تضع دراسة أعدّتها شركة الاستشارات العالمية “أنكورا” مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع أمام اختبار بالغ الخطورة، بعدما خلصت إلى أن 6 مصارف فقط قد تبقى قادرة على استكمال دفع حصتها من مبلغ الـ100 ألف دولار الموعود للمودعين، إذا طُبقت الآلية الحالية على امتداد 4 سنوات.
واستندت الدراسة، المعدّة لصالح جمعية مصارف لبنان، إلى معلومات قدّمتها 25 مؤسسة مصرفية تمثّل نحو 92% من القطاع، قبل تعميم النتائج على القطاع بأكمله. وهي درست قدرة المصارف الفعلية على توفير السيولة المطلوبة، لا مجرد الالتزامات النظرية التي يرتبها مشروع القانون عليها.
وبحسب السيناريو الأساسي الذي حاكت الدراسة نتائجه، تستطيع 10 مصارف فقط تحمل الدفعات خلال السنة الأولى، قبل أن يتراجع العدد إلى 8 في السنة الثانية، و7 في السنة الثالثة، وصولاً إلى 6 مصارف فقط في السنة الرابعة، بينها 4 مصارف كبيرة.
ويعني ذلك، وفق تقديرات “أنكورا”، أن نحو 550 ألف مودع قد يصبحون عرضة لعدم استكمال استرداد أموالهم، فيما تبلغ القيمة الصافية للودائع العالقة لدى المصارف التي قد تعجز عن مواصلة الدفع نحو 29.1 مليار دولار.
وتُظهر الأرقام أن مجموع الودائع المصرفية المعنية بالدراسة يناهز 82.8 مليار دولار، منها 15.1 ملياراً في حسابات لا تتجاوز 100 ألف دولار، و37.3 ملياراً في حسابات تتراوح بين 100 ألف ومليون دولار، فيما تتوزع بقية الودائع على الحسابات الأكبر.
وتقدّر الدراسة العبء النقدي المباشر الملقى على المصارف خلال السنوات الأربع الأولى بنحو 9.2 مليار دولار، نتيجة تحميلها 40% من كلفة تسديد الشريحة النقدية، مقابل 60% على مصرف لبنان. وتحذر من أن معظم المصارف لا تملك السيولة الكافية لتنفيذ هذا الالتزام، ولا سيما مع الاضطرار إلى بيع أصول غير سائلة بأسعار مخفضة.
لكن “أنكورا” طرحت سيناريو آخر يبدّل النتائج بصورة جوهرية، يقوم على احتساب الاحتياطات الإلزامية المقدرة بنحو 10.7 مليارات دولار ضمن حصة المصارف، وحسم المبالغ التي سبق دفعها بموجب التعميمين 158 و166. عندها، يرتفع عدد المصارف القادرة على الاستمرار بالدفع طوال السنوات الأربع إلى 23 مصرفاً من أصل 25 شملتها البيانات، وينخفض عدد المودعين المهددين إلى نحو 25 ألفاً.
وأوصت الدراسة بأن تعترف الدولة بالتزاماتها تجاه مصرف لبنان، وأن تعالج مسؤوليتها المنصوص عليها في المادة 113 من قانون النقد والتسليف، إضافة إلى استخدام جزء من احتياطي الذهب لتوفير السيولة اللازمة، واحتساب الاحتياطات الإلزامية ضمن آلية توزيع الخسائر، ومنع الازدواجية في احتساب الدفعات التي حصل عليها المودعون سابقاً.
كما حذرت من أن إقرار القانون بصيغته المدروسة قد يؤدي إلى إضعاف القطاع المصرفي والقضاء على قدرته على تمويل الاقتصاد، بما يكرّس الاقتصاد النقدي ويعطل التعافي، بدل أن يعيد الثقة ويؤمّن استرداد الودائع.
وتبقى نتائج “أنكورا” تقديرية وليست حكماً محاسبياً نهائياً، إذ توضح الشركة أن معلوماتها غير مدققة بالكامل وأن السيناريوهات قابلة للتعديل.
إلا أن الدراسة تكشف مكمن الخطر الحقيقي: الوعد القانوني بدفع 100 ألف دولار لا يكفي، ما لم تكن المصارف المكلّفة بالدفع تملك السيولة التي تسمح لها بتنفيذه.