يستحضر أداء السلطة اللبنانية في مجالات الحكم كافة، ولا سيما في تطبيق مندرجات السيادة في الساحتين الداخلية والخارجية، نماذج تاريخية تدفع إلى المقارنة الموضوعية، ليس من قبيل استدراج حقبة زمنية كشاهد تاريخي، بل لالتقاط شيفرة المنظومة التي تسكن ذهنية الحاكم وتدفعه للاختيار بين نهج المواجهة أو نهج الاستسلام، مع ما يستتبع كل قرار من مسوّغات تبرّر له خلفيات هذا القرار وأهدافه ومآلاته على مصير الوطن والشعب والاستقلال.
وعندما يُطرح التوازي بين تجارب تاريخية قاسية، كحكومة فيشي الفرنسية عام ١٩٤٠، وبين الأدوار التي تؤديها السلطة السياسية اللبنانية والحكومة في تعاملها مع “الإكراهات” الميدانية والضغوط الخارجية، فلا بد من تجاوز المماثلة السطحية إلى استكشاف البنية التأسيسية، والسلوك السياسي، والخطاب الإعلامي، والإجراءات الميدانية بحق الوطنيين والمقاومين بالدرجة الأولى.
وفي ظل التطورات الميدانية والسياسية الراهنة، وقرارات السلطة ضد المقاومة وبيئتها، وصولاً إلى التصريحات الفاضحة لمسؤولي الاحتلال، وفي مقدّمتهم رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو الذي شكر الحكومة اللبنانية لمنحها الاحتلال المسوّغات والغطاء للبقاء في لبنان، يتقاطع النموذج البشع لحكومة فيشي مع الواقع السياسي اللبناني الراهن، ويكشف الحدود الفاصلة بين “التعاون والمهادنة مع المحتل” وبين “إدارة الأزمات في دولة مأزومة”، مع ما يتركه ذلك من تداعيات ميدانية وسياسية على جبهة المواجهة وفي قلبها جنوب لبنان .
بين الانقلاب على الجمهورية واستحقاقات التسوية
نشأت حكومة “فيشي” عقب انهيار عسكري خاطف ودراماتيكي أمام قوات ألمانيا النازية في حزيران ١٩٤٠، ما أدّى إلى سقوط باريس وسط حالة من الذهول والضياع السياسي. وفي ١٠ تموز اجتمع البرلمان الفرنسي في مدينة “فيشي” وصوت بأغلبية ساحقة على منح المارشال فيليب بيتان صلاحيات كاملة لتعديل الدستور.
لم تكن هذه الخطوة مجرد تغيير حكومي، بل كانت إلغاءً عملياً للجمهورية الثالثة وإقامة لنظام استبدادي يقتسم السلطة مع قوة احتلال غاشمة، واستمد بيتان مشروعيته من هيبته التاريخية كـ “بطل معركة فردان” في الحرب العالمية الأولى، واستغل حالة الهلع القومي ليفرض مساراً يقوم على اعتبار الاستسلام والتنازل عن السيادة الوطنية الخيار الوحيد لتفادي المحو التام لفرنسا.
في المقابل لبنانياً جاءت ظروف تشكيل السلطة اللبنانية الحالية في ظل تعقيدات خاصة سياسية وعسكرية أفضت إلى انتخاب جوزف عون رئيساً وتشكيل الحكومة برئاسة نواف سلام، وأسهمت في ذلك توافقات داخلية وضغوطات إقليمية ودولية، وتوسّم اللبنانيون خيراً في العناوين الكبيرة التي تضمّنها كلٌّ من خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري، ولكن سرعان ما انقلبت السلطة على هذه التوافقات وتبدّت الوظيفة الحقيقية التي تؤديها في ظل العدوان الصهيوني المتمادي بحق لبنان وشعبه وجيشه، وانزلقت نحو إعادة إنتاج مسار فيشي؛ فعوضاً عن الاستناد إلى عناصر القوة الوطنية والتلاحم مع الشعب والمقاومة لفرض الانسحاب الكامل للعدو، خضعت السلطة للمعادلات الخارجية (الأمريكية)، واستسلمت لمنطق “واقعية الانكسار” التي تسوّغ تقديم التنازلات السياسية والعسكرية للمعتدي بذريعة حماية ما تبقى من الكيان.
خدعة الخطاب.. ونتنياهو كشف المستور
لطالما شكّلت اللغة السياسية والإعلامية المرآة التي تعكس عقيدة الحكم لأي سلطة، خصوصاً في أوقات الأزمات الكبرى، وهنا تظهر التحوّلات الخطيرة في الخطاب اللبناني الرسمي مقارنة بالتجربة الفيشية.
فقد اتسم الخطاب الإعلامي والسياسي لحكومة فيشي بالتحوّل الكامل نحو تبني مقولات ما سمّي “الثورة الوطنية”، والتي ألغت شعارات الثورة الفرنسية التاريخية (حرية، أخوة، مساواة) واستبدلتها بشعار (عمل، ثقافة، وطن)، وعلى الصعيد الخارجي والسيادي، كان الخطاب الفيشي يروج لضرورة التكيف مع “النظام الأوروبي الجديد” الذي تقوده ألمانيا النازية.
قدمت سلطة بيتان الاستسلام وتوقيع الهدنة على أنهما “فعل حكمة وتضحية”، فيما وسمت المقاومين وحركات التحرّر بصفات الشغب والجريمة والإرهاب، وشُحذت الآلة الإعلامية لفيشي لتسويغ تسليم الثروات والموارد لخدمة المجهود الحربي الألماني.
على الضفة اللبنانية، تجاوز الخطاب السياسي والإعلامي الرسمي حدود الحذر التكتيكي ليقع في محظور الشبهة الوطنية، فبينما يكتفي المسؤولون بإصدار بيانات إدانة خجولة أمام مجازر الاحتلال التي يندى لها الجبين، وتدميره للقرى والبنى التحتية، تخرج تصريحات العدو لتفضح المستور وتعري طبيعة الموقف الرسمي، وأكثر المواقف وقاحة جاء من رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو حين وجه الشكر المباشر للحكومة اللبنانية – موجهاً لها الائتمان على منح جيش الاحتلال البقاء في لبنان وإفشال الضغط الإيراني والدبلوماسي المطالب بالانسحاب الفوري – ما يشكّل علامة فارقة في تقييم هذه السلطة.
هذا الشكر الإسرائيلي ليس مناورة إعلامية، بل إقراراً بواقع سياسي رفضت فيه الحكومة اللبنانية المذكرات والمواقف الإقليمية والدولية الصلبة (وفي مقدمتها الموقف الإيراني) التي أصرّت على وجوب ربط أي اتفاق بانسحاب العدو الكامل والشامل من الأراضي اللبنانية!! وبدلاً من أن تتمسك السلطة بهذا المطلب السيادي، قدمت تغطية سياسية وميدانية أتاحت للمحتل التمدّد والبقاء والتدمير، مفشلة بذلك أوراق الضغط الدفاعية والمقاومة.
دروس من الحرب العالمية الثانية
تبيّن التجارب التاريخية كيف تتحالف القوى السياسية ضد الأخطار الوجودية، وكيف ينتكس هذا المفهوم لدى السلطات المهادنة، فخلال الحرب العالمية الثانية، وتحديداً في حزيران ١٩٤١، رأى رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل أن خطر ألمانيا هتلر يشكل تهديداً وجودياً للبشرية وللأمة البريطانية، وعلى الرغم من اختلافه الأيديولوجي والفكري العميق مع الاتحاد السوفياتي وزعيمه جوزيف ستالين، لم يتردد تشرشل في إقامة تحالف إستراتيجي معه، معلناً مقولته الشهيرة: “لو غزا أدولف هتلر جهنم، فسأكون إلى جانب الشيطان في مجلس العموم”.
كان المعيار هنا: التكاتف مع أي قوة، بغض النظر عن عقيدتها، لإسقاط الخطر الوجودي الأكبر المتمثل بالنظام النازي.
وفي المقابل، يقدم المشهد السياسي اللبناني صورة معكوسة ومأساوية لهذا المنطق الإستراتيجي، فبدلاً من أن تتحالف السلطة السياسية والحكومة مع القوى الوطنية والإقليمية الحية – وفي مقدمتها المقاومة والجمهورية الإسلامية الإيرانية الداعمة لها، والتي تمثّل أشرف ظاهرة مواجهة ومقاومة للعدوان الإسرائيلي في تاريخ الصراع العربي – الصهيوني – اختارت السلطة التعاطي مع الطرف الراعي للعدوان، واعتمدت سياسات تُضعف الجبهة الداخلية!! ورفضت هذه السلطة ما عدّته “اشتراطات” سياسية ودبلوماسية صلبة ومدافعة عن السيادة، واستبدلتها بتسهيل شروط العدو ومباركته ضمنياً، وهو ما يضعها في خانة السلوك الفيشي الذي يتحالف مع الخطر الوجودي الحقيقي ضد المقاومين من أبناء الوطن وحلفائهم الصادقين.
أين السلطة من جنوب لبنان!؟
تتجلّى المقارنة الأشد خطورة في طبيعة السلوك العملي والقرارات المتخذة بحق المقاومة ومجاهديها وشعبها، وكذلك في الآثار الميدانية لهذا السلوك على الأرض. فإذا عدنا لحكومة فيشي وجدنا أنها سخّرت جهازاً أمنياً ميليشياوياً خاصاً يُدعى “الميليشيا الفرنسية” لمطاردة المقاومين (الماكي) في الجبال والمدن واغتيالهم بالتنسيق المباشر مع “الغستابو” النازي، وعمدت إلى سحب الجنسية من شارل ديغول وصنّفت كل من يحمل السلاح ضد الاحتلال النازي خائناً وخارجاً عن القانون، ووضعت إمكانيات الدولة الإدارية والأمنية لخدمة المحتل.
أما في النموذج اللبناني، فعلى الرغم من أن السلطة اللبنانية لا تملك آلة بطش علنية كالميليشيا الفيشية بسبب التوازنات المجتمعية، فإن إجراءاتها وقراراتها السياسية والأمنية تسير في اتجاه مشابه من حيث النتيجة، حيث اتخذت السلطة سلسلة من القرارات السياسية والأمنية الموجهة ضد سلاح المقاومة وحركتها، مستجيبة للضغوط الغربية والإملاءات الإسرائيلية تحت شعار “حصرية السلاح”، وفي توقيت يخوض فيه المقاومون مواجهة وجودية ضد العدوان. كما أدى تهاون السلطة مع المواقف الحازمة التي تطالب بالانسحاب، وقبولها بالخضوع للشروط الإسرائيلية، إلى ترك الجنوب اللبناني فريسة ينهش بها الصهاينة بالقصف والتدمير والتهجير الممنهج لأهله وشعبه. وبدلاً من أن تُسخّر السلطة القنوات الرسمية والإمكانيات الوطنية لدعم صمود الأهالي والمقاومين في جبل عامل، اكتفت ببيانات إدانة مفرغة من أي مضمون عملي، مجيزةً عملياً للمحتل البقاء وتدمير القرى وحرق الأخضر واليابس.
السلطة أمام مسؤولية التاريخ
إن مقارنة البنية السياسية والإجرائية للسلطة اللبنانية مع حكومة فيشي تظهر أن التاريخ يعيد نفسه بأشكال مختلفة ولكن بالنوايا والنتائج ذاتها، فكلاهما (فيشي والسلطة اللبنانية) انطلقا من منطق يرى في المقاومة “عبئاً” أو “سبباً للاعتداء”، وأن الاستسلام والمهادنة مع العدو هما الطريق للحفاظ على هيكل الدولة والشكل السياسي، فكانت النتيجة ضياع السيادة وتحول الدولة إلى خادم لأهداف الاحتلال.
ووصل الأمر إلى حد شرعنة وجود الاحتلال ولا سيّما في الإذعان لخوض مفاوضات مباشرة مع العدو بخلاف إرادة اللبنانيين، وما شهادة نتنياهو وشكره للحكومة اللبنانية إلا دليل ساطع على أن هذه السلطة لم تكن محايدة أو “عاجزة” فقط، بل كانت شريكاً سلبياً أتاح للعدو البقاء والتأثير، وأجهضت المحاولات الإقليمية (الايرانية) التي اشترطت الانسحاب الناجز وشحذ أدوات الضغط.
إن التحالف الإستراتيجي الذي أقامه تشرشل مع ستالين يُسقط كل الذرائع الأيديولوجية والسياسية التي تتردد في أروقة السلطة اللبنانية للتهرّب من دعم المقاومة وحلفائها، والواجب الوطني والأخلاقي يفرض الوقوف مع من يدفع العدوان ويكسر المحتل، لا الطعن في ظهره وتسهيل مهمة العدو.
إن ما جرى ويجري بحق أهلنا وشعبنا في جبل عامل وفي كل شبر من لبنان يضع هؤلاء الحكام الذين يُفترض أنهم أولياء الأمر والمؤتمنون على الدستور والسيادة في موقع المساءلة التاريخية والشعبية والقانونية، فقد تحالفوا بقراراتهم وسكوتهم وتسهيلاتهم مع الخطر الوجودي ضد شعبهم وأهلهم، وسجل التاريخ صفحة جديدة من صفحات “السياسات الفيشية” التي تمنح الاحتلال غطاء البقاء فيما يدفع الشعب وأرض الوطن ثمن هذا التواطؤ دماً ودماراً وتشريداً.
محمد الحسيني ـ العهد
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




