●𝕏▶✈⌕
موقع صدى الضاحية
موقع صدى الضاحيةموقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم
البث المباشر
عاجل
موقع صدى الضاحيةقصف مدفعي صهيوني يستهدف المناطق الشرقية لمدينة غزةموقع صدى الضاحيةالمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان: "إسرائيل" تحوّل غزة إلى أكبر "غيتو" في التاريخ الحديث بعد حشر 2.2 مليون فلسطيني في نحو 30% من مساحة القطاع وسط حصار ودمار واسعموقع صدى الضاحيةمدفعية العدو تستهدف أطراف بلدة زوطر الشرقيةموقع صدى الضاحيةالحجار استقبل طليس وأكد مواصلة ضبط مخالفات النقل البري والعمالة غير الشرعية في القطاعموقع صدى الضاحيةفلسطين المحتلة| غارة "إسرائيلية" مُعادية على مخيم النصيرات وسط قطاع غزّةموقع صدى الضاحيةاليمن| استشهاد 3 نساء ورجل مسن وإصابة ثلاثة آخرين بغارة جوية للطيران الحربي السعودي المُعادي على منزل في مديرية المعافر في محافظة تعزموقع صدى الضاحية"الوكالة الوطنية": العدو نفذ عملية تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه أطراف بلدة حداثا في قضاء بنت جبيلموقع صدى الضاحية"الوكالة الوطنية": مدفعية العدو "الإسرائيلي" استهدفت المنطقة الواقعة شمال مدرسة المبرات في بلدة الخيامموقع صدى الضاحيةقصف مدفعي صهيوني يستهدف المناطق الشرقية لمدينة غزةموقع صدى الضاحيةالمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان: "إسرائيل" تحوّل غزة إلى أكبر "غيتو" في التاريخ الحديث بعد حشر 2.2 مليون فلسطيني في نحو 30% من مساحة القطاع وسط حصار ودمار واسعموقع صدى الضاحيةمدفعية العدو تستهدف أطراف بلدة زوطر الشرقيةموقع صدى الضاحيةالحجار استقبل طليس وأكد مواصلة ضبط مخالفات النقل البري والعمالة غير الشرعية في القطاعموقع صدى الضاحيةفلسطين المحتلة| غارة "إسرائيلية" مُعادية على مخيم النصيرات وسط قطاع غزّةموقع صدى الضاحيةاليمن| استشهاد 3 نساء ورجل مسن وإصابة ثلاثة آخرين بغارة جوية للطيران الحربي السعودي المُعادي على منزل في مديرية المعافر في محافظة تعزموقع صدى الضاحية"الوكالة الوطنية": العدو نفذ عملية تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه أطراف بلدة حداثا في قضاء بنت جبيلموقع صدى الضاحية"الوكالة الوطنية": مدفعية العدو "الإسرائيلي" استهدفت المنطقة الواقعة شمال مدرسة المبرات في بلدة الخيام

ثلاثة عقود من بناء المقاومة… هل تأثرت المقاومة بغياب السيد نصر الله؟

28/09/2026 · موقع صدى الضاحية
ثلاثة عقود من بناء المقاومة... هل تأثرت المقاومة بغياب السيد نصر الله؟

في الذكرى الثانية لاستشهاد السيد حسن نصر الله، لا تبدو المسألة مجرد مناسبة لاستعادة سيرة قائد رحل في واحدة من أكثر العمليات العسكرية والاستخبارية تعقيدًا في تاريخ الصراع مع “إسرائيل”. السؤال الحقيقي الذي تفرضه الذكرى هو: أين كانت المقاومة عندما تسلَّم السيد حسن نصر الله قيادتها في العام ١٩٩٢؟ وأين أصبحت يوم استشهاده؟ وأين تقف اليوم بعد عامين على غيابه؟

كما أن هناك السؤال الأكثر إيلامًا وإثارة للجدل: لو بقي السيد حسن نصر الله حيًا، هل كان مسار الحرب في لبنان سيتغير؟

لا يمكن لأحد أن يقدم جوابًا يقينيًا عن سؤال افتراضي كهذا، لكن يمكن قراءة شخصيته القيادية وطريقة إدارته للحروب والأزمات، ثم إسقاطها على ما حدث بعد غيابه. كما أن الأكيد أن لبنان لم يخسر في ٢٧ أيلول ٢٠٢٤ أمينًا عامًا لحزب سياسي ومقاوم فحسب، أيضًا خسر شخصية صنعت، على مدى أكثر من ثلاثة عقود، جزءًا أساسيًا من تاريخ الصراع العربي-ـ “الإسرائيلي” الحديث.

من قيادة مقاومة محاصرة إلى بناء قوة إقليمية

عندما تسلَّم السيد حسن نصر الله قيادة حزب الله، في العام ١٩٩٢، بعد اغتيال السيد عباس الموسوي، لم تكن المقاومة التي ورثها هي القوة التي عرفها العالم بعد العام ٢٠٠٠. لقد كانت “إسرائيل” تحتل أجزاء واسعة من الجنوب اللبناني، وكانت المقاومة تعتمد بصورة أساسية على حرب الاستنزاف والكمائن والعمليات المحدودة، فيما كان الحزب يخوض في الوقت نفسه معركة تثبيت موقعه داخل الحياة السياسية اللبنانية.. من هنا؛ بدأت واحدة من أهم مراحل التحول.

السيد حسن نصر الله لم ينظر إلى المقاومة على أنها بندقية فقط. لقد فهم منذ البداية أن البندقية تحتاج إلى مجتمع يحميها، وإلى تنظيم قادر على الصمود وخطاب سياسي وإعلامي وقدرة على التفاوض، وإلى بنية اجتماعية تستطيع تحمّل كلفة الحرب.

هكذا بدأ بناء منظومة متكاملة: مقاومة في الجنوب، وحضور سياسي في بيروت، ومؤسسات اجتماعية وخدماتية وشبكة إعلامية وتنظيم داخلي شديد التماسك. تشير دراسات غربية إلى أن السيد حسن نصر الله قاد الحزب لأكثر من ثلاثة عقود، وأشرف على تحوله إلى قوة سياسية وعسكرية ذات نفوذ إقليمي واسع. كما وصفه محللون بأنه كان يمتلك مزيجًا نادرًا من القدرة الخطابية والمهارة التنظيمية والرؤية السياسية.

أيار ٢٠٠٠… عندما سقطت صورة الجيش الذي لا يُهزم

بعغد ذلك جاءت اللحظة التي غيَّرت صورة المنطقة كلها: الاندحار “الإسرائيلي” من جنوب لبنان، في العام ٢٠٠٠… ثمانية عشر عامًا من الاحتلال قد انتهت. من الصعب فصل هذا الانسحاب عن سنوات الاستنزاف التي خاضتها المقاومة ضد الجيش “الإسرائيلي” داخل الجنوب اللبناني. حتى إن بعض الدراسات الغربية، والتي لا تنطلق من رؤية مؤيدة لحزب الله، تقر بأن استنزاف “إسرائيل” كان عاملًا أساسيًا في قرار الاندحار.

لكن الأهم أن السيد حسن نصر الله لم يتعامل مع الاندحار على أنه نهاية المهمة. كان يعرف أن خروج الجيش “الإسرائيلي” من الأرض لا يعني انتهاء الصراع .. من هنا؛ بدأ بناء مرحلة جديدة: مرحلة الردع؛ فالمقاومة التي كان هدفها تحرير الأرض أصبحت أمام مهمة منع “إسرائيل” من التفكير في العودة إليها، أو فرض شروطها على لبنان بالنار.

حرب تموز… حين دخل السيد حسن نصر الله التاريخ العسكري والسياسي

في العام ٢٠٠٦ جاءت الحرب الكبرى. لم تكن حرب كمائن محدودة، ولا عملية عسكرية قصيرة. كانت مواجهة مفتوحة بين “إسرائيل” وحزب الله استمرت 33 يومًا، استخدمت فيها “إسرائيل” قوتها الجوية والتدميرية على نطاق واسع، فيما واصل الحزب إطلاق الصواريخ والقتال البري.

خرج لبنان من الحرب مثقلًا بالدمار والخسائر، لكن المقاومة لم تُسحق؛ لا بل إن “إسرائيل” استنجدت قطر لوقف الحرب لتعترف بالهزيمة على لسان لجنة فينوغراد. هنا؛ ظهر جانب آخر من شخصية السيد حسن نصر الله، وهو إدارة الحرب من موقع القائد الذي يعرف قيمة الصورة بقدر ما ما يعرف قيمة الميدان.

لقد كان خطابه جزءًا من المعركة.. كان يعرف متى يتحدث، وماذا يقول، ومتى يصمت.. كان يعرف أن الحرب ليست فقط في الجنوب، الحرب أيضًا في عقل الخصم وفي معنويات الجمهور وفي الصورة التي ستبقى بعد انتهاء القصف. لهذا تحولت خطاباته، خلال الحروب والأزمات، إلى جزء من الحرب النفسية والسياسية نفسها.

لم يكن الإعلام عند السيد حسن نصر الله مجرد منبر لإعلان المواقف.. لقد كان سلاحًا استراتيجيًا. الرجل الذي عرف كيف يخاطب جمهوره وخصمه في آن..واحدة من أكثر الصفات التي ميزت السيد حسن نصر الله كانت قدرته الاستثنائية على الخطابة. كان يستطيع أن يخاطب جمهورًا واسعًا بلغة دينية وعاطفية، لكنه في الوقت نفسه كان يخاطب “إسرائيل” وجيشها ومؤسساتها الأمنية والعسكرية.

كانت خطاباته تُقرأ في “إسرائيل” كما تُقرأ في لبنان. الدليل أن وسائل الإعلام ومراكز الدراسات “الإسرائيلية” كانت تتابع خطاباته وتفكك عباراته، وتبحث عن الإشارات التي تحملها عن نوايا الحزب وقدراته.

هذه ليست مسألة انطباعية، فالدراسات الغربية نفسها تصف السيد حسن نصر الله بأنه كان صاحب قدرة خطابية استثنائية، وتأثيره تجاوز حدود بيئته الحزبية إلى السياسة اللبنانية والإقليمية.

لقد كان يعرف أن الكلمة يمكن أن تكون طلقة، والصمت يمكن أن يكون رسالة، والظهور في اللحظة المناسبة يمكن أن يغيِّر مزاج ملايين الناس. هذا ما جعل اغتياله بالنسبة إلى إسرائيل يتجاوز استهدافه شخصيًا.. لقد كان استهدافًا لمركز ثقل معنوي وسياسي وعسكري.

لكن الحديث عن السيد حسن نصر الله لا يكتمل إذا اختُزل في صورة الرجل الصلب على شاشة التلفزيون. من الصفات التي التصقت بشخصيته، في شهادات مؤيديه ومعارفه ومتابعيه: التواضع والقرب من الناس والهدوء خارج لحظات المواجهة والقدرة على الاستماع والابتعاد عن مظاهر الترف والسلطة.. لقد كانت علاقته بعائلته وبمقاتليه جزءًا من الصورة التي قدمها عن نفسه.

لعل أكثر الوقائع دلالة على ذلك استشهاد نجله السيد هادي نصر الله، في مواجهة “إسرائيل” في العام ١٩٩٧، وهو في الثامنة عشرة من عمره. تلك الواقعة كانت فاصلة في صورة السيد حسن نصر الله عند أنصاره ، فالرجل الذي كان يطلب من الآخرين تقديم التضحيات قدَّم ابنه أيضًا.

تشير دراسة لمجلس العلاقات الخارجية إلى أن استشهاد السيد هادي كان من الوقائع التي عززت صورة السيد نصر الله قائدًا لم يفصل نفسه عن التضحيات التي تحملها بيئته ومقاتلوه.

في ذلك، تحديدًا، كانت إحدى نقاط قوته. لم يكن يتحدث عن الشهادة من برج بعيد عن النار. كان يعرف معنى أن يفقد الإنسان ابنًا.

سوريا… المرحلة التي نقلت المقاومة إلى مستوى آخر

بعد العام ٢٠١١، دخل حزب الله الحرب ضد التكفيريين. هذه المرحلة كانت من أكثر مراحل تجربة السيد نصر الله إثارة للجدل، لكنها عسكريًا أكسبت الحزب خبرات جديدة في حرب المدن والعمليات البرية والاستطلاع واستخدام الطائرات المسيَّرة والقتال ضمن تشكيلات أكبر من نموذج حرب العصابات التقليدية.

هكذا دخل الحزب حرب ٧ تشرين الأول ٢٠٢٣، هو ليس الحزب نفسه الذي خاض حرب تموز ٢٠٠٦..كان قد أصبح أكثر خبرة وتنظيمًا وقدرة على العمل في ساحات مختلفة.. هنا يظهر حجم المسار الذي قطعه السيد نصر الله منذ العام ١٩٩٢.

بعد عملية ٧ تشرين الأول ٢٠٢٣، فتح حزب الله جبهة الجنوب، معلنًا أن ذلك يأتي دعمًا لقطاع غزة. دخل السيد حسن نصر الله في مرحلة شديدة الحساسية؛ فهو من جهة كان يريد إبقاء الجبهة اللبنانية ضمن حدود معينة، ومن جهة أخرى كان يدرك أن استمرار الحرب في غزة سيضغط باتجاه توسيع المواجهة.

في خطاباته، خلال تلك المرحلة، ظهرت بوضوح محاولة إدارة معادلة دقيقة: رفع كلفة الحرب على “إسرائيل” من دون الانجرار، في التوقيت الذي لم يكن يريده، إلى حرب شاملة.. ثم تغير كل شيء في أيلول ٢٠٢٤.. تفجيرات أجهزة الاتصال، ثم استهداف القيادات، ثم الغارات المكثفة، وصولًا إلى استهداف السيد نصر الله نفسه. وفي ٢٧ أيلول ٢٠٢٤، انتهى فصل كامل من تاريخ المقاومة.

تؤكد مصادر دولية أن اغتيال السيد نصر الله شكّل ضربة شديدة للحزب، ليس فقط بسبب موقعه، أيضًا بسبب الدور المركزي الذي أداه في توحيد القيادة السياسية والعسكرية والتنظيمية على مدى ٣٢ عامًا..لماذا كان اغتيال السيد حسن نصر الله بهذه الأهمية إلى “إسرائيل”؟ لأن “إسرائيل” لم تكن تستهدف رجلًا عاديًا.

كانت تعرف أن السيد حسن نصر الله هو أكثر من أمين عام. لقد كان المرجعية التي تتقاطع عندها السياسة والعسكر والإعلام والتفاوض. كان يمتلك شبكة علاقات إقليمية تراكمت في عشرات السنين. كان يعرف القيادة “الإسرائيلية” كما يعرف قادة “إسرائيليون” خصمهم.. لهذا؛ يمكن فهم حجم العملية التي سبقت اغتياله: استهداف منظومة القيادة والاتصالات والقدرات العليا بصورة متزامنة.

لقد رأى مجلس العلاقات الخارجية الأميركي أن مقتله كان ضربة شديدة القسوة للحزب بسبب المكانة الفريدة التي احتلها، مشيرًا إلى أن خسارته جاءت بعد سلسلة من عمليات استهداف القيادات العليا.

“إسرائيل” قتلت الرجل… لكنها لم تستطع أن تمحو التجربة. وهنا يجب الفصل بين أمرين. يمكن لـ”إسرائيل” أن تقتل قائدًا.. يمكنها أن تدمر مبنى.. يمكنها أن تضرب مخازن ومراكز قيادة.. لكنها لا تستطيع أن تمحو ثلاثة عقود من الخبرة التنظيمية والعسكرية والسياسية بضربة واحدة. هذا ما أثبتته الأحداث التالية.

بعد اغتيال السيد حسن نصر الله، تولت قيادة الحزب، وعلى رأسها الشيخ نعيم قاسم الأمين العام الجديد للحزب، مرحلة جديدة، واستمر التنظيم على الرغم من الضربة الهائلة التي تلقاها.

لكن ذلك لا يعني أن شيئًا لم يتغير. لقد فقد الحزب قائدًا يصعب تعويضه. وهذا ليس توصيفًا عاطفيًا فقط، حتى خصوم الحزب ومراكز الدراسات الغربية تحدثوا عن فرادة موقع السيد حسن نصر الله داخل التنظيم، وعن صعوبة إيجاد شخصية تملك المزيج نفسه من الكاريزما والسلطة والخبرة السياسية والعسكرية.

هذه ربما أهم مقارنة يمكن أن تقدمها الذكرى:

1. في العام ١٩٩٢، كانت المقاومة قوة تقاتل احتلالًا “إسرائيليًا” في مساحة جغرافية محدودة. 2. في العام ٢٠٠٠، أصبحت القوة التي ارتبط اسمها باندحار “إسرائيل” من جنوب لبنان. 3. في العام ٢٠٠٦، خاضت حربًا واسعة وأثبتت قدرتها على الصمود أمام جيش يمتلك تفوقًا جويًا هائلًا، وطبعت في تاريخ الحروب مقبرة الدبابات في وادي الحجير. بعد ذلك، دخلت ساحات إقليمية واكتسبت خبرات عسكرية جديدة 4.

في العام ٢٠٢٤، دخلت مواجهة هي الأكثر قسوة في تاريخها الحديث، وتعرضت فيها لعملية استهداف ممنهجة لقيادتها وبنيتها العسكرية والاتصالية.

تاليًا؛ المقاومة التي تركها السيد حسن نصر الله لم تكن هي المقاومة التي استلمها في العام ١٩٩٢. لكن المقاومة التي بقيت بعد اغتياله أيضًا ليست المقاومة التي تركها.

لقد تغيرت قواعد اللعبة، وتغيرت البيئة اللبنانية، وتغيرت المنطقة.. وتغيرت “إسرائيل” نفسها. لقد تحوَّل السؤال من كيفية مواجهة الاحتلال إلى سؤال أكثر تعقيدًا: ما مستقبل المقاومة في لبنان؟ وما موقع سلاحها؟ وكيف يمكنها إعادة بناء قدرتها في بيئة إقليمية ولبنانية مختلفة؟

هنا يجب أن نكون دقيقين. لا أحد يستطيع أن يثبت أن نتيجة الحرب كانت ستختلف حتمًا لو بقي السيد حسن نصر الله حيًا. لكن من الصعب أيضًا القول إن وجوده لم يكن ليؤثر في مسارها؛ فالسيد نصر الله كان صاحب خبرة تمتد لأكثر من ثلاثين عامًا في إدارة المواجهة مع “إسرائيل”.

كان يعرف طبيعة المؤسسة العسكرية “الإسرائيلية”، ويعرف أهمية الاستخبارات، ويعرف خطورة الحرب المفتوحة، ويعرف كيف يستخدم التفاوض والرسائل غير المباشرة بالتوازي مع العمل العسكري..

كانت لديه قدرة نادرة على اتخاذ القرار تحت الضغط وإقناع جمهوره به. لذلك يمكن القول إن بقاء السيد نصر الله كان من المرجح أن يؤثر في طريقة إدارة الحرب، وفي توقيت القرارات، وفي شكل التفاوض، وفي إدارة العلاقة بين الجبهة اللبنانية وبقية جبهات الإقليم.

لا يمكن الجزم بذلك؛ هل كان سيضمن نتيجة عسكرية مختلفة؟ أيضًا لا يمكن الجزم؛ فالضربة “الإسرائيلية”، في العام ٢٠٢٤، كانت نتاج منظومة استخبارية وتكنولوجية وجوية وعسكرية ضخمة، وليست نتيجة غياب قائد واحد فقط.

لكن وجود السيد حسن نصر الله كان سيعني شيئًا بالغ الأهمية: أن الرجل الذي أمضى ٣٢عامًا في قراءة “إسرائيل” كان لا يزال موجودًا داخل غرفة القرار عندما بدأت حربها الأكثر شراسة على المقاومة. هذا وحده كان يمكن أن يصنع فرقًا كبيرة في التفاصيل.

السيد حسن نصر الله… الرجل الذي بقي حاضرًا بعد غيابه

قد تكون المفارقة الأكبر، في ذكراه الثانية، أن السيد حسن نصر الله، على الرغم من غيابه، لا يزال حاضرًا في كل نقاش عن المقاومة. في “إسرائيل”، يُستعاد اسمه عند الحديث عن أخطر خصومها خلال العقود الأخيرة.

في لبنان، يُستعاد عند الحديث عن الحرب والمقاومة والسلاح والسيادة، وفي المنطقة، يُستعاد عند الحديث عن التحولات التي شهدها محور المقاومة.. وفي الذاكرة الشعبية لأنصاره، لا يُستعاد فقط كونه أمينًا عامًا أو قائدًا عسكريً، أيضًا بصفته رجلًا عاش حياته في قلب مشروعه، وفقد ابنه في الميدان، وظل يخاطب الناس من موقع القائد الذي يعرف أن الكلمة مسؤولية، وأن القرار العسكري يعني أرواحًا وبيوتًا وبلادًا.

عامان على الغياب… والامتحان مستمر

اليوم، بعد عامين، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: هل انتهت المقاومة باغتيال السيد حسن نصر الله؟ الوقائع لا تقول ذلك. كما لا ينبغي في المقابل أن يكون السؤال: هل تأثرت المقاومة باغتياله؟ لوقائع تقول العكس.

لقد تعرض الحزب لضربة قيادية وعسكرية واستخبارية هائلة، وتغيرت قدراته وبيئته وظروف عمله. لكن التاريخ لا يُكتب بالضربة الأولى. المقاومة، إذا أرادت أن تبقى، أمامها الآن أصعب مرحلة في تاريخها: أن تعيد بناء قدراتها، وتتعامل مع واقع لبناني جديد، وأن تحدد علاقتها بالدولة، وتحافظ على قرارها من دون أن تنزلق إلى اقتتال داخلي، وتعيد صياغة دورها في مرحلة لم تعد تشبه مرحلة السيد حسن نصر الله.

تحديًدا، هنا، يكمن السؤال الذي سيحدد مستقبلها. ليس: هل يستطيع أحد أن يكون السيد حسن نصر الله؟ فالرجال لا يُستنسخون.. إنما: هل تستطيع المقاومة أن تحافظ على عناصر القوة التي بناها السيد حسن نصر الله، وتتعلم من نقاط الضعف التي كشفتها حرب ٢٠٢٤، وأن تخرج الى مرحلة إعادة البناء؟ ذلك هو الامتحان.

أما السيد حسن نصر الله، فقد ترك وراءه مسيرة امتدت من العام ١٩٩٢ إلى العام ٢٠٢٤ ، من مقاومة محدودة الإمكانات تقاتل احتلالًا في الجنوب، إلى قوة باتت “إسرائيل” نفسها تبني جزءًا كبيرًا من حساباتها الأمنية والعسكرية على أساس مواجهتها. لقد حاولت “إسرائيل” أن تجعل من اغتياله نهاية قصة.

لكن التاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك.. قد تقتل الطائرات قائدًا، وقد تهدم المقر، وقد تسقط الراية من فوق المبنى، لكن ما لا تستطيع الطائرات أن تفعله هو اغتيال الذاكرة. والذكرى الثانية لاستشهاد السيد حسن نصر الله ليست فقط ذكرى رجل غاب.. إنها وقفة أمام ثلاثة عقود من تاريخ المقاومة، بكل ما فيها من انتصارات وخسائر، ومن قرارات صائبة وخاطئة، ومن قوة وضعف، ومن دم ودمار وصمود.

إذا كان من حق السيد حسن نصر الله أن يُذكر بصفته قائدًا للمقاومة، فإن من حقه أيضًا أن يُذكر بصفته رجلًا امتلك كاريزما نادرة وبلاغة استثنائية وقدرة على إدارة أصعب الأزمات ودماثة أخلاق وتواضعًا جعلا صورته عند محبيه تتجاوز صورة السياسي والعسكري إلى صورة القائد الذي عاش ومات في قلب مشروعه.

أما خصومه، وفي مقدمتهم “إسرائيل”، فقد اختاروا أن يواجهوا هذه الشخصية بالاغتيال. هذه وحدها تقول الكثير عن طبيعة الصراع. لكن السؤال الذي بقي بعد الاغتيال، وسيبقى لسنوات طويلة، ليس كيف استطاعت “إسرائيل” استشهاد السيد حسن نصر الله.

السؤال الأهم هو: لماذا احتاجت “إسرائيل”، بكل ما تملكه من تفوق جوي واستخباري وتكنولوجي، إلى اغتيال رجل واحد بعد أن أمضت أكثر من ثلاثة عقود في محاولة إسقاط المشروع الذي قاده؟

هنا؛ بالضبط؛ تبدأ قصة السيد حسن نصر الله، ولا تنتهي.

العميد منير شحادة

تابعنا عبر Google اجعل صدى الضاحية مصدرك المفضّل على Google

اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.

لتثبيت التطبيق على iPhone: اضغط مشاركة ثم إضافة إلى الشاشة الرئيسية.