رغم التهليل الذي رافق إعادة فتح السوق السعودية أمام المنتجات الزراعية اللبنانية، والرهان على العلاقات السياسية لاستعادة بعض الأسواق، بالتوازي مع استكمال متطلبات التصدير من رقابة وتتبع ومعايير معينة، إلا أنّ هذه الخطوات لا تبدو كافية وحدها لإعادة الصادرات الزراعية إلى سابق عهدها. فالمنافسة لم تعد تُحسم بجودة المنتج أو مطابقته للمواصفات فحسب، بل بكلفة إنتاجه أيضاً، وهي الحلقة التي لا تزال الأضعف في القطاع الزراعي اللبناني.
ففي وقت تعمل فيه وزارة الزراعة على استكمال نظام التتبع الكامل للمنتجات الزراعية لتعزيز ثقة المستوردين والحد من رفض الشحنات، يرى المزارعون والخبراء أن الأزمة تبدأ قبل وصول المنتج إلى المعابر الحدودية. إذ يدخل المنتج اللبناني الأسواق محملاً بكلفة مرتفعة للأرض، والمحروقات، والكهرباء، والأسمدة، والبذور، والشتول، واليد العاملة، في مواجهة منتجات مدعومة من دول نجحت أولاً في خفض كلفة إنتاجها، ثم رفعت جودة صادراتها. وبين هذين المسارين، تبدو معركة الصادرات الزراعية اليوم معركة تنافسية اقتصادية أكثر منها معركة جودة.
في هذا الإطار، عقد وزير الزراعة نزار هاني اجتماعاً مع شركات الرقابة العاملة في قطاع الصادرات الزراعية لوضع آلية رقابية موحدة تتماشى مع المعايير الدولية، تمهيداً لإطلاق نظام التتبع الكامل، الذي يبدأ من المزرعة وينتهي عند المستهلك. وتؤكد الوزارة أن الهدف يتمثل في توحيد الرقابة، وضمان سلامة المنتجات، والحد من رفض الشحنات، وتعزيز ثقة الأسواق الخارجية، ولا سيما بعد إعادة فتح السوق السعودية، بما يسمح بالاستفادة بصورة أفضل من الاتفاقيات التجارية وفتح أسواق جديدة أمام الإنتاج اللبناني. ويؤكد هاني لـ«الأخبار» أن الوزارة لا تبدأ من الصفر، إذ إن نحو 70% من الإنتاج اللبناني مطابق للمعايير المطلوبة، فيما يشكل نظام التتبع استكمالاً لمنظومة الرقابة، وليس فرض معايير جديدة. ويشير إلى أن تطبيقه سيبدأ تدريجياً بالمحاصيل الأكثر تصديراً، مثل العنب والتفاح والأفوكادو والكرز والموز، بالتوازي مع استكمال قاعدة بيانات المزارعين وتعزيز الإرشاد الزراعي.
ولا يختلف العاملون في القطاع على أهمية هذه الخطوة، إذ أصبحت الرقابة والتتبع من متطلبات التجارة الزراعية الحديثة، كما أن الحد من رفض الشحنات بسبب متبقيات المبيدات أو غياب التوثيق بات ضرورة للحفاظ على الأسواق الخارجية. لكن هذا الإجماع لا ينسحب على تشخيص الأزمة، إذ يجمع المزارعون والخبراء على أن المنتج اللبناني تجاوز منذ سنوات مشكلة المواصفات، فيما بقي عاجزاً عن معالجة كلفة إنتاجه.
يؤكد المزارع والمصدر عباس ترشيشي، الذي يعمل في القطاع منذ أكثر من ثلاثة عقود، أن المنتجات اللبنانية دخلت منذ سنوات الأسواق الأوروبية والخليجية بفضل جودتها، ولا سيما خلال ما يصفه بـ«الفترة الذهبية» إبان تولي الوزير السابق حسين الحاج حسن وزارة الزراعة، حيث تطورت أساليب الإنتاج بصورة كبيرة، ولا سيما بعد الحد من استخدام المبيدات الكيميائية واعتماد ممارسات زراعية أكثر تطوراً. ويتفق معه رئيس اللجنة الاقتصادية في غرفة التجارة والصناعة والزراعة في زحلة والبقاع، طوني طعمة، الذي يرى أن المواصفات لم تعد تشكل العائق الأساسي أمام التصدير، فيما يشير المزارع إيلي فرج إلى أن عدداً كبيراً من المزارع اللبنانية بات يلتزم بمعايير عالمية، مثل GLOBAL GAP، ما يجعل المشكلة الحقيقية في القدرة على الاستمرار بالإنتاج والمنافسة، لا في استيفاء شروط التصدير.
غير أن العقدة الأساسية تبدأ عند كلفة الإنتاج نفسها. فقبل أن يصل المنتج إلى مرحلة الفرز أو التوضيب أو التصدير، يكون قد مر بسلسلة طويلة من الأكلاف، تبدأ من الأرض الزراعية، التي تعد من الأغلى في المنطقة، مروراً بالبذور والشتول والأسمدة والمبيدات، وجميعها تقريباً مستوردة وتُسعّر بالدولار، وصولاً إلى المحروقات والكهرباء وكلفة الري والنقل والتخزين واليد العاملة. وإلى جانب هذه الأكلاف، يفتقد القطاع إلى المقومات التي تخفضها، إذ يعتمد بصورة شبه كاملة على استيراد مستلزمات الإنتاج، في ظل غياب صناعة محلية للأسمدة والبذور والشتول، أو برامج دعم تخفف العبء عن المزارعين، فضلاً عن ضيق الملكيات وغياب مشاريع الري الفاعلة، ما يجعل كلفة الاستثمار الزراعي أعلى من معظم الدول المنافسة.
ويقرّ وزير الزراعة بأن ارتفاع أسعار الأراضي، وصغر الملكيات الزراعية، وارتفاع كلفة الطاقة، تشكل أبرز أسباب ارتفاع كلفة الإنتاج، معتبراً أن الإرشاد الزراعي واعتماد التقنيات الحديثة يمكن أن يخففا جزءاً من هذه الأعباء، من خلال ترشيد استخدام المياه والأسمدة والمبيدات، واختيار الأصناف الأكثر ملاءمة، والاستفادة من الطاقة الشمسية في عمليات الري. لكنه يشير في المقابل إلى أن «المنتج اللبناني عنده نوعية مختلفة، عنده طعمة مختلفة، عنده شكل مختلف، وهذا ما يعوّض جزئياً عن فارق السعر». غير أنّ «محبة» المنتج اللبناني وحدها لا تكفي. فحتى المنتج الذي يتمتع بسمعة جيدة وجودة عالية، لن يحافظ على مكانه في الأسواق إذا بقي يصل بكلفة أعلى من منافسيه. لذلك، يرى العاملون في القطاع أن جودة المنتج، مهما بلغت، لا يمكن أن تكون بديلاً من سياسة زراعية متكاملة، لأن الأسواق لم تعد تعتمد على تميز المنتج وحده، بل على قدرته على المنافسة سعراً واستمرارية.
ويرى ترشيشي أن المشكلة لم تعد في خبرة المزارع اللبناني أو جودة إنتاجه، بل في البيئة التي يعمل فيها، إذ يشتري جميع مستلزماته بأسعار مرتفعة، بينما يحصل منافسوه في دول مثل تركيا على أسمدة مدعومة ومنتجة محلياً، إلى جانب دعم حكومي ينظم الإنتاج ويوجهه نحو المحاصيل المطلوبة في الأسواق، فيما يتحمل المزارع اللبناني وحده كلفة المحروقات والكهرباء والري والنقل.
ويضيف قائلاً: «نحنا أغلى دولة بالمحيط. الخليج مفتوح على الدنيا كلها. وين بيصرله أرخص بياخد. كنا بالأول نتغنى بكلمة منتوجات لبنان. بس هلق لا. راحت هيدي الحكاية». وينعكس ذلك أيضاً على أوضاع المزارعين، إذ يؤكد أن المزارع الصغير يكاد يختفي من القطاع، قائلاً: «المزارع اللي بيزرع عشرة دونمات أو خمسة راح، لأنّه باع ذهب مرتو، وباع بقراتو، وباع سيارتو وما عاد قدر يكمل». ولا ينفصل ذلك عن واقع السوق المحلية، إذ يشير فرج إلى أن الأزمة لم تعد تقتصر على التصدير، فمع غياب الدعم، اضطر كثير من المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة بعدما أصبحت كلفة الإنتاج تفوق العائد المتوقع. ويقول: «كنا نزرع ألف دونم، واليوم صرنا نزرع مئة دونم»، في مؤشر لا يعكس فقط تراجع الإنتاج، بل أيضاً انكماش الاستثمار الزراعي وتراجع المساحات المزروعة.
الأسواق الخارجية لم تعد تنتظر عودة المنتج اللبناني بل وجدت بدائل بأسعار أقلّ
ثبّت تطبيق صدى الضاحية
لتصلك آخر الأخبار بسرعة وسهولة




