ثبّت تطبيق صدى الضاحية
لتصلك آخر الأخبار بسرعة وسهولة
هرمز.. حين تتحوّل الجغرافيا إلى قوة.
ثمة أحداث لا تنتهي بانطفاء حرائقها، لأنها تظل تعمل في التاريخ كآلة لإنتاج الحروب. وكانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 واحدة منها؛ إذ منحت واشنطن فرصة لإعادة بناء العالم على قاعدة استثنائية: أن الولايات المتحدة وحدها تملك حق تعريف الخطر، وتحديد العدو، واختيار زمان الحرب ومكانها.
وبعد ربع قرن، وبينما تُقرأ أسماء الضحايا في نيويورك، يرتسم في مضيق هرمز مشهد يعيد طرح السؤال بصورة معكوسة: هل تبقى أميركا صاحبة الحق المنفرد في إطلاق الضربة وتحديد قواعد الحرب، أم يستطيع خصومها انتزاع المبادرة، وفرض كلفة مباشرة على أساطيلها وقواعدها واقتصادها؟
ولا تستلزم هذه القراءة التسليم بالرواية الأميركية الرسمية، أو التبني المطلق لرواية مضادة؛ فما يعنينا هو النتيجة السياسية الثابتة: أن واشنطن وظفت الحدث لصناعة شرعية دولية استثنائية، أطلقت تحت مظلتها حروبًا مفتوحة لا يزال العالم يدفع أثمانها.
حين أصبح الاستثناء عقيدة
بعد أسبوع من أحداث 11 سبتمبر، وقّع جورج بوش الابن تفويضًا باستخدام «كل القوة الضرورية والملائمة» ضد من يقرر أنهم خططوا للهجمات أو دعموها. ثم كرّست استراتيجية الأمن القومي عام 2002 الحرب الوقائية، وجعلت الاشتباه في خطر مستقبلي ذريعة لضربه قبل أن يصبح تهديدًا وشيكًا.
وهكذا تحوّل حدث دموي كان يفترض أن يقود إلى تحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين عنه إلى تفويض مفتوح؛ بدأت تحته الحرب في أفغانستان، ثم غُزي العراق بذرائع ثبت زيفها، واتسعت دوائر الاغتيال والطائرات المسيّرة والسجون السرية والمراقبة الإلكترونية.
ولم يبق النموذج أميركيًا خالصًا؛ فقد استعار الكيان الصهيوني توصيف 11 سبتمبر بعد عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لا للتعبير عن الصدمة وحدها، بل لاستدعاء الرخصة ذاتها: محو ما سبق الحدث، وإسقاط الاحتلال والحصار من الرواية، ثم استخدام الألم لتبرير حرب بلا حدود على غزة، امتدت نيرانها إلى لبنان وسوريا وإيران.
ومن هذه الزاوية، لا يبدو العدوان الأميركي–الصهيوني على إيران، الذي بدأ في 28 فبراير/شباط الماضي، قطيعة مع عالم 11 سبتمبر، بل امتدادًا لعقيدته: ادعاء وجود تهديد مستقبلي يبيح شن الحرب الآن، ولو كان الثمن إشعال المنطقة بأكملها.
المبادأة الإيرانية المحسوبة
لا تتمثل جدة التطور الأخير في مجرد استهداف المصالح والقواعد الأميركية، فقد وقع ذلك خلال جولات سابقة، وإنما في ارتقاء طهران من الرد على الضربة بعد وقوعها إلى «المبادأة المحسوبة»؛ باختيار هدف عسكري بالغ الحساسية، وتحديد توقيت الاشتباك، ورفع مستوى المخاطرة التي أصبحت مستعدة لتحمّلها.
فقد أعلن حرس الثورة استهداف حاملة طائرات ومدمّرة أميركيتين بصواريخ باليستية، مؤكدًا إصابتهما وإجبارهما على مغادرة منطقة الاشتباك. وأقرت القيادة المركزية الأميركية بتعرض القطعتين للاستهداف، لكنها نفت وقوع أضرار، قبل أن تعلن تعرض سفينة حربية أخرى لمحاولتي استهداف خلال يومين.
وبصرف النظر عن حرب المعلومات حول حجم الأضرار، فإن إدخال حاملة طائرات ومدمرة أميركيتين في بنك الأهداف يعني أن الأسطول الأميركي لم يعد منصة بعيدة تُطلق منها الحرب، بل أصبح جزءًا مباشرًا من ميدانها.
وهذه ليست مبادأة منفصلة عن عدوان مستمر؛ فطهران تعدّ الحصار والهجمات الأميركية فعلًا حربيًا متصلًا. الجديد أنها لم تعد تنتظر ضربة بعينها لتكررها، بل تختار موضع الضغط، وتتعامل مع القطع المشاركة في الحصار باعتبارها أهدافًا مشروعة.
وردت الولايات المتحدة بتدمير ثلاث ناقلات نفط إيرانية، ثم خمس ناقلات أخرى، في انتقال بالغ الخطورة من استهداف القدرات العسكرية إلى ضرب شرايين الاقتصاد الإيراني. وجاء الرد الإيراني باستهداف قاعدة الأزرق التي تستخدمها القوات الأميركية في الأردن، ومهاجمة سفن أميركية وناقلات حاولت عبور ما تصفه طهران بـ«المنطقة المحظورة وغير الآمنة» في مضيق هرمز.
وهكذا تجاوزت المواجهة تبادل الضربات إلى صراع على القدرة على الخنق الاقتصادي: واشنطن تريد منع النفط الإيراني من الخروج، فيما تسعى طهران إلى إثبات أن خنق صادراتها لن يتزامن مع عبور آمن ورخيص لنفط الآخرين.
هرمز.. حين تتحوّل الجغرافيا إلى قوة
لا تستطيع إيران مجاراة الولايات المتحدة في عدد حاملات الطائرات أو حجم القوة الجوية، لكنها تمتلك ما لا تصنعه الترسانات وحدها: الجغرافيا.
فمضيق هرمز، الذي كان يمر عبره قبل الحرب قرابة خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، يمنح طهران القدرة على تحويل تفاوت القوة العسكرية إلى نفوذ اقتصادي دولي. وكل صاروخ يُطلق قرب المضيق لا يقاس فقط بما يصيبه، بل بما يرفعه من أسعار التأمين والشحن والطاقة، وبما يضيفه إلى فاتورة المستهلك في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة.
وقد تجاوز خام برنت حاجز المئة دولار للبرميل، فيما تراجعت تدفقات النفط عبر المضيق بصورة حادة. وتريد واشنطن، في قلب هذه الأزمة، تحقيق هدفين متناقضين: خنق الصادرات الإيرانية، وضمان استمرار تدفق نفط بقية دول المنطقة. أما الاستراتيجية الإيرانية فتربط بين الهدفين: إذا لم يكن النفط الإيراني قادرًا على الخروج، فلن يكون مرور نفط الآخرين آمنًا ورخيصًا.
ولا يعني ذلك أن ورقة هرمز بلا ضوابط أو حسابات. فالولايات المتحدة تمتلك قدرة تدميرية هائلة، لكن القدرة على التدمير لا تساوي القدرة على الحسم، ولا تضمن حماية القواعد والممرات البحرية والحلفاء في وقت واحد. والمبادأة المحسوبة ليست إعلانًا متعجلًا للنصر، بل انتقالاً بإيران من موقع امتصاص الضربات إلى المشاركة في تحديد قواعد الاشتباك وتوزيع أثمانه.
أميركا التي لم تعد تصدق حروبها
تأتي المواجهة بينما يتسع التناقض بين المؤسسة العسكرية الأميركية والمجتمع الذي تموّل ضرائبه حروبها. فقد أظهر استطلاع حديث لـ«رويترز/إبسوس» أن 54 في المئة من الأميركيين يرون أن الحرب على إيران لم تكن جديرة بكلفتها، مقابل 25 في المئة فقط يعتقدون العكس. كما بات الأميركيون يخشون التطرف الداخلي أكثر من الإرهاب القادم من الخارج، وترى أغلبيتهم أن حربي أفغانستان والعراق لم تكونا جديرتين بأثمانهما.
وهنا تظهر المفارقة: دونالد ترامب، الذي صعد سياسيًا على وعد إنهاء «الحروب التي لا تنتهي»، أطلق حربًا جديدة لم ينجح في حسمها أو إنهائها، ويستقبل انتخابات التجديد النصفي بأسعار نفط تجاوزت الحاجز النفسي الأخطر، وبناخبين لا يرون أن الحرب تستحق كلفتها.
وتدرك طهران أن ردع واشنطن لا يشترط إغراق حاملة طائرات؛ فالمعادلة تتعلق بتراكم الكلفة، وامتداد زمن الحرب، وتبدد الوعد بالنصر السريع. وتؤكد الخبرة الأميركية، من فيتنام إلى الصومال، أن الخسائر قد تمنح الإدارة لحظة تعبئة أولى، لكنها حين تتراكم في حرب بلا نصر واضح تتحوّل إلى وقود للرفض الشعبي وضغط من أجل الانسحاب.
لذلك، لا يقوم الرهان الإيراني بالضرورة على ضربة استعراضية واحدة، بل على مراكمة ألم محسوب يقنع المجتمع الأميركي بأن استمرار الحرب أشد كلفة من التفاوض والخروج منها.
العرب بين القواعد والصواريخ
تتوقف فاعلية الاستراتيجية الإيرانية على حصر ضرباتها في الأصول العسكرية واللوجستية المشاركة في العدوان، وتحييد المدنيين العرب والبنى الاقتصادية التي لم تختر الحرب. لكن تحميل طهران وحدها مسؤولية انتقال النار يقلب السبب والنتيجة؛ فالمسؤولية الأولى تقع على القادة الذين حوّلوا أراضيهم وأجواءهم وقواعدهم إلى منصات للعدوان على دولة مجاورة، ثم طالبوا بحصانة هذه المنشآت من نتائجه.
وحماية الشعوب تقتضي الموقفين معًا: أقصى درجات الدقة في الرد الإيراني، ومحاسبة الحكومات التي وضعت الأرض العربية تحت تصرف الآلة العسكرية الأميركية. فلا حصانة لقاعدة تشارك في العدوان، ولا ذنب لشعب لم يقرر الحرب.
ممرات ضيقة نحو المجهول
يفتح التصعيد ثلاثة مسارات: العودة إلى التفاوض بعدما أثبت كل طرف قدرته على إيلام الآخر؛ أو استمرار حرب الاستنزاف البحري والاقتصادي تحت عتبة الحرب الشاملة؛ أو الانفجار الكبير إذا أصيبت حاملة طائرات أو قاعدة أميركية بخسائر فادحة، أو انتقلت واشنطن إلى ضرب مراكز الثقل الاقتصادي الإيراني.
ويبدو الاستنزاف المنضبط المسار الأرجح في المدى القريب، لكنه الأكثر قابلية للانفلات؛ لأن كل طرف يعتقد أنه قادر على معايرة الألم: واشنطن تظن أن بوسعها خنق إيران من دون إغلاق شريان الطاقة العالمي، وطهران تراهن على رفع الكلفة من دون منح خصمها ذريعة لحرب مفتوحة. وبين الحسابين قد يكون صاروخ واحد، أو ناقلة واحدة، كافيًا لإسقاط الحدود كلها.
بعد ربع قرن على 11 سبتمبر، لا تزال أسماء الضحايا تُقرأ في نيويورك، لكن الحروب التي أطلقتها واشنطن تحت راية ذلك اليوم لم تُدفن معهم؛ تبدلت ساحاتها، وبقي منطقها حاضرًا: أميركا تبدأ، والعالم يدفع الثمن.
ولا يعني استهداف قطعها البحرية أن ميزان القوة انقلب، لكنه يعني أنها لم تعد الطرف الوحيد القادر على كتابة السطر الأول من الحرب.
ومن نيويورك إلى هرمز، لم يعد السؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية الأكبر، بل عما إذا كانت هذه القوة تكفي لشن الحروب حيث تشاء، من دون أن يفرض خصومها مكان المواجهة وتوقيتها وكلفتها.
هنا تكمن دلالة المبادأة الإيرانية: ليست في المسافة التي قطعتها الصواريخ، بل في المسافة التي قطعتها المنطقة من زمن احتكار الحرب إلى زمن انتزاع القدرة على فرض أثمانها. وقد تفتح هذه المبادأة بابًا للتفاوض، أو تدفع نحو أبواب الجحيم؛ لكن المؤكد أن زمن الضربة الأميركية التي لا ترتد كلفتها على صاحبها بدأ يضيق.
المصدر: الميادين
تابعنا عبر Google
اجعل صدى الضاحية مصدرك المفضّل على Google
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




