أخيرًا، انتزع لبنان «النصر الاستراتيجي العظيم» في الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية! تحقّق المطلب التاريخي الذي أرهق كاهل الدبلوماسية اللبنانية، وسقطت أوهام العدو على عتبة صمود المفاوض اللبناني، الذي أثبت للعالم أن الحفاظ على السيادة يتجاوز حدود الجيوش وعناصر القوة، ويكتفي بهاتف وسفيرة شجاعة في واشنطن!
لقد زُفّت إلينا البشائر وتبادل المسؤولون الأنخاب؛ بعد أن نجحت السفيرة ندى حمادة معوض، وإثر همسة خجولة في أذن الخارجية الأمريكية، في إقناع إسرائيل بـ «مسح الصورة» ونزع الخريطة المقتطعة للجنوب اللبناني من حساباتها الرقمية! يا لَه من فتحٍ مبين؛ إسرائيل تُعبّد جبالنا بالأسفلت، وتُنقل التلال، وتُجرّف القرى، بينما تخوض دولتنا الموقرة معاركها المصيرية في الفضاء الافتراضي بحذف منشور! المحتل يثبت حدوده بالحديد والنار على أراضينا، وتكتفي السلطة بالاحتفال بخيار «زر الحذف»، من دون أن تجرؤ حتى على طلب توضيح رسمي أو الاستفسار عن سبب الضم أصلاً!
تتجاوز هذه الكوميديا السوداء حدود الزلة الدبلوماسية. لتغدو عيّنة بسيطة من حجم الصمت المريب، والتسليم الوقح للجلاد، والجاهلية المتعمدة التي تمارسها السلطة اللبنانية وهي تشاهد الجنوب يُقضم، يُجرّف، ويُقسّم جغرافياً، ثم تخرج على الناس ببيانات ناعمة تتحدث عن «الهدوء» و«دعم المسار التفاوضي». أين هي هذه الدولة حين يُستباح التراب وتُهتك حرمة القرى؟ وأي عقل هذا الذي يصدق، أو يحاول أن يُصدق، البنود الإطارية المخزية التي تخرج من كواليس التسويات المغشوشة، والتي ينص بعضها بالبند العريض على أن المحتل يعلن أنه «لا يضمر أي أطماع أو مطالب إقليمية في لبنان»؟
أي بلاهة سياسية أو تواطؤ دنيء هذا الذي يستند إلى «تعهدات» كيان قائم في أصله وفصله على عقيدة الاستيطان، والضم، والتوسع الجغرافي؟ كيف يخرج مسؤول في السلطة اللبنانية، دون أن يطرف له جفن، ليقول للناس إن إسرائيل اعترفت في الاتفاق الإطاري بأنها لا تملك أطماعاً إقليمية في أرضنا؟ هل أصبحت السيادة تُقاس بنوايا المحتل التي كُتبت بلغة دقيقة تبرر بقاءه وتمنحه الشرعية لحين تحقيق «نزع السلاح» الموهوم؟ كيف يُباع الجنوب بحفنة كلمات دبلوماسية باردة، بينما الواقع على الأرض يصرخ بالحقيقة التي يحاولون التعامي عنها؟
تاريخ الحركة الصهيونية أبعد ما يكون عن الالتزام بالمراسيم الدولية أو البنود التفاوضية؛ فقد شُيّدت أركانها بالقتل، والتهجير، وتغيير معالم الجغرافيا حجرًا بحجر، وشجرة بشجرة. ولم ينطلق الاستيطان الإسرائيلي يوماً من البيوت والقرى الاستيطانية الجاهزة، بل رسم مساره دائماً عبر الطرق العسكرية العريضة، والنقاط الأمنية المستحدثة التي تقضم التلال تدريجياً.
الاحتلال بالتدرّج
وهنا يتبدى خطر النموذج الذي تُنفّذه إسرائيل بالتدريج. إذ تشير المحللة السياسية الدكتورة ليلى نقولا في تحليل لها إلى أن التعامل مع هذا العدو يستوجب استحضار نموذجي فلسطين والجولان السوري لتفهم كيف تُستخدم الوقائع الميدانية لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية. فالجولان لم يُضمّ بين ليلة وضحاها، بل بدأ بسيطرة عسكرية متدرجة، ثم إدارة طويلة الأمد، فبناء شبكات طرق وبنى تحتية، وصولاً إلى فرض القانون الإسرائيلي عليه عام 1981. وما يجري في الضفة الغربية يكرر السيناريو ذاته: شق الطرق وتثبيت الوقائع قبل أي مشروع سياسي، حتى تصبح الجغرافيا نفسها عاملاً يفرض معادلاته. وتحذر د. نقولا من أن «المشاريع التوسعية لا تبدأ عادة بإعلان الضم، بل بتحويل الوجود المؤقت إلى وجود دائم، وتحويل الاستثناء إلى أمر مألوف».
ولا يولد هذا «الأمر المألوف» من رحم المصادفة، إنما يُهندس عبر حركات استيطانية مثل حركة «أوري تسافون» (اصحى يا شمال) ومجموعات «لبنان لنا»، التي تنشط علناً وتروج لخرائط بيع الأراضي والمنازل في الجنوب اللبناني وتدعو لبناء مستوطنات على أراضينا. تتجاوز هذه الحركات كونها مجرد ظواهر معزولة، لتكون الأدوات التنفيذية التي تستخدمها المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية لـ «جس النبض» وتمرير المشاريع التوسعية بالتدريج، تماماً كما حدث ويحدث اليوم في الضفة الغربية؛ حيث تُطلق يد ميليشيات المستوطنين لبناء «البؤر الرعوية» ونصب الخيام بحماية الجيش، ثم تتولى الحكومة شق الطرق الالتفافية وتوفير البنى التحتية، وصولاً إلى قوننة هذه البؤر وتحويلها إلى مستوطنات شرعية! السلوك نفسه يُنسخ ويُكرر اليوم في جنوبنا: يبدأ باقتحامات استيطانية ونصب خيام على أطراف القرى الحدودية، وينتهي بأسفلت وجيش يحمي «حقوقهم المكتسبة»، فيما تقف سلطتنا متفرجة تنتظر أن يمحو المحتل منشوراً إلكترونياً لتبتسم للعدسات، وظنها الخائب يصور لها أن محو الخريطة يلغي النية أو يغير واقع الاحتلال.
تغيير أرض الجنوب
وبينما كانت نخبة بيروت السياسية تسكر بأوهام الاتفاقيات والوساطات الخارجية في الصالونات المكيفة، كانت الجرافات والآليات الثقيلة لجيش الاحتلال تؤسس لهذا الواقع الاستيطاني الجديد داخل الجنوب اللبناني. الصور الميدانية وتقارير الأقمار الصناعية تكشف عن السيطرة الفعلية على مساحات واسعة من أراضينا، وعن إنشاء قواعد عسكرية ثابتة، واستحداث نقاط أمنية مرتفعة تطل على الحقول والقرى، وشق عشرات الكيلومترات من الطرق اللوجستية وتعبيد الشوارع داخل البلدات الحدودية لربط تلك القواعد ببعضها وبداخل الكيان.
إن تعبيد الطرق بلغة المحتل يجسد تجلياً واضحاً لـ «تثبيت الملكية بالحديد والنار والأسفلت»، وينسجم تماماً مع فعل اقتلاع شجر الزيتون المعمّر ونقله إلى الأراضي المحتلة في محاولة لاختلاق تاريخ وزعم الوجود في الأرض منذ عقود طويلة. هذا الفعل الاستيطاني الصريح يعلن للملأ: «نحن هنا لنبقى، وهذه الأرض أصبحت امتداداً جغرافياً لنا». هذا هو الاستعمار المباشر الذي يُمارَس تحت عين الدولة وبصمتها، بينما يثرثر سادتها عن «الضمانات الدولية» و«الالتزام بالقرارات الأممية»!
وكما تؤكد الدكتورة ليلى نقولا: «فإن الخرائط في الصراعات تجسد أدوات سياسية تعكس تصوّرات الدول لمدى نفوذها المستقبلي وتتجرّد من البراءة… والخرائط كثيراً ما تأتي في نهاية المسار لا في بدايته، وقد أظهر الإسرائيلي الخريطة». وهنا المضحك المبكي؛ فهذه الخريطة التي نُشرت لم تشكل صدمة لأهل الجنوب بحد ذاتها، فالعدو كيان واضح بمخططاته ونواياه منذ الأزل، ولا ينفك يتحدث عن أطماعه التوسعية. إنما صدمتنا كانت بمن ارتضى لنفسه دور الصم والبكم، وتناسى تاريخ بلاده وإقليمه، وبدا وكأنه يتعرف على جاره الجديد حاملاً غصن الزيتون، ويسلّمه بالأخرى أملاك شعب بلاده وأرضاً لم ينتمِ إليها يوماً.
الأراضي التجريبية
إنهم يعاملون القرى والبلدات الجنوبية كبضائع رخيصة في سوق نخاسة دولي؛ يتعاملون مع صمود أهاليها، وأرواح شهدائها، وجذور شجر زيتونها كأوراق للمساومة يُضحّى بها لتثبيت مناصبهم والتملّص من الواجبات الوطنية. تتجذر فكرة الاستيطان الصهيوني بوصفها مشروعاً إلغائياً يتغذى بالكامل على فراغ السلطة وتواطؤها والخلاف الداخلي. فحين تجعل الدولة من حدودها أرضاً «تجريبية»، وتسمح بوجود مناطق أمنية عازلة بحجة «خلق ظروف الأمن والسلام»، فهي تعيد بجهل فاضح تكرار سيناريو الشريط الحدودي ومأساة الاستيطان التوسعي الذي امتد لعقود.
دولة تسعى جاهدة لجعل ابن الجنوب كائناً بلا أرض، ومجرد لاجئ أو نازح في وطنه، بينما يتحرك المحتل براحة تامة، يُعبّد الطرقات، ويقتلع الشجر، وينسف البيوت، ويرسم حدوده بالأسفلت والحديد أمام أنظار العالم بأسره، ويعيد تشكيل الخرائط وضم الأراضي على راحته. ونحن يعترينا الذهول حين نكتشف أن هذه السلطة التي تلزم الصمت أمام تجريف أرضها، تخرج فجأة لتستنكر أحداثاً إقليمية بعيدة، ممارسة أعلى درجات انفصام المسؤولية الوطنية!
لن يرحم التاريخ هذه السلطة المهزومة التي تواطأت بجهلها وصمتها على قضم أطراف الوطن. كل زاوية طريق تُعبَّد في الجنوب برعاية جيش الاحتلال هي شاهد حي على عار هذه التوقيعات وسقوط هذه السلطة الأخلاقي؛ السلطة التي ظنت أن مسح خريطة إلكترونية بطلب من واشنطن يمحو واقع الاحتلال الجاثم فوق صدور أهالينا. سيبقى الجنوب لأهله، وستبقى الحقيقة المرة مُشهرة في وجه كل من صمت أو بَصَم: الأرض لا تحميها الصكوك الرخيصة ولا مسح الصور، والسيادة لا تُستجدى من المحتل، والتاريخ يكتبه فقط مَن يرفضون أن تكون بيوتهم وقراهم حقل تجارب، ومَن يعلمون أن كل شبر زُفّت بالعدوان هو جرح في كرامة الوطن ينحصر شفاؤه في قلع الاحتلال وإعادة الأرض لأصحابها.