقاء المفترض بالمزيد من التشدد،.ووفق مصادر دبلوماسية فان حكومة الاحتلال تصر على موقفها باعتبار انتشار الجيش اللبناني في الجنوب خطوة غير كافية، وستطالب خلال الاجتماع بتنفيذ عمليات ميدانية فعلية تضمن «نزع سلاح» حزب الله، وتفكيك كافة المخازن العسكرية التابعة له في كامل الأراضي اللبنانية دون الاكتفاء بالمنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني!.
الحرب المالية
وفي سياق آخر، توقفت مصادر سياسية بارزة امام تشكيك المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية تومي بيغوت في المعلومات التي تحدثت عن تلقي حزب الله 200مليون دولار مؤخرا من ايران، وقوله ان لدى حزب الله كل الأسباب لترويج روايات من هذا النوع عبر مصادر مجهولة. يمكنه أن يدّعي ما يشاء، لكن الأموال غير موجودة». وتشديده أنه «في ظل إدارة ترامب، لن يتمكّن حزب الله أبداً من التعافي أو إعادة بناء بنيته التحتية». ووفق تلك الاوساط، فان الايام القليلة المقبلة ستشهد تطورات محرجة للاميركيين الذين تسرعوا في تكذيب الخبر الذي لم يصدر عن حزب الله اصلا، لكن الحزب انهى اللمسات الاخيرة على خطة ستعلن في الأيام المقبلة، لتوزيع الأموال التي جرى توفيرها، لدفع مبلغ مبدئي يغطي 6 اشهر لكل عائلة بدل ايواء، ويبدو انه سيتم تثبيت مبلغ 500 دولار شهريا وستكون الأولوية للعائلات التي دُمرت قراها، وعدد هذه العائلات يقارب 50 ألفا. وسيتم الاعلان عن التفاصيل خلال مؤتمر صحافي يعقده رئيس المجلس التنفيذي الشيخ علي دعموش.
واشنطن والتعامل مع الدولة !
وفي هذا الاطار، ترى تلك الاوساط ان واشنطن تساهم مجددا في اضعاف موقف الدولة اللبنانية التي تراهن على التفاوض المباشر دون ان تقدم الادارة الاميركية على اي خطوة تساعد في الضغط على «اسرائيل» لتنفيذ بنود «اتفاق الاطار»، يضاف الى ذلك استمرار الموقف المتشدد من تقديم مساعدات مالية للدولة لتنفيذ مشاريع انمائية في الجنوب او الضاحية وكامل المناطق المتضررة من الحرب. اما اكتفاء الادارة الاميركية بالتركيز على الضغط على الدولة واتهامها بعدم تحقيق اي تقدم في ملف حصر السلاح، والادعاء بنجاح سياسة الخنق المالي على حزب الله، فيكشف سوء ادارة الملف اللبناني اميركيا،فالاموال تبدو متوفرة لدى الحزب، والامين العام الشيخ نعيم قاسم قدم التزاما علنيا بصرفها.
تعقيدات الخزانة الاميركية
ووفق مصادر مطلعة على الاجواء في السراي الحكومي، فان المشكلة تكمن في تعقيدات اميركية على مسار تقديم المساعدات يبطئ جهود الدولة بالقيام بواجباتها فالخزانة الاميركية تريد اعتماد آلية تتبع للأموال تبدأ من الجهة المانحة وتصل إلى المقاول المنفذ، وتشمل الإفصاح عن المالك المستفيد للشركات وحساباتها المصرفية والمتعاقدين الفرعيين. ويشدد الاميركيون على منع استخدام جهات مرتبطة بحزب الله في أعمال إزالة الركام والبناء والنقل وشراء المواد، اي وضع «فيتو» على غالبية المقاولين العاملين في المناطق الشيعية، ويتطلب الامر تدقيقا بالجهات الموردة والمستفيدين النهائيين لفحص مسبق يتعلق بالملكية والعلاقات المالية والأسماء المدرجة على قوائم العقوبات.وفي هذا السياق، فان المساعدة الطارئة بقيمة 250 مليون دولار من البنك الدولي مقيدة في اطار ضيق لا يصل الى المواطنين مباشرة بل يستخدم باغلبيته لاصلاح البنية التحتية والمباني الحكومية. كما تربط الإدارة الأميركية مراحل اعادة الإعمار بتوسع سلطة الدولة وانتشار الجيش في المناطق التي تنتقل إليها المسؤولية الأمنية وفق «اتفاق الاطار»، وفي الوقت نفسه لا تعمل واشنطن على اجبار «اسرائيل» على تنفيذ ما عليها.
الفراغ في الجنوب!
وفي ملف «اليونيفيل»، تحرك الاتحاد الأوروبي عبر مسؤولة السياسة الخارجية كايا كالاس التي جالت على المسؤولين اللبنانيين، مجددة رغبة دول الاتحاد تمديد ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان،مع قرب انتهاء مهامها أواخر العام الحالي، وابلغت لبنان عن نية اوروبا تشكيل بعثة مدنية عسكرية للانتشار في الجنوب. ووفق مصادر دبلوماسية فان الدول الأوروبية تخشى الفراغ الأمني،وتبدو قلقة على دورها المتآكل في لبنان، في ظل الاصرار الاميركي- الاسرائيلي على تغييبها ميدانيا بعد اخراجها دبلوماسيا. ووفق تلك الاوساط، ثمة الكثير من علامات الاستفهام حول طبيعة البعثة الأوروبية بعد ان طرأ امر جديد يحتاج الى الكثير من الترقب، بعد ان ابلغت الحكومة الإسرائيلية أعضاء مجلس الأمن الدولي، برفضها القاطع والنهائي للإبقاء على القوات الدولية في الجنوب وفق صيغتها الحالية، اي انها تضغط في الربع الساعة الاخير لتغيير قواعد عملها، عبر توسيع مهامها لتشمل تدخلها المباشر ضد اي تحرك عسكري «معادي» في الجنوب، اي وضع القوات الاوروبية في مواجهة حزب الله تحت البند السابع، وهو امر يرفضه الأوروبيون الذين تواصلوا مع الايرانيين خلال الساعات القليلة الماضية لمحاولة التوصل الى صيغة وسطية تسمح لهم بالبقاء تحت عنوان مساعدة الدولة على بسط شرعيتها دون القيام بمهام تنفيذية منفردة…لكن هذه الصيغة الفضفاضة تحمل في طياتها الكثير من الغموض الذي قد يضع هذه القوى أمام اختبارات صعبة في الجنوب. لهذا لم تحسم الامور بعد وتتعاظم المخاوف من فراغ أمني تستفيد منه «اسرائيل» بتغييب الشاهد الدولي.
المصدر: الوكالة الوطنية للإعلام
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




