كتبت صحيفة “البناء”: دخلت الوساطة القطرية على خط التفاوض الأميركي الإيراني من بوابة محاولة تفكيك العقدة التي تمنع التوصل إلى تسوية، والمتمثلة في إصرار طهران على ربط فتح مضيق هرمز بالعودة الأميركية إلى مذكرة التفاهم، مقابل رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب العودة إلى المذكرة، واستعداده للقبول بالتفاهم الإيراني العُماني حول المضيق شرط التعامل معه كاتفاق بحري مستقل.
وتقوم الصيغة التي حملها رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى طهران على فصل المسارين زمنياً، من دون إلغاء العلاقة السياسيّة بينهما. ويبدأ المسار الأول بفتح هرمز وفق الاتفاق الإيراني العُماني، مقابل رفع الحصار البحري عن صادرات النفط الإيرانية وضمان حرية الملاحة التجارية. أما المسار الثاني، فيتمثّل في إطلاق مفاوضات أميركية إيرانية على العودة إلى مذكرة التفاهم وبقية القضايا العالقة.
وبهذا المعنى، لا يشكل إعلان ترامب رفض العودة إلى المذكرة إغلاق باب التفاوض، بل جزءاً من لعبة التفاوض عبر الضغط لمصلحة الصيغة القطرية. يريد ترامب الحصول على فتح المضيق قبل العودة إلى التزامات المذكرة، ثم بدء التفاوض من موقع جديد لا يعترف فيه بأن واشنطن عادت إلى الاتفاق السابق أو تراجعت عن العقوبات التي أعلنتها.
في المقابل، تتمسّك إيران بأن فتح هرمز لا يمكن فصله عن العودة إلى مذكرة التفاهم، لأن إغلاق المضيق لم يكن خلافاً تقنياً على قواعد الملاحة، بل نتيجة للحرب ولانقلاب واشنطن على التزاماتها. وترى طهران أن القبول بفتح المضيق مقابل رفع الحصار البحري وحده يعني التخلي عن ورقة الضغط الرئيسية قبل الحصول على ضمانات بشأن رفع العقوبات ووقف الحرب والحقوق النووية وبقية بنود المذكرة.
ويقدم التفاهم الإيراني العُماني صيغة عملية لإدارة الملاحة عبر ممرات مشتركة، بما يحفظ السيادة الإيرانية والعُمانية ويوفر ضمانات للسفن التجارية. لكن قبول ترامب بهذه الصيغة يبدو مشروطاً بفصلها عن المذكرة، بينما تُصرّ إيران على التعامل معها باعتبارها جزءاً من العودة إلى الاتفاق وليست بديلاً منه.
جاءت الزيارة القطرية بعد زيارة قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير إلى طهران، وإعلان باكستان تحقيق تقدّم مهم، ثم التحرك العُماني الذي تناول ترتيبات المضيق. ويكشف التسلسل توزيعاً للأدوار، باكستان تناقش الضمانات الأمنية ومخاطر الحرب، وعُمان تضع الصيغة التنفيذية للملاحة، وقطر تحاول توفير الغطاء السياسيّ للعودة إلى التفاوض. لكن نجاح الوساطة يبقى مرتبطاً بقدرة قطر على إقناع إيران بفصل التنفيذ البحري عن التنفيذ السياسي للمذكرة، مقابل ضمانات بألا يتحول فتح المضيق إلى نهاية للتفاوض. كما يحتاج نجاحها إلى موافقة أميركية واضحة على صيغة تضمن العودة إلى مذكرة التفاهم بالتوازي مع رفع الحصار البحري عن الصادرات الإيرانية، لا الاكتفاء بوعد مؤجل يمكن التراجع عنه بعد فتح هرمز.
وفي “إسرائيل”، دخل العامل الانتخابي بقوة على حسابات الحرب والتفاوض، بعدما نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن نتنياهو قوله في محادثات مغلقة إنّ الليكود خسر عشرة مقاعد، وإنّه لا يعرف كيف يستعيدها، محذراً من أن الحزب سيخسر الانتخابات «إذا لم يحدث تغيير». وأضافت أن نتنياهو يعتقد أن وضعه أسوأ مما تظهره بعض الاستطلاعات، ولم يحسم بعد العنوان الذي سيخوض على أساسه حملته الانتخابية.
ويمنح استطلاع القناة 12 غادي آيزنكوت 44% في سؤال الملاءمة لرئاسة الحكومة، مقابل 34% لنتنياهو، فيما يتصدر حزب «يَشَر» بزعامة آيزنكوت بـ24 مقعداً، مقابل 22 لليكود. وتحصل المعارضة على 59 مقعداً، مقابل 50 لكتلة نتنياهو، بينما تنال القوائم العربية 11 مقعداً.
وتكشف هذه الأرقام أن مأزق نتنياهو لا يقتصر على تراجع الليكود، بل يشمل فقدانه التفوق الشخصي في الملف الأمني أمام رئيس أركان سابق. كما أن انتقال الأصوات بين أحزاب اليمين لا يحلّ المشكلة إذا بقي مجموع كتلة نتنياهو بعيداً أحد عشر مقعداً عن الأكثرية.
وتفتح عبارة نتنياهو «إذا لم يحدث تغيير» السؤال عن طبيعة التغيير الذي يراهن عليه خلال شهرين. وقد يكون المقصود توحيد قوائم اليمين ومنع سقوط أصوات سموتريتش تحت نسبة الحسم، أو استعادة جمهور انتقل إلى أحزاب جديدة. لكن احتمال التصعيد في غزة ولبنان يبقى حاضراً، خصوصاً إذا اعتقد نتنياهو أن حرباً أوسع تدخل إيران على خطها تستطيع قلب جدول الأعمال، وفرض حكومة طوارئ، وفتح باب المطالبة بتأجيل الانتخابات.
ولا يعني ذلك أن قرار الحرب اتُّخذ أو أن نجاحها مضمون. فقد تؤدي الخسائر واتساع القصف وتعطل الاقتصاد إلى تعزيز تقدم آيزنكوت بدلاً من إنقاذ نتنياهو. كما أن إعلان الطوارئ لا يكفي لتأجيل الانتخابات، لأن تمديد ولاية الكنيست يحتاج إلى أكثرية خاصة من ثمانين نائباً، ما يفرض الحصول على دعم قسم من المعارضة.
وفيما واصل السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى إطلاق التصريحات الوقحة التي تمنح الاحتلال «الإسرائيلي» التغطية الأميركية لارتكاب المجازر بحق المدنيين والأعمال العدائية وترمي كرة المسؤولية على سلاح حزب الله وتزيله عن العدو «الإسرائيلي»، أعاد عيسى ربط وقف الاعتداءات «الإسرائيلية» بنزع سلاح حزب الله، حيث زعم بعد لقائه شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز سامي أبي المنى في دار طائفة الموحدين الدروز ـ فردان، أنّ «اللبنانيّين متّفقون على تسليم سلاح حزب الله»، وكلّ شخص يريده بطريقة معيّنة، ولكن من الضروري أن يسلّم سلاحه للدولة». وقال «أعتقد أنّ هناك تواصلاً بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون والحزب سواء بشكل مباشر أو غير مباشر». وأضاف «حزب الله لا يريد أن يتكلّم لا مع الدولة اللبنانيّة ولا مع أميركا ولا مع “إسرائيل”، ولا يأخذ أوامره سوى من إيران، ونريده أن يسلّم سلاحه، وما بدنا شي زيادة منّو». كما لفت إلى «أننا نطلب دائماً من “إسرائيل” وقف وتخفيف ضرباتها، لكن في المقابل حزب الله لا يقدم أيّ خطوة». ورداً على سؤال حول موقف رئيس الحزب الاشتراكي السابق وليد جنبلاط من اتفاق الإطار، قال عيسى «يوم بدو ويوم ما بدو» وسنتواصل معه قريباً.
وعلى الأثر، كتب جنبلاط عبر حسابه على «أكس»: يبدو أنّ السفير الأميركي ميشال عيسى، وسط انشغالاته الثقافية والسياسية المتعددة، لم يتمكّن من قراءة ملاحظاتي على الوثيقة المسماة بـ «الإطار الثلاثي» التي أرفضها، والتي ينبغي استبدالها باتفاقية الهدنة التي نصّ عليها اتفاق الطائف والقرار 1701.
وبينما أعلن نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، أنّ جولة جديدة من المحادثات بين لبنان و”إسرائيل” ستُعقد خلال أيلول المقبل في العاصمة الإيطالية روما، مؤكداً استمرار بلاده في دعم المسار التفاوضي بين الجانبين، مشيراً إلى أنّ بناء السلام في لبنان من شأنه أن يساهم في تحقيق السلام في منطقة الشرق الأوسط بأكملها، أفادت مصادر رسمية لـ»البناء» بأنّ لبنان الرسمي لم يتبلّغ حتى الساعة بأيّ موعد محدّد لجولة تفاوضية جديدة في روما، كاشفة أنّ لبنان أرسل إلى الأميركيين عدة رسائل تدعو إلى استئناف المفاوضات في روما، وتحث الإدارة الأميركية على الضغط على «إسرائيل» لوقف أعمالها العدائية. إلا أنّ الجواب الأميركي لا يزال غامضاً بسبب المراوغة الإسرائيلية وشراء الوقت ودخول القوى السياسية في إسرائيل بـ»كوما» انتخابات الكنيست وحساباتها المعقدة.
وفي سياق ذلك، لفتت مصادر قناة «الجديد» إلى أنّ «الولايات المتحدة الأميركية تضغط على الجانب الإسرائيلي باتجاه استكمال المفاوضات، وحريصة على إبقاء المسار السّياسي قائماً، دون العودة إلى الضغط العسكري الّذي يبقى ضمن السّقف المحدّد»، مؤكّدةً أنّ «أيّ تقدّم يرتبط بالاتفاق على آليّة التحقّق من خلو المناطق التجريبيّة من السّلاح، الّتي لا يزال الكثير من العوائق أمامها».
وبحسب مصدر أمني ودبلوماسي غربي فإنّ الجيش الإسرائيلي يستعدّ لتوسيع العملية العسكرية في منطقة علي الطاهر للسيطرة عليها الشهر المقبل، لكن وفق ضوابط من المستوى السياسي ومن الإدارة الأميركية ولكلّ أسبابه وحساباته السياسية والانتخابية، لذلك يرجح المسؤول لـ»البناء» اكتفاء الجيش الإسرائيلي بالسيطرة على مرتفعات علي الطاهر والتلال المحيطة بأقلّ الأضرار والكلفة والالتزام بالضوابط والقيود الأميركية بعدم توسيع الحرب واشتعالها مجدّداً في المنطقة وجرّ إيران إليها بالتزامن مع سعي أميركي لإحياء المفاوضات ومذكرة التفاهم مع إيران في إسلام أباد.
ووفق ما تشير مصادر في فريق المقاومة لـ»البناء» فإنّ المقاومين سيتصدّون لأيّ توغل «إسرائيلي» في علي الطاهر وغيرها من التلال بكلّ ما لديهم من قدرات وإمكانات ولن يسلّموها للإسرائيلي من دون قتال، لكن في حال وسّع الإسرائيلي عدوانه باتجاه المدنيين والقرى الآمنة، فإنّ المقاومة ستوسّع ضرباتها باتجاه مواقع الاحتلال في مستوطنات شمال فلسطين، مذكّرة نتنياهو بأنّ أيّ توسيع للحرب ستسقط معه المعادلات وقواعد الاشتباك التي أنتجتها الحرب، وبالتالي ستصبح المناطق الشمالية في دائرة نار صواريخ حزب الله والصواريخ الإيرانية، في الوقت الانتخابي الصعب.
في المواقف، وجّه رئيس مجلس النواب نبيه بري رسالة إلى مؤتمر الوحدة الإسلامية المنعقد في طهران بدعوة من «المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية»، تلاها أمام المؤتمرين ممثله إلى المؤتمر مفتي صور وجبل عامل الشيخ حسن عبد الله، توجّه فيها إلى الحاضرين بالقول: «إنّ الوحدة ليست وحدة الألوان والأسماء، ولا وحدة تقوم على إلغاء الاختلاف، فالإسلام في تاريخه وحضارته عرف التعدّد في الاجتهاد والمدارس والمذاهب، ولم يجعل من الاختلاف في الرأي سبباً للعداء. إنّ الوحدة التي نحتاج إليها هي أن نختلف دون أن نتقاتل، وأن نتعدّد دون أن نتفرّق، وأن نبحث عن المشترك الذي يجعل من تنوعنا قوة لا ذريعة للانقسام».
وأكد بري «أننا بحاجة اليوم إلى فقه جديد للوحدة، فقه يجعل حرمة الدم مصانة، وكرامة الإنسان محفوظة، والاختلاف حقاً، والحوار واجباً، والتكفير محرّماً، والفتنة عدواً مشتركاً، نحتاج إلى وحدة لا تخاف من التنوع، وإلى إيمان لا يحتاج إلى كراهية الآخر كي يثبت ذاته».
واستطرد بري قائلاً: «حين نتحدث عن الوحدة الإسلامية في فكر (الشهيد) سماحة السيد علي الخامنئي، فإننا لا نتحدث عن فكرة هامشية في مشروعه الفكري، ولا عن موقف ظرفي فرضته التحولات السياسية، إنما نتحدث عن مبدأ أصيل ورؤية متكاملة للأمة ومستقبلها وموقعها في العالم، ولكي تتحقق هذه الوحدة، يرى الإمام الشهيد أن الأمة يجب أن تركز جهودها على مواجهة المخاطر التي تهدد كيانها، في جبهة مواجهة الفكر التكفيري في الداخل، وجبهة التصدي للمشروع الصهيوني- الاستكباري في الخارج».
ميدانياً، ارتقت شهيدة وأصيب عدد من المواطنين بجروح، جرّاء الغارات الإسرائيليّة على بلدة عربصاليم في قضاء النبطيّة جنوبي لبنان. كما أغار الطيران المُسيّر الإسرائيلي مستهدفاً محيط المدينة الصناعيّة في النبطية، فيما ألقت مُحلّقة إسرائيليّة قنبلتَين صوتيّتَين على دوحة كفررمان في قضاء النبطيّة.
وأعلن مركز عمليّات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة العامّة، في بيان، أنّ «الحصيلة النّهائيّة لغارة العدو الإسرائيلي على بلدة عربصاليم في قضاء النبطيّة، هي شهيدة و6 جرحى، من بينهم طفلة وسيّدة ومسنّان».
وزعمت المتحدّثة باسم جيش العدو الإسرائيلي إيلا واوية، أنّ «الجيش هاجم، بنى تحتيّة تابعة لـ»حزب الله» في منطقة النبطية في جنوب لبنان، شملت مستودعات خُزّنت فيها وسائل قتاليّة تابعة للحزب، كانت مخصّصة لاستهداف قوّات الجيش ومواطني “إسرائيل”».
كما شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي غارةً مستهدفاً حي الدير في النبطية الفوقا، و3 غارات على بلدة القنطرة في قضاء مرجعيون جنوبي لبنان. كما نفّذ الجيش الإسرائيلي عمليّة تفجير في بلدة المنصوري في قضاء صور.
وأكّدت قوّة الأمم المتحدة الموقّتة في لبنان (اليونيفيل)، أنّ «القرار 1701 لا يزال هو الإطار الأساسي لتحقيق الاستقرار في جنوب لبنان»، موضحةً أنّ «مبادئه تشمل احترام الخط الأزرق، وقف الأعمال العدائيّة، انسحاب القوّات الإسرائيليّة من الأراضي اللّبنانيّة، وبسط سلطة الدولة اللبنانيّة على كامل أراضيها». وأشارت إلى أنّ «دور اليونيفيل يتمثّل في دعم الجانبين، لبنان و»إسرائيل»، في تنفيذ التزاماتهما بموجب القرار، بينما تقوم برصد التطوّرات على الأرض، والإبلاغ عن الانتهاكات، ودعم الجيش اللبناني والمجتمعات المحليّة»، مشدّدةً على أنّ «التنفيذ الكامل للقرار 1701 يعتمد في نهاية المطاف على التزام الجانبين».