إذاً… وكما خلصنا سابقاً انّ التباين الأميركي ـ “الإسرائيلي”، لا يعني وجود خلاف استراتيجي على الهدف النهائي، بقدر ما يعكس اختلافاً في الوسيلة والتوقيت وحدود المخاطرة، وعليه فإنّ التطور الأخطر في المشهد اللبناني هو انتقال هذا التباين من المستوى الإقليمي إلى الداخل اللبناني.
وبخصوص السيناريو الثالث «إدارة التراجع» بدلاً من محاولة منعه: إذا افترضنا أنّ موازين القوى الحالية لا تسمح للمقاومة بالعودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب، فإنّ السؤال الاستراتيجي لا يعود متعلقاً فقط بكيفية منع التغيير، بل بكيفية إدارته وحماية أكبر قدر ممكن من المصالح والمكتسبات في ظلّ الظروف الراهنة.
الفكرة هنا ليست الاعتراف بالضربة القوية التي تلقتها، بل إدراك أنّ الاستراتيجية الناجحة لا تُقاس فقط بقدرتها على منع الخصم من تحقيق أهدافه، وإنما أيضاً بقدرتها على حماية ما يمكن الحفاظ عليه عندما تتغيّر البيئة الاستراتيجية.
قد لا تستطيع المقاومة منع حصرية الدولة للسلاح إلى الأبد، لكنها تستطيع، في المقابل، التأثير في توقيت هذه العملية وشروطها وآلياتها، وفي شكل الدولة الأمنية المقبلة، وموقعها السياسي بعد العملية، وعلاقة الجيش بالمقاومة، ومستقبل الجنوب، والضمانات تجاه “إسرائيل”.
أيّ أنّ الانتقال يصبح من محاولة منع التغيير إلى محاولة إدارة شروطه.
وهنا تكمن ربما أهمّ نقطة في الحساب الاستراتيجي: قد تخسر المقاومة جزءاً من قوتها العسكرية، لكنها تستطيع الاحتفاظ بتأثيرها إذا نجحت في تحويل قوتها الاجتماعية والانتخابية والمؤسساتية إلى رأس مال سياسي.
لكن هذا الخيار يحمل مخاطر واضحة. فأكبرها أن يُقرأ داخلياً باعتباره تراجعاً غير معلن. كما أنّ خصوم الحزب قد لا يكتفون بإعادة السلاح إلى الدولة، بل قد يطالبون بتفكيك شبكته السياسية والاجتماعية والأمنية بصورة أوسع.
وعندها تصبح المعركة الحقيقية ليست على الصواريخ وحدها، وإنما على مستقبل المقاومة داخل النظام اللبناني.
أين يقع الخيار الأكثر ذكاءً؟
المشكلة في النقاش اللبناني الحالي أنه يتعامل مع هذه السيناريوات وكأنّ على الحزب أن يختار واحداً منها بالكامل.
لكن المقاربة الأكثر واقعية قد تقوم على تركيب ثلاثة مستويات متوازية: المستوى الأول: الحفاظ على الردع ما دام الاحتلال والتهديد العسكري قائماً.
المستوى الثاني: فتح باب تفاوض لبناني حول استراتيجية دفاع وطنية، من دون القبول بأن يكون نزع السلاح مقدمة مجانية لأي شيء آخر.
المستوى الثالث: إعادة تموضع الحزب سياسياً داخل الدولة، بحيث يصبح حضوره أقوى وأكثر فاعلية داخل المؤسسات الرسمية.
والجدير بالذكر أنّ واشنطن مستعدة للنظر في صيغة سياسية تحافظ على سلطة الدولة اللبنانية وتفتح المجال أمام إعادة بناء مؤسساتها ولا مشكلة لديها بأن يكون الحزب جزء منها، بينما قد تكون “إسرائيل” أكثر اهتماماً بالنتيجة الميدانية المباشرة: منع الحزب من العودة إلى الجنوب، سواء تحقق ذلك عبر السلطة اللبنانية أم عبر ترتيبات أمنية إسرائيلية.
في المقابل، إنّ استمرار الضغط على الحزب من دون معالجة مسألة الوجود الإسرائيلي قد ينتج نتيجة عكسية: قد يصبح الحزب أضعف عسكرياً، لكن السلطة اللبنانية نفسها تصبح أضعف سيادياً فليس كلّ ما يضعف الحزب يقوّي السلطة.
وهذه ربما إحدى أهمّ النقاط التي ينبغي أن ينتبه إليها الحزب وخصومه معاً.
المعادلة اليوم: حزب الله هو حزب سياسي أكبر تأثيراً في الداخل اللبناني، مستنداً إلى شعبية وقدرات وتنظيم وانضباط، بالتوازي مع حركة مقاومة أصبحت صلاحياتها وهوامش حركتها أكثر محدودية.
وهذا يعني أنّ الحزب يستطيع الاحتفاظ بقدرة عسكرية، لكنه لا يستطيع تجاهل الدولة.
ويستطيع رفض الإملاءات الأميركية، لكنه لا يستطيع تجاهل موقع واشنطن في إعادة تشكيل البيئة الدولية للبنان.
ويستطيع رفض الشروط الإسرائيلية، لكنه لا يستطيع تجاهل محاولة إسرائيل تثبيت وقائع ميدانية جديدة.
ويستطيع الحفاظ على قواعده الشعبية، لكنه لا يستطيع تجاهل أنّ استمرار الحرب يضع هذه البيئة نفسها أمام كلفة بشرية واقتصادية هائلة.
لذلك، فإنّ المعركة المقبلة لن تكون بالضرورة معركة «من ينتصر عسكرياً؟»، بل معركة حول سؤال أكثر عمقاً:من ينجح في تحويل ميزان القوة الحالي إلى نظام سياسي قابل للحياة؟
إنّ المخرج الأكثر قابلية للحياة لا يكمن في استسلام الحزب، ولا في استمرار الحرب إلى ما لا نهاية، بل في إعادة تعريف موقع المقاومة داخل الدولة.
أيّ الانتقال من سؤال: “هل يبقى سلاح الحزب أم لا؟”
إلى السؤال الأكثر أهمية:“كيف تُبنى دولة لبنانية تستطيع أن تمنع الحرب، وتردع الاعتداء، وتحمي حدودها، وتتفاوض باسم جميع اللبنانيين، بحيث يصبح وجود مقاومة مسلحة غير ضروري “.
أما إذا أصرّ الجميع على اختزال الأزمة في عملية نزع سلاح ميكانيكية، فهناك خطر أن يخسر لبنان الطرفين معاً: يتراجع الحزب من دون أن تصبح الدولة أقوى، وتنسحب “إسرائيل” جزئياً من دون أن تُحسم مسألة السيادة، وتبقى واشنطن صاحبة التأثير الأكبر في تحديد شروط التسوية.
إنها معركة على من يكتب النظام اللبناني الذي سيأتي بعد هذه الحرب.
بعد التطورات الجديدة التي طرأت مؤخراً على المنطقة، أصبحت حظوظ السيناريو الرابع والخامس ضئيلة، بل شبه منعدمة، لذلك أتوقف الى ما خلصت إليه في هذا المقال…
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




