أزمة الأكسجين في غزة تهدد حياة المرضى مع خروج 22 محطة من أصل 34 عن الخدمة منذ بداية الحرب.
يجد أحمد، الذي خاض معركة مع سرطان الدم على مدى 13 عاماً، نفسه أمام معركة جديدة تتعلق بتأمين الأكسجين الذي يعتمد عليه باستمرار. ويقول للميادين: “يحتاج إلى الأكسجين باستمرار، وإلى الأدوية باستمرار، فأي نقص يجعله ينزعج ويشعر بالضيق”.
وتأتي معاناة أحمد في ظل أزمة تطال آلاف المرضى في قطاع غزة، بالتزامن مع تراجع منظومة إنتاج الأكسجين وتعطل عدد كبير من محطاتها بسبب نقص قطع الغيار والإمكانات.
وبحسب أرقام وزارة الصحة الفلسطينية، كان القطاع يضم 34 محطة لتوليد الأكسجين، لم يتبق منها سوى 12 محطة تعمل حالياً، بعدما أخرج الاحتلال 22 محطة عن الخدمة منذ بداية الحرب.
وتعمل المحطات الـ12 المتبقية في ظروف تقنية وإمكانات صعبة. أما محطة الأكسجين الوحيدة التي تعمل في مدينة غزة، والمصممة للعمل نحو 8 ساعات يومياً وفق القوانين واللوائح، فتعمل حالياً لنحو 20 ساعة يومياً لتوفير الكميات اللازمة من الأكسجين وتعبئة الأسطوانات للأقسام الحرجة.
مستشفى شهداء الأقصى يواجه نقصاً حاداً
في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح، الذي يغطي أكثر من 600 ألف نسمة في المحافظة الوسطى، كانت توجد 4 محطات للأكسجين تمد أقسام الاستقبال والطوارئ وغرف العمليات والعناية المركزة.
لكن الحرب أبقت محطتين فقط، فيما توقفت المحطتان الأخريان بسبب عدم توفر قطع الغيار والزيوت الخاصة.
ويقول الدكتور المسؤول في مستشفى شهداء الأقصى: “نحن في مستشفى الأقصى نواجه مشاكل كبيرة جداً في تشغيل هذه المحطات. فالاثنتان اللتان ما زالتا تعملان دائماً في حالة أعطال، ونواجه هذا التحدي يومياً في تشغيلهما وإمداد الأقسام، بالإضافة إلى تلبية احتياجات المستشفيات الميدانية والأهلية”.
ويضيف: “لو توقفت هذه المحطات، سنواجه مشكلة كبيرة جداً، حيث ستعرض حياة المرضى المنومين في الأقسام الحرجة والحساسة، والمرضى الخارجيين الذين يعبئون أسطواناتهم، إلى الموت أو الإعدام البطيء”.
وتنخفض نقاوة الأكسجين الداخلة إلى غرف العناية المكثفة وعناية الأطفال إلى أقل من 70% أو 60%، وفق ما يورده النص، بما يشكل خطراً على المرضى.
“الشفاء” يئن و”الرنتيسي” صامت
في مجمع الشفاء الطبي، الذي كان يضم 10 محطات للأكسجين، لم يتبق سوى محطتين. وفي مدينة غزة بأكملها، لا توجد حالياً سوى محطة واحدة تعمل على تعبئة أسطوانات الأكسجين.
ويصف الدكتور محمد أبو سلمية، مدير مجمع الشفاء الطبي، الوضع قائلاً: “الوضع خرج عن السيطرة تماماً”.
ويحذر أبو سلمية من أن استمرار تعطل محطات الأكسجين يهدد حياة المرضى الأكثر هشاشة، وبينهم الأطفال الخُدّج في الحضانات، ومرضى العناية المركزة، والمرضى الذين يعتمدون على أجهزة التنفس الاصطناعي، إضافة إلى المرضى في غرف العمليات والطوارئ.
ويؤكد أن “انقطاع الأكسجين عن المرضى المرتبطين بأجهزة التنفس الاصطناعي أو الأطفال الخدج قد يؤدي إلى وفيات جماعية”.
معركة قطع الغيار
لا تتعلق المشكلة باستحالة إصلاح محطات الأكسجين، بل بعدم توافر قطع الغيار اللازمة لإعادتها إلى العمل بكفاءة.
ويؤكد الدكتور أبو سلمية أن قطع الغيار المطلوبة ليست باهظة الثمن، وأن إدخالها إلى القطاع يمكن أن يسهم في إعادة تشغيل المحطات ورفع قدرتها على تعبئة أسطوانات الأكسجين للمرضى والمصابين.
ومنذ بداية الحرب، لم يتم توريد أي قطع غيار لإجراء الصيانة الوقائية أو الطارئة. كما تحتاج المحطات إلى زيوت خاصة غير متوفرة في السوق المحلية، فيما تحتاج الأجهزة المتعطلة إلى قطع غيار لا يمكن توفيرها إلا من خارج القطاع.
أزمة تعبئة الأسطوانات
لا تتوقف الأزمة عند إنتاج الأكسجين، بل تمتد إلى تعبئة الأسطوانات. فمن أصل 30 جهازاً كانت تعمل في القطاع لتعبئة الأسطوانات، لا يعمل حالياً سوى 4 أجهزة.
ويعني ذلك تراجع قدرة عشرات الآلاف من المواطنين الذين يعتمدون على الأكسجين في منازلهم على تعبئة أسطواناتهم من المستشفيات.
وتوقف مستشفى الشفاء بشكل كامل عن تعبئة الأسطوانات، كما توقف مستشفى الرنتيسي، فيما قلص مستشفى الأقصى هذه الخدمات إلى الحد الأدنى للاستمرار في تقديمها.
تحذيرات من توقف الإمدادات
حذرت وزارة الصحة الفلسطينية، في بيان لها منذ يومين، من خطر التوقف الكامل لإمدادات الأكسجين داخل مستشفيات قطاع غزة، في ظل استنزاف القدرة التشغيلية لمحطات الأكسجين المتبقية، وتفاقم الأعطال المتكررة، وعجز فرق الصيانة عن إصلاحها بسبب عدم توافر قطع الغيار اللازمة.
ويأتي التحذير في وقت يتواصل فيه التصعيد “الإسرائيلي” في مناطق عدة من قطاع غزة، لا سيما في مدينة خان يونس جنوبي القطاع، حيث شهد محيط دوار أبو حميد قصفاً مدفعياً وغارات جوية وإطلاق نار من المروحيات “الإسرائيلية” باتجاه منازل المواطنين وخيام النازحين.
الأكسجين شريان حياة
يعتمد الأطفال الخدج في الحضانات، ومرضى العناية المركزة، والمرضى الذين يخضعون للعمليات الجراحية، والمرضى الخارجيون الذين يعانون من أمراض تنفسية مزمنة، على الأكسجين في المستشفيات.
وتدعو الطواقم الطبية في غزة إلى إدخال محطات أكسجين جديدة أو توفير قطع غيار عاجلة لاستمرار المحطات الموجودة.
ويقول الدكتور المسؤول في مستشفى الأقصى: “نحن الآن نقف على شفا الخطر في الأقسام الحيوية: العمليات الجراحية، والعناية المكثفة للكبار، والعناية المكثفة للأطفال، وأقسام الحضانات.هذه أقسام حيوية يمنع أن يتوقف عنها الأكسجين. نحاول أن نجمع ما تبقى لدينا لنستمر في تقديم الخدمات، ولكن للأسف، في المشهد الحالي، نحن نسير إلى الهاوية بخطى بطيئة، وقد نصل إليها في أي لحظة”.